يسود تصوُّر أن المحافظين سياسيًّا، أو مَن يتبنون أفكارًا محافظة بوجه عام، لا يميلون إلى تغيير آرائهم وقناعاتهم الراسخة بسهولة، حتى لو كانت تلك القناعات تجافي المنطق والحقائق الثابتة، وأن الاختلافات في الآراء بين أولئك الذين يعتبرون أنفسهم محافظين أو ليبراليين غير قابلة للإلغاء.

لكن دراسة أعدها باحثون من جامعات بريطانية وأمريكية ونشرتها دورية "نيتشر- هيومان بيهيفير" مؤخرًا، أكدت أن هذا التصور ليس صحيحًا في كل الأحوال، مشددةً على أن آراء الناس تتغير بشكل ملحوظ نحو قبول "القواعد العلمية" الثابتة التي تحظى بإجماع علمي.

اختار الباحثون مسألة "التغيُّر المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية" قضيةً محوريةً لقياس قدرة "الحقائق العلمية" على تقليل حدة الاستقطاب السياسي.

ووفق الدراسة، فقد تبنَّت الأبحاث السابقة فكرة أن الانقسام يكون أكبر في صفوف المتعلمين، نظرًا لـ"التفكير المنطقي"، الذي يوعز إلى الشخص برفض المعلومات أو إعادة صياغتها -بوعي أو بشكلٍ غير واعٍ- لدعم وجهة نظر سياسية أو قناعة أيديولوجية معينة يؤمن بها.

 فعلى سبيل المثال، يميل المحافظون الذين تلقوا تعليمًا عاليًا، لأن يكونوا أقل قلقًا بشأن الاحترار العالمي؛ إذ يسلحهم تعليمهم بالأدوات التي تجعلهم يرفضون الأدلة والمعلومات التي تتعارض مع معتقداتهم الأيديولوجية بسهولةٍ أكبر. ولا يقتصر الأمر هنا على قضية المناخ، وإنما يتجاوزها إلى غالبية القضايا التي يعيشونها.

وكانت دراسة سابقة قد أظهرت أن المحافظين ذوي المعرفة المرتفعة الخاصة بالمناخ هم الأكثر عرضةً للقبول بتغيُّر المناخ، فعندما يفهم الناس كيف يعمل تأثير الاحتباس الحراري، يكونون أكثر عرضةً لقبول الاحترار العالمي الناجم عن الأنشطة البشرية.

إلا أن الدراسة الأخيرة انتهت إلى أن "تقديم القضية كـ"حقيقة علمية تحظى بتوافق كبير بين العلماء" يمكن أن يغيِّر توجهات الجمهور، وقد يحد من زيادة الاستقطاب السياسي أو الأيديولوجي بين طوائفه المختلفة".

استندت الدراسة إلى واحدةٍ من أكثر القضايا إثارةً للانقسام في عصرنا، وهي: "تغير المناخ بشري المنشأ"، موضحةً أن "الاستطلاعات السابقة تشير إلى أن الذين يعتقدون بأنهم محافظون يميلون إلى أن يكونوا أكثر تشككًا بشأن هذه القضية، وذلك بالرغم من أن 97٪ من الباحثين من علماء المناخ توصلوا إلى أن الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري أمر واقع".

تطوير المعتقدات

أجرى الباحثون استطلاعًا عبر الإنترنت بمشاركة 6301 شخص، ممثلين للأمريكيين على الصعيد الوطني، من بينهم 934 أمريكيًّا محافظًا يحمل -على الأقل- شهادة جامعية، فهؤلاء هم المجموعة التي يفترض أن تكون الأكثر استقطابًا تجاه الحقائق؛ لأنها تملك الأدوات التي تجعلها ترفضها تبعًا للتحيز الأيديولوجي الخاص بها ضد قبول علم المناخ.

وبشكل عام، جرى تقسيم المشاركين وفق أيديولوجيتهم السياسية إلى خمس فئات، هي: محافظ جدًّا، محافظ إلى حدٍّ ما، معتدل، ليبرالي إلى حدٍّ ما، ليبرالي.

وطُرحت ثلاث كتل عشوائية من الأسئلة حول موضوعاتٍ شائعة في وسائل الإعلام؛ لإخفاء الغرض الحقيقي للدراسة، إذ طُرحت أسئلةٌ تتعلق بقضايا مثل القيادة تحت تأثير الكحوليات، وساعة أبل الجديدة، بالإضافة إلى أسئلة متعددة حول تغيُّر المناخ.

بعد ذلك، جرى إخبار عينة الدراسة عن وجود قاعدة كبيرة من البيانات الإعلامية، وأنهم سيمدونهم بشكل عشوائي بواحد من تلك البيانات، وكان البيان الوحيد في الواقع هو أن "97٪ من علماء المناخ خلصوا إلى أن الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية حقيقي".

وجدت الدراسة أن المواقف تجاه الاعتقاد العلمي بشأن تغيُّر المناخ بشري المنشأ بين المحافظين كانت في المتوسط أقل بنحو 35 نقطة مئوية من الإجماع العلمي الفعلي البالغ 97٪؛ أي 62%، فيما كانت أقل بنحو 20 نقطة مئوية بين الليبراليين، أي 77%.

لكن عرض القضية بوصفها "حقيقة علمية تحظى بقبول نسبة كبيرة من العلماء" دفع المحافظين من ذوي التعليم العالي إلى تغيير تصورهم للقاعدة العلمية بأكثر من 20 نقطة مئوية لتصبح 83٪ تقريبًا.

ومن الجدير بالملاحظة أنه ليس المحافظون من ذوي التعليم العالي فقط مَن استجابوا وقبلوا الحقائق بشكل عام وعدلوا آراءهم وفقًا لذلك، ولكن الفجوة الأيديولوجية في هذه المسألة تقلصت إلى النصف تقريبًا.

يقول "ساندر فان دير لِندن" -الباحث بقسم علم النفس بجامعة كامبريدج، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك مجموعةً متزايدةً من البحوث تشير إلى أن تعريض الناس إلى حقائق حول القضايا العلمية المتنازَع عليها يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية"، (أي زيادة الاستقطاب).

ويضيف: "على وجه التحديد، يسود ادعاء أن الأشخاص المتعلمين، أو الأكثر ذكاءً، أكثر ميلًا لرفض النتائج العلمية التي تتناقض مع وجهات نظرهم السابقة"، موضحًا أنهم أرادوا اختبار هذه الفرضية من الناحية التجريبية، محاولين الإجابة عن سؤال هو: هل يتفق الناس مع الإجماع العلمي حول تغيُّر المناخ الذي يسببه الإنسان أو يرفضونه عندما يتم عرضه كحقيقة بسيطة؟

واتساقًا مع البحوث السابقة، وجدوا بالفعل أنه بالمقارنة مع الليبراليين، فإن المحافظين المتعلمين تعليمًا عاليًا يُحتَمل أن ينكروا تغيُّر المناخ بشري المنشأ (قبل العلاج التجريبي).

ومع ذلك، فإن الارتباط لا يعني السببية، فبعد أن عرضوا للناس القاعدة العلمية مصحوبةً بعبارة أن (97٪ من العلماء يتفقون على أن تغيُّر المناخ بشري المنشأ حقيقي)، وجدوا أنه (حتى) المحافظين المتعلمين تعليمًا عاليًا طوروا معتقداتهم بما يتفق مع الأدلة.

وتُعَدُّ هذه نتيجةً مهمةً؛ لأن البحوث السابقة انتهت إلى العكس، إذ طوَّرَ جميع مَن شملهم البحث معتقداتهم بما يتماشى مع القاعدة العلمية التي تحظى بقبول كبير بين العلماء.

وباختصار، فإن تسليط الضوء على "توافق الآراء" علميًّا يمكن أن يُحَيِّد الصراع السياسي ويحُدَّ من الاستقطاب.

لكن لِندن يعترف، في الوقت ذاته، بأن إحدى نقاط الضعف في الدراسة هي أنها استندت في نتائجها إلى الاستطلاعات والاستبانات المستخدمة خلالها فقط، وأنها قامت على تقييم قضیة واحدة.

أبعاد القضية

وعن عملية التغيير في القناعات، خصوصًا الراسخ منها، والذي يمسُّ توجهات سياسية أو دينية أو ثقافية تراكمت عبر أجيال أو فترات طويلة من الزمن، تقول "سهير صفوت" -أستاذ مساعد علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس- لـ"للعلم": "إنه على الرغم من أن الاتجاهات والقناعات السياسية أو الأيديولوجية أو الثقافية الأخرى تتصف بالثبات النسبي، لكنها معرضة للتعـديل أو التغيير، فالفرد بإمكانه تغيير اتجاهات قناعاته إذا ما أتيحت له فرصة الاتصال المباشر العميق بموضوع القضية وتعرُّف أبعادها، وخصوصًا الجوانب المعرفية المتعلقة بها، وكذلك عندما يغير الجماعة التي ينتمي إليها، أو إذا ما تغير الموقـف الـذي نشأت فيه قناعاته، أو إذا حدثت بعض الظروف الطارئة التي تجبره على ذلك".

وأضافت: "تختلف قابلية الاتجاه لتغيير القناعات وفقًا لعدة عوامل، مـن أهمها طبيعة الاتجاه ذاته، وخصائصه، ونوع الارتباطات الشخصية والجماعية للفـرد"، مشيرةً إلى أن "الإنسان بطبيعته تكون اتجاهاته مؤيـدةً لكل ما يساعده على تحقيق أهدافه ورغباته، أو لكل ما يتوافق مع معتقداته والقيم التي يؤمن بها".

وبالإضافة إلى ما انتهت إليه نتائج الدراسة الأخيرة حول تغيير التوجهات استنادًا إلى تقديم الحقائق التي تحظى بتأييد علمي من قِبَل العلماء، كشفت دراسة سابقة أن الخوف والتهديد أيضًا ربما يُسهِمان في تحويل الاعتقادات وتغيير التوجهات تجاه قضية ما.

وكانت دراسة أمريكية سابقة قد أظهرت أنه عندما يخضع أشخاص لديهم نزعات ليبرالية لتجارب تشمل عنصر التخويف، فإن هذا يجعلهم يشعرون بالتهديد. وجدت الدراسة أن هناك "تحولاً محافظًا جدًّا" في الولايات المتحدة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر؛ إذ اتجه مزيد من الليبراليين لدعم الرئيس الجمهوري الأسبق "جورج دبليو بوش" وأيدوا زيادة الإنفاق العسكري. جاءت نتائج الدراسة تؤيدها صور للمخ تبرهن علميًّا على حدوث هذا التحول.