كشفت دراسة أجراها فريق من الباحثين في "المركز الوطني الإسباني لأبحاث القلب والأوعية الدموية" أن جسم الإنسان لديه "ساعة مناعية" تساعد على الوقاية من الإصابة بالأمراض المُعدية وأمراض القلب والأوعية الدموية.

وأشارت الدراسة، التي نشرتها دورية "إميونيتي" (Immunity)، إلى أن "آلية عمل هذه الساعة المناعية تتم من السيطرة على نشاط خلايا العَدِلات".

وتُعَد "خلايا العَدِلات" أحد أهم المكونات الرئيسية لنظام الدفاع المناعي الفطري في الجسم، وتساعد أيضًا في التئام الجروح بعد تلف الأنسجة، وتُطلق عليها مصطلحات أخرى مثل "الخلايا الحبيبية المتعادلة" و"الخلايا المتعادلة"، وهي أحد أكثر أنواع كريات الدم البيضاء غزارةً لدى الإنسان؛ إذ تشكل ما نسبته 60 إلى 70% من كريات الدم البيضاء، وتشكل قسمًا رئيسيًّا من الجهاز المناعي، ولها دور في عملية البلعمة".

وتشير الدراسة إلى أن "خلايا العَدِلات تعتبر خط الدفاع الرئيسي للجسم، ولكن نشاطها قد يُحدِث تلفًا فى الخلايا السليمة للدورة الدموية"، مشددةً على أن "الساعة المناعية يمكنها تحديد توقيت نشاط هذه الخلايا ومتى يجب التخلص منها فى الدم".

من جهته، يقول "جوزيه ماريا أدروفر" -الباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "استطعنا تحديد مجموعة من الجزيئات فى نواة "العَدِلات" وغشاء الخلية، وهي جزيئات تستجيب لأنماط الضوء والظلام، وتنظم هجرة "خلايا العَدِلات" فى الجسم" وتوطينها.

ويضيف أنه "على الرغم من اعتقاد الإنسان أنه أكثر المخلوقات سيادةً، إلا أن سادة العالم هم مليارات الكائنات الدقيقة، التي تشمل البكتيريا والفطريات والفيروسات؛ إذ تحتل هذه الكائنات جميع البيئات بما فيها أجسامنا، وتعتبر عاملًا أساسيًّا لجميع مظاهر الحياة على كوكب الأرض. ورغم ضرورة تقبُّل هذا التعايش، إلا أنه أحيانًا يضُر بالإنسان عندما تَنفذ هذه الكائنات الدقيقة إلى مجرى الدم أو أعضاء الجسم وتتحول إلى عوامل مُمرِضة تسبب المرض والوفاة".

ويضمن جهاز المناعة من خلال نشاط "العَدِلات" التعايش السلمي مع الكائنات الدقيقة من خلال القضاء على الكائنات المُسببة للعدوى، لكن ثمن ذلك يكون "إتلاف الأنسجة السليمة؛ نظرًا إلى أن رد فعل جهاز المناعة عادةً ما يكون غير متكافئ".

ويضرب "أندريس هيدالجو" –رئيس فريق البحث- مثالًا على ذلك بما يحدث في حالة احتشاء عضلة القلب أو السكتة الدماغية أو الإصابة الحادة بالرئة، مشيرًا إلى أن "التحدي البيولوجي يتمثل -في هذه الحالة- في التحكم فى جهاز المناعة لحماية الجسم من العدوى دون حدوث أي أضرار جانبية للجسم. ولهذا تقدم الدراسة حلًّا قد يكون له انعكاسات مهمة في مجال الرعاية الصحية، وفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة.                                                                                      

وعن مهاجمة "العَدِلات" للخلايا السليمة رغم كونها خط الدفاع الرئيسي للجسم، يوضح "أدروفر" لـ"للعلم" أن "محاصرة الميكروبات تتطلب من كريات الدم البيضاء، وخاصةً خلايا العَدِلات تطوير نفسها لتحوي مجموعةً كبيرةً من السموم بداخلها في قوالب صغيرة تسمى حبيبات. وهذه المركبات السامة التي تتنوع بين "ببتيدات" و"إنزيمات" ومواد كيميائية شديدة التفاعل يتم إطلاقها بشكل طبيعي فقط عندما تواجه كريات الدم البيضاء بكتيريا أو فطريات.

ويضيف: في أحيان كثيرة، يحدث تنشيط "العَدِلات" بفعل نوع آخر من المؤثرات، كما هو الحال بعد التعرض لمشكلة صحية نتيجة قصور وصول الدم إلى القلب أو المخ. إذ تتم ترجمة هذه الحالات خطأ بأنها عدوى محتملة، مما يؤدي إلى إطلاق المركبات السامة بجوار الخلايا السليمة، وتكون النتيجة وفاة خلايا الأوعية الدموية وخلايا أخرى في الأنسجة.

وقد استخدم الفريق البحثي تقنيات جينية وأدوات تصوير مجهرية عالية الدقة في مجموعة من فئران التجارب الحية المصابة باحتشاء عضلة القلب والسكتة الدماغية لرصد سلوك خلايا العَدِلات، ووجدوا أن رد الفعل المناعي يختلف بشدة على مدار اليوم.

يقول "أدروفر": إن خلايا العَدِلات تدخل ضمن عوامل أخرى تتحكم في كيفية تحرُّك الخلايا داخل الجسم لاتخاذ وضعها لمواجهة الميكروبات التي يُحتمل أن تخترق الجسم، وهو ما يحدث بشكل طبيعي على مدار اليوم، ومن هنا جاء مسمى "الساعة".

يرى "أدروفر" أن نتائج الدراسة شديدة الأهمية بالنسبة لأمراض مثل أمراض الأوعية الدموية، مضيفًا أن "هذه الأمراض مسؤولة عن معظم حالات الوفاة في الدول المتقدمة، كما أن نسبةً كبيرةً منها تحدث في الصباح الباكر، ولاحظنا أن العَدِلات تسبب ضررًا أكبر خلال النهار في حالة الإصابة بالجلطة، ما يعني أن التحكم في هذه الساعة يفتح المجال أمام تطوير علاجات للأمراض المعدية وأمراض القلب، ونعمل حاليًّا على التوصل إلى وسائل تساعدنا على التحكم في هذه "الساعة المناعية"؛ لحث المناعة النهارية أو الليلية وفق احتياجات كل مريض. ويمثل هذا النهج العلاجي قيمةً كبرى بالنسبة للأشخاص المعرضين للإصابة بأمراض القلب، وأيضًا لمرضى نقص المناعة المعرضين للإصابة بالعدوى بسهولة.

بدوره، يقول "هيدالجو"، في تصريحات مقتضبة لـ"للعلم": "إن نظام الساعة المناعية الذي تم اكتشافه يمكن تعديله في اتجاهي تنشيط خلايا العَدِلات أو تثبيطها؛ لأنه يتألف من بروتينات تحفز نشاطها وأخرى توقفها، بما يسمح لنا بزيادة نشاطها عن طريق تنشيط الساعة المناعية، أو إبطال التأثير الضار للعَدِلات بوقف هذه الساعة. وفى حالة مرضى نقص المناعة، يُفترض توفير عقاقير لهم موجهة للبروتينات التي تنشط هذه الساعة، مما يحفز الجهاز المناعي للجسم. وعلى العكس، فإن حماية المرضى المعرضين للإصابة بالجلطة تتطلب توفير عقاقير توقف نشاط الساعة المناعية".