«إلى جميع الباحثين: إذا استمر حظر الولايات المتحدة للمسلمين، دعونا ننقل مؤتمراتنا إلى مكان آخر. العلم يجب أن يكون مفتوحًا للجميع». هكذا علَّق "أندرو يان تاك" -أحد مؤسسي منصة "كورسيرا" للمساقات الإلكترونية ورئيس مجلس إدارتها- على قرار الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بحظر دخول مهاجري سبع دول ذات أغلبية مسلمة إلى الولايات المتحدة، والذي أدى الى إثارة الذعر والقلق بين أوساط العاملين في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

التعليق جاء بعد توقيع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" قرارًا تنفيذيًّا في 27 يناير بحظر دخول جميع اللاجئين إلى الولايات المتحدة لمدة 120 يومًا، وتعليق دخول اللاجئين السوريين إلى أجلٍ غير مسمى، وكذلك حظر دخول مهاجري سبع دول ذات أغلبية مسلمة هي "إيران، العراق، ليبيا، الصومال، السودان، سوريا، اليمن" إلى الولايات المتحدة لمدة 90 يومًا.

القرار تبعته حالة من الجدل الواسع، بدايةً من خروج مظاهرات تنديد في العديد من الولايات، مرورًا بمظاهرات في المطارات الأمريكية لدعم مَن جرى احتجازهم ومنع دخولهم البلاد تنفيذًا للقرار، وصولاً لحملات الاعتراض من قِبَل عدد من مؤسسات التكنولوجيا مثل جوجل، وحملات لجمع الأموال لرفع قضايا ضد هذا القرار وما يشكله من تهديد لمبادئ الدستور الأمريكي القائمة على المساواة.

توتر في وادي السيليكون

فور صدور قرار ترامب، بدأ العديد من عمالقة صناعة التكنولوجيا مثل: جوجل، فيسبوك، آبل، نيتفليكس، أوبر، ميكروسوفت، وغيرهم في التعبير عن احتجاجهم على القرار.

"ساندر بيتشاي" -الرئيس التنفيذي لشركة جوجل ذو الأصول الهندية- ذكر في عريضة أن القرار سيؤثر على أكثر من 187 من موظفي الشركة، كما قال المتحدث الإعلامي للشركة لموقع "إندبندنت": "نحن قلقون حيال أثر هذا القرار وأي مقترحات أخرى تفرض قيودًا على العاملين بجوجل وأسرهم، أو تعوق جلب المواهب العظيمة إلى الولايات المتحدة".

أما "ساتيا ناديلا" -الرئيس التنفيذي لميكروسوفت ذو الأصول الهندية أيضًا- فقد علق على صفحته على "لنكد إن" قائلًا: "بصفتي مهاجرًا ورئيسًا تنفيذيًّا، فقد عشت التجربتين، ورأيت مدى التأثير الإيجابي للهجرة على شركتنا، وعلى الدولة، بل وعلى العالم".

 ونشرت شركة ميكروسوفت خطابًا رسميًّا موجهًا إلى وزيري الأمن الداخلي والخارجية، ذكرت فيه أن الشركة لديها 76 موظفًا إضافة الى 41 شخصًا من ذويهم قد تأثروا بهذا القرار التنفيذي.

وفي تطور سريع للأحداث، استقال "ترافيس كالانيك" -الرئيس التنفيذي لشركة "أوبر"- من مجموعة مجلس الأعمال الاستشاري للرئيس ترامب، على أثر حملة أطلقها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي لحذف تطبيق أوبر والتوقف عن استخدام الخدمة، وهو ما تسبب في خسائر للشركة. وفي رسالة أرسلها "ترافيس" إلى موظفي أوبر عبر البريد الإلكتروني صرّح فيها: "أن الانضمام إلى المجموعة لم يكن يهدف لتزكية الرئيس أو أجندته الخاصّة، إلا أنه –للأسف- أُسِيء فهمه".

تخوُّف بين الباحثين

لم تقتصر حالة التوتر على قطاع وادي السيليكون فحسب، بل شملت أيضًا المؤسسات والمعاهد البحثية والتعليمية في كافة أنحاء الولايات المتحدة، نظرًا لكون العديد من الطلاب والباحثين بها من المهاجرين الذين تأثر بعضهم بقرار الحظر.

يقول "أحمد سليمان" -باحث دكتوراة بكالتك- لـ"للعلم": أفضل تعليق على قرار ترامب هو ما ذكره "توماس روزنبام" -رئيس جامعة كالتك-: "لقد نجحت الجامعات الأمريكية بشكلٍ هائل في جذب الموهوبين من جميع أنحاء العالم، وإذا لم نستمر في ذلك سيصبح أمرًا سيئًا لنا وللدولة".

وأضاف سليمان: "إن أكثر الطلاب المتأثرين بالقرار في كالتك هم الإيرانيون، نظرًا لوجود نسبة كبيرة منهم بكالتك، مما سيؤثر بشكلٍ كبير على الطلاب هنا، كما أن بعضهم لن يستطيع إحضار عائلته من إيران نتيجةً لهذا القرار".

أما إسلام حسين -الباحث المتخصص في علم الفيروسات بمعهد ماساتشوستس للتقنية (إم آي تي)- فقال لـ"للعلم": "إن أمريكا دولة بُنيت على أيدي المهاجرين".

وأضاف: "قرار ترامب سيؤثر بالتأكيد على منظومة البحث العلمي بأكملها التي تعتمد بشكل كبير على جذب الطلاب والباحثين الموهوبين من جميع أنحاء العالم".

وعلى الرغم من أن مصر غير مُدرَجة على قائمة الدول السبع، إلا أن القرار يمسّ بعض الباحثين المصريين الذين طالهم هذا القرار نتيجة أن محل ميلادهم بإحدى الدول السبع، كما أن هناك تخوفًا من أن يتم إدراج مصر فيما بعد في قائمة الحظر. ويرى إسلام حسين أنه في حالة دخول مصر إلى تلك القائمة "سيزيد التأثير السلبي لهذا القرار، لأنه سيعوق حركة هؤلاء العلماء الذين لا يحملون الجنسية الأمريكية أو المقيمين في أمريكا بشكلٍ دائم". وأضاف: "أعتقد أن البدائل المحتملة ستكون تحويل وجهتهم إلى دول أوروبية أو آسيوية".

شكوك حول القرار

يتشكك سامح علي -أستاذ الفيزياء الحيوية ومؤسس مركز دراسات الشيخوخة بمعهد حلمي في مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا بالقاهرة- في نفاذ هذا القرار، "أشك أن الولايات المتحدة -ككيان حضاري مؤسسي راسخ بكل مكوناته المدنية- ستسمح لترامب بالانفراد المطلق بقررات سياسية، خاصة تلك التي لها أثر على مستقبل البلاد".

ويشبِّه علي في شرحه لـ"للعلم" الوضع في الولايات المتحدة ببوتقة تنصهر فيها كل الأجناس والأديان، بتناغم بَنَّاء يُعَد هو الوقود الأساسي للتفوق العلمي والتكنولوجي بها، "أغلب الظن أن الجدل المجتمعي والمعارك السياسية والقانونية سوف تؤدي إلى حالة ركود، وقد يؤثر ذلك على التمويل المخصص للبحث العلمي كأبحاث الخلايا الجذعية والطب التجديدي وأبحاث البيولوجيا التطورية والاستنساخ وغيرها".

وألمح إلى احتمال تحوُّل العديد من الأبحاث إلى دول أخرى، "أعتقد أن قوى صاعدة أخرى -مثل الصين والهند وكوريا وسنغافورة وأستراليا- قد تستغل تلك الحالة لمصلحتها وتعمل على جذب الكوادر البحثية الأمريكية لإجراء أبحاثهم لديها".

وأضاف:" سوف يجد بعض الباحثين العرب والمصريين أن الولايات المتحدة لم تعد موئلًا نموذجيًّا للهجرة، وقد يحولون قبلتهم صوب الشرق الأقصى، أو حتى نحو بعض الدول العربية التي تعمل على استكمال بنية تحتية بحثية قوية".