نجح باحثو كلية الطب بجامعة "نيويورك" في الكشف عن الكيفية التي تُدرك بها أدمغتنا الروائح، وطريقتها في التمييز بين آلاف الروائح المختلفة.

قام الباحثون في تلك الدراسة -المنشورة في دورية ساينس (Science)- بابتكار "توقيع كهربي" يُشبه الروائح الاصطناعية، وعمل الباحثون على تتبُّعه في البصلة الشمية للدماغ -وهي منطقة في الدماغ مسؤولة عن إدراك الروائح- لتحديد التغييرات التي تحدث في الدماغ في أثناء شم الروائح.

ووفق الدراسة، فإن التوقيع الكهربي عبارة عن إشارة كهربائية يقوم الباحثون بإيصالها إلى مراكز الدماغ في عملية تهدف إلى حثها تمهيدًا لمعرفة كيفية عمل تلك المنطقة على وجه التحديد.

وتلك هي المرة الأولى التي يستخدم فيها باحثون ذلك الأسلوب لتتبُّع آثار الشم، والتلاعب بمركزه في الدماغ.

وباستخدام ذلك النهج، تمكَّن الباحثون من قياس استجابة الفئران للروائح المختلفة، ليكتشفوا أن عملية الشم تحدث بتسلل زمني مُحدد بدقة، يشبه نغمات الألحان المكتوبة في نوتة موسيقية.

حين تبدأ أوركسترا ما في العزف، يقوم العازفون بقراءة النوتة، وتُعبر النوتة عن الأصوات عن طريق الرموز. وتتكون من نغمات أساسية تستمر في تتابع يُحدده التوقيت المكتوب داخل النوتة. ويقوم الموسيقيون بقراءة التتابع المُرمَّز ليعزفوا كل نغمة في توقيتها المُحدد.. ذلك بالضبط ما يحدث في الدماغ.

يقول "أدموند تشونج"، المؤلف الرئيسي للدراسة: "إن الدماغ يقرأ توقيتات الروائح ويميز فيما بينها عن طريق التلاعب بتلك التوقيتات، وهو السر في تمييز رائحة واحدة ضمن آلاف الروائح المختلفة".

في حياتنا اليومية، نعالج المعلومات الحسية باستمرار (الأشياء التي نراها أو نسمعها أو نشمها). ونحتاج إلى اتخاذ إجراءات للاستجابة لهذه المعلومات. فعلى سبيل المثال، نشم رائحة القهوة، ونلتقط الفنجان لنشربها. ونرى سيارة قادمة، فنتوقف قبل عبور الطريق. حاول العلماء في ذلك البحث فهم كيفية تمثيل الدماغ للمعلومات القادمة من العالم والبيئة المحيطة، وطريقة ترجمتها وجعلها ذات صلة مباشرة باستجابتنا.

إذا كنت من مُحبي احتساء قهوة الصباح في مطعمك المفضل، يموج ذلك المطعم بمئات الروائح، الثوم والبصل، البيض والقهوة، الألبان والجبن.. فكيف يُمكن للدماغ التفرقة بين تلك الروائح؟

لفهم تلك الكيفية، لجأ الباحثون إلى تنشيط منطقة البصلة الشمية في الدماغ عن طريق الكهرباء. وابتكر الباحثون توقيعات كهربائية مشابهة لتلك الموجودة في الدماغ. لكن، كيف ابتكر الباحثون تلك التوقيعات؟

حين نشم، تستقبل أنوفنا الجزيئات المنقولة بالهواء المحملة بالروائح. تحفز تلك الجزيئات المستقبِلات المُبطنة للأنف، والتي تُرسل بدورها إشارات كهربائية إلى الحزم العصبية المعروفة باسم الكبيبات. والتي تقوم بدورها بتوصيلها إلى خلايا الدماغ؛ إذ تنشط كل رائحة تلك الكبيبات بشكل مُعين وفريد. وحين تقوم بإرسال الإشارات إلى قشرة المخ، تبدأ أدمغتنا في إدراك الرائحة والتفاعل معها.

ولكن الروائح نفسها تختلف مع مرور الوقت؛ فرائحة القهوة في المقاهي الأمريكية "ستاربكس" تختلف تمامًا عن رائحتها في المقهى الإنجليزي "كوستا". لكن الدماغ يُدرك في كلتا الحالتين أن الرائحة هي رائحة القهوة!

لذا حاول العلماء معرفة الكيفية التي تُدرك بها خلايانا العصبية الرائحة بدقة، حتى وإن كانت مختلفةً من مكان إلى آخر، أو مختلطةً بروائح أخرى، وصمموا إشارة كهربائية تُحدث الأثر ذاته الذي تُحدثه جزيئات الروائح المحملة بالهواء إلى أنوفنا.

بعد ذلك، قام الباحثون بمحاكاة الروائح باستخدام التوقيعات الكهربائية في أدمغة فئران التجارب المُعدلة وراثيًّا. ليجدوا أن كل رائحة تحفز مجموعةً من الكبيبات؛ إذ تدخل الدماغ في توقيت معين، وتقرأه الخلايا العصبية بتتابع فريد يُمكِّن الدماغ من تحويل المعلومة الحسية -الرائحة- إلى سلوك معين.

يقول "تشونج" في تصريحات لـ"للعلم": "إن الفريق البحثي تمكَّن من خلال خلق الروائح الاصطناعية المُمثلة في التوقيعات الكهربائية من تطوير نهج قوي لفهم وظائف الدماغ عبر التلاعب بنشاطها كهربائيًّا بصورة دقيقة".

ويشير الباحث في تصريحاته إلى أن فهم "توقيتات إدراك الروائح" سيجعلنا قادرين على استخدام الطريقة نفسها لمعرفة الكثير عن مخرجات الإدراك الحسي، وهو الأمر الذي سيكون له آثار كبيرة في فهم اضطرابات الدماغ التي تنطوي على فشل استخدام المدخلات البيئية -كالروائح والصور- وتحويلها إلى استجابات مباشرة.

استمر العمل على تلك الدراسة 6 سنوات كاملة، ويأمل "تشونج" استغلال نتائجها في علاج فقدان البصر واختلالات الشم والتذوق.