يعتقد العلماء أنه قبل نحو 3 مليارات سنة، كان الكوكب الأحمر يبدو مُختلفًا تمامًا عما هو عليه الآن وفي ظروف تشبه إلى حدٍّ كبير تلك التى نعيشها الآن على كوكب الأرض، فلقد ملأت المياه السائلة التي تساقطت بفعل الأمطار والثلوج مساحاتٍ كبيرةً من سطح المريخ، وصنعت أنهارًا وبحيرات ومحيطات مثل تلك الموجودة الآن على سطح الأرض. وبسبب تغيير مناخي كبير فَقَدَ الكوكب غالبية هذه المياه التي كانت عليه. ولأن الفراعنة كانوا أول مَن رصد المريخ فى الفضاء وكذلك كانوا أول مَن أطلق عليه الكوكب الأحمر، فقد يكون لأحفادهم اليوم سبق جديد فى معرفة طبيعة المياه على ذلك الكوكب.

ففي دراسة علمية جديدة وفريدة من نوعها نُشرت في دورية نيتشر جيوساينس قدم باحثان مصريان -هما "عصام حجي"، أحد باحثي تجربة استكشاف سطح المريخ "رادار مارس إكسبريس" المشتركة بين "ناسا" ووكالة الفضاء الإيطالية وإدارة الطيران، و"أبو طالب زكي أبو طالب"، زميل أبحاث ما بعد الدكتوراة في مركز أبحاث المناخ والمياه بجامعة جنوب كاليفورنيا- أدلةً جديدةً تؤكد وجود مياه جوفية عميقة فى حالة نشطة ومتجددة تحت سطح كوكب المريخ وتَولُّد تيارات سطحية يُعبَّر عنها بشقوق وتموجات تصنعها المياه على السطح في بعض المناطق القريبة من خط الاستواء.

كان الباحثان قد درسا المظاهر الجيولوجية والتركيبية لسطح المريخ من خلال صور عالية الدقة المكانية (تصل إلى 25 سم) إضافةً إلى إعادة تمثيل الحركة الفيزيائية للمياه الجوفية خلال الصدوع (والتي تنتج ما يُعرف بخطوط الانحدار المتكررة) على سطح المريخ وعلاقتها بدرجات الحرارة في فصول الشتاء والصيف، كما تمت معايرة هذه النتائج ومقارنتها من خلال الشواهد الحقلية من منطقة الصحراء الغربية المصرية والعربية، خلال مهمات لتجارب بحثية سابقة جرت في هذه المناطق والمنطقة القطبية الشمالية لكوكب المريخ. وتوصل الباحثان إلى أن المياه الجوفية قد تكون موجودةً تحت مناطق جغرافية تتجاوز قطبي الكوكب، الشمالي والجنوبي، إلى خط الاستواء، وأن هناك نظامًا نشطًا أعمق مما كان يعتقد العلماء بعمق يصل إلى 750 مترًا، تتسرب خلاله المياه الجوفية إلى السطح.

وفى تصريح خاص لـ"للعلم" يقول "أبوطالب" الباحث الأول فى الدراسة: "تقدم دراستنا أول دليل جيولوجي على وجود ينابيع نشطة للمياه الجوفية على سطح كوكب المريخ، وتنبثق هذه المياه ذات الملوحة المرتفعة من أعماق سحيقة تصل إلى أكثر من 750 مترًا تحت سطح المريخ".

السباق نحو المريخ

انطلقت شرارة البحث في طبيعة كوكب المريخ فى عام 1832، حينما استطاع العالِم "فلهلم باير" رسم أول خريطة لسطح المريخ، بيّن فيها المناطق الداكنة التي تظهر على السطح، وظن أنها عبارة عن قنوات مياه شيدتها حضارة متوقعة كانت على الكوكب. وبعد مرور أكثر من قرن من الزمان وتحديدًا في عام 1964 استطاعت أول مركبة فضائية أن تصل إلى المريخ وهي “مارينر-4”، التي التقطت ما يقرب من 20 صورة لسطح المريخ وبثتها للأرض. وبعدها سرعان ما توالى تنامي الشغف بفهم طبيعة هذا الكوكب الأحمر والبحث فيه عن حياة أخرى.

وفي العام 2015 أعلنت وكالة ناسا للفضاء رسميًّا عن وجود مياه سائلة مالحة متدفقة على سطح المريخ تنتج من مياه جوفية سطحية، ومع أن درجة الحرارة على سطح المريخ منخفضة جدًّا (يمكن أن تصل إلى 68 درجة مئوية تحت الصفر) فما زال بالإمكان وجود المياه في صورة سائلة نظرًا لوجود الكثير من الملح المذاب في ذلك الماء، والذي يُمكن أن يقلل درجة التجمد عن طريق إعاقة ارتباط جزيئات الماء بعضها ببعض، مما يُبقي الماء فى حالة سائلة، كما أن أملاح الصوديوم، والمغنيسيوم، والكالسيوم الموجودة في أماكن أخرى على سطح المريخ، قد تساعد أيضًا في الحفاظ على سيولة تلك المياه.

وتوالت الاكتشافات، حتى أثار الباحثون ضجةً كبيرةً مرة أخرى فى منتصف العام الماضى عندما أعلنوا أن المريخ يضم بحيرةً مخفيةً تحت قطبه الجنوبي، حيث استخدمت المركبة الفضائية الأوروبية مارس إكسبرس رادارها المتقدم (MARSIS) الذي يخترق السطح، ويُرسل نبضات رادارية إلى الأعماق، ثم يحدد الوقت الذي استغرقته هذه النبضات حتّى ترتد، ويُشار إلى أنّ خصائص الطبقات تحت السطح تؤثر على الوقت الذي تستغرقه إشارات الرادار للعودة.

وكان العلماء سابقًا يستبعدون أن تكون هذه الظواهر الجيومورفولوجية ناتجةً عن سريان المياه الجوفية في مناطق قريبة من تلك التي شوهدت فيها؛ وذلك بسبب ظهور هذه الخطوط على الانحدارات العالية على سفوح الحوائط المحيطة بحفر النيازك عوضًا عن وجودها داخل الحفر نفسها ذات الارتفاعات المنخفضة نسبيًّا.

فرضيات بديلة

 يرى كلٌّ من حجي وأبو طالب أن هذه المياه ذات الملوحة المرتفعة تنبثق من خلال صدوع وفوالق فى قشرة المريخ نتيجة زيادة الضغط الواقع على هذه المياه الجوفية بفعل ثقل الصخور السطحية. هذه الصدوع قد تتكون نتيجة اصطدام النيازك بسطح المريخ أو نتيجةً لحركات تكتونية. حينما تصعد هذه المياه إلى السطح تترك آثارًا وعلاماتٍ واضحةً على جدران تلك الحفر والصدوع تسمى خطوط الانحدار المتكررة، يمكن تتبُّعها ودراستها.

ومنذ أن بدأ توصيف خطوط الانحدار المتكررة على المريخ مع تطور وسائل التصوير الفضائي ووصولها إلى دقة مكانية عالية، كان العلماء يعتقدون أنها مرتبطة بتدفق المياه السطحية الناتجة عن ذوبان الجليد أو بتدفق مياه جوفية غير عميقة، كما ذهبت بعض الدراسات إلى أنها مجرد تكثيف لبخار الماء الموجود فى الغلاف الجوى للمريخ أو حتى مجرد سريان جاف لحبيبات التربة تحت فعل الجاذبية. أما هذه الدراسة الجديدة فقد أثبتت أمرًا يخالف كل هذه التكهنات، وبينت أن هناك ارتباطًا مكانيًّا بشكل كبير بين مناطق نشأة هذه الخطوط والمناطق التي تزيد فيها الصدوع والشروخ، بما ينفي تمامًا أي دور للسريان الجاف أو ذوبان الثلوج أو تكثيف لبخار الماء الموجود في الغلاف الجوي للمريخ. كما تقدم الدراسة كذلك تحليلًا لخصائص خطوط الانحدار المتكررة على سطح المريخ، وتدرس علاقة التراكيب الجيولوجية بتكوين هذه الخطوط.

ويعلق "أبو طالب" على هذا قائلًا: ترجع أهمية فهم مصادر هذه الخطوط وطريقة تكوُّنها إلى أنها تحتوي على بصمة طيفية لأملاح مشبعة بالمياه، مما يزيد من احتمالية ربطها بالأماكن المرشحة لوجود شكل من أشكال الحياة خارج كوكب الأرض.

وحيث إن الأشياء المختلفة، كالحيوان والنبات، والمعادن، تعكس ضوء الشمس بطرق مختلفة، فإن كلًّا منها يقال: إن له "بصمة طيفية"؛ فالحجر الرملي يعكس الضوء في المنطقة دون الحمراء بشكل يختلف عن عكس الطفلة، والتربة المبتلة تختلف عن الجافة. كما تختلف الانعكاسات أيضًا في الأملاح المعدنية المشبعة بالماء. ومثل هذه البصمات تصبح قابلةً للتمييز عقب التحليل الدقيق للمعلومات المصورة، ويعالجها الحاسب الآلي على الأرض. وفي هذه المعالجة، يصبح ما هو خفي بالضرورة مرئيًّا.

بينما تقدم الدراسة الجديدة فرضيات بديلة تنص على أن المياه الجوفية المضغوطة قد تكون موجودةً تحت مناطق جغرافية تتجاوز قطبي المريخ، وأن هناك نظامًا نشطًا يصل عمقه إلى 750 مترًا، تتسرب خلاله المياه الجوفية إلى السطح.

ومعلقًا على تلك الفرضيات البديلة التي تقدمها الدراسة، يقول عالِم الكواكب والباحث غير المشارك فى الدراسة "فرانشيس نيمو" في حديثه لـ"للعلم": لم نكن نعتقد أن هناك شبكة مياه جوفية نشطة يمكن أن توجد بهذا العمق خارج منطقة قطبي المريخ ولكن يجب أن نصحح تلك المعتقدات في ضوء نتائج هذه الأطروحة الجديدة.

ويضيف "نيمو": إن فهم كيفية تَشكُّل المياه الجوفية على سطح المريخ يساعدنا في الحد من الغموض في تطور الظروف المناخية على المريخ خلال ثلاثة مليارات سنة مضت.

الصحراء العربية تلهم باحثي المريخ

كان حجي وأبو طالب قد درسا –ولمدة طويلة- الطبقات المائية الجوفية وحركة تدفق المياه الجوفية ودور الفوالق فى تغيير حركة المياه فى الخزانات وتشكيل سطح الأرض وتكوين المنخفضات في البيئات الصحراوية فى مصر والسعودية وقطر والإمارات، وكانت هذه الدراسة أكبر العوامل التي قادتهم إلى فهم آليات تحرُّك المياه الجوفية في المريخ، حيث وجدوا أوجُهَ تشابه كبيرةً بين آليات تحريك المياه الجوفية في تلك الصحارى وسطح المريخ.

ومن خلال خبرتهم فى الصحراء العربية يرى أبو طالب وحجي أن خطوط الانحدارات المتكررة يصاحبها نوع من الوديان يسمى الوديان المستديرة الرأس، وهي عادةً ما تنتج من انهيارات أرضية مصاحبة لانبثاق المياه الجوفية من أعماق كبيرة تحت ضغط وما يصاحبها من عمليات تجوية ملحية. هذه الوديان تتشابه إلى حدٍّ كبير في خصائصها الجيومورفولوجية مع الوديان المكتشفة في الصحراء الغربية المصرية، التي تقطع الحوائط المحيطة بالمنخفضات المصرية مثل منخفض الفرافرة، والتي أثبت سابقًا أنها تكوَّنت بالمياه الجوفية العميقة المنبثقة تحت الضغط.

ويوضح "أبوطالب" لـ"للعلم": لم نكن لنفهم آليات تحريك المياه الجوفية على المريخ لولا تلك الدراسات والمقارنات التي أجريناها على صحراء شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية.

تطور الأرض والسكن على المريخ

لم تكتفِ الدراسة بتقديم تحليل لطبيعة المياه الجوفية على الكوكب الأحمر وحسب، بل تجاوزت ذلك إلى توضيح التشابه الجيولوجي بين كلٍّ من كوكب المريخ وكوكب الأرض بما يفيد في مساعي استخدام كوكب المريخ لفهم التغيرات المناخية واسعة النطاق على كوكب الأرض. ترجع أهمية هذه الدراسة إلى أنها تثبت وجود نشاط ينابيع ونظام مائي جوفي على سطح الكوكب الأحمر؛ إذ تقترح أن تكون المواقع التي توجد فيها هذه التشققات المرتبطة بهذه الينابيع مواقع ذات أولوية لاستكشاف قابلية السكن على المريخ في المستقبل.

وفي ذلك السياق يتحدث "أبو طالب" لـ"للعلم" قائلًا: ترجع أهمية هذه الدراسة إلى أنها توجه إستراتيجية وكالات الفضاء الدولية إلى مناطق جديدة لاستكشاف الحياة على كوكب المريخ، إضافةً الى استحداث طرق جديدة تصل إلى أعماق أكبر مما كان معروفًا.

ويضيف أن ذلك "يساعدنا أيضًا على فهم أوجه التشابه مع كوكبنا، وإذا كنا نمر بتطور المناخ نفسه وبالطريقة نفسها التي يسير بها المريخ، ففهم تطور كوكب المريخ أمرٌ حاسمٌ لفهم تطور الأرض على المدى الطويل، والمياه الجوفية هي عنصر رئيسي في هذه العملية".