يكشف تتبُّع المسارات الهضمية في جسم الإنسان أنها عمل روتيني؛ إذ تهضم الأمعاء الطعام وتمتصه في أثناء ساعات اليقظة، وتُجدد الخلايا التالفة في أثناء النوم.

وفي بعض الأوقات تحدث مجموعة من الاضطرابات في ذلك النظام، يُمكن أن تسهم في زيادة خطر الإصابة بالأمراض المعوية، والسمنة، والتهابات الأمعاء، وسرطان القولون والمستقيم. ولا يعرف الباحثون على وجه الدقة الخلايا أو البروتينات المسؤولة عن انتظام ذلك الإيقاع.

لكن فريقًا من الباحثين في كلية الطب بجامعة واشنطن تمكنوا من تحديد نوع من الخلايا المناعية يحافظ على إيقاع الوقت في الأمعاء، مشيرين إلى أن مجموعةً من الخلايا المعروفة باسم الخلايا اللمفاوية الفطرية من النوع الثالث ILC3 مسؤولة عن الحفاظ على الكيفية التي تعمل بها الأمعاء بطريقة طبيعية وصحية، وضمن الإيقاع المنتظم.

تعتبر الخلايا اللمفاوية الفطرية خط الدفاع الأول ضد مُسببات الأمراض. وتوجد تلك الخلايا في الرئتين، والأمعاء، ولا توجد في الدم إلا بنسب قليلة للغاية. وتنقسم تلك الخلايا إلى ثلاثة أنواع، توجد جميعها في الأغشية المخاطية، وتقول الأبحاث السابقة إنها مسؤولة عن التوازن المعوي، وإن الخلل في تلك الخلايا يُمكن أن يُسبب العديد من الأمراض المعوية والتنفسية.

إلا أن الباحثين في تلك الدراسة يُضيفون وظيفة جديدة لتلك الخلايا، إذ يقولون إن وجودها يرتبط بضبط إيقاع الساعة البيولوجية الخاصة بالأمعاء.

ويربط البحث المنشور في دورية "علم المناعة" بين أسباب اضطراب الساعة البيولوجية والخلايا اللمفاوية الفطرية، وهذا يعني أن ذلك الاضطراب ربما يكون مناعيًّا في الأساس.

لإثبات تلك الفرضية، تعمد الباحثون تعطيل أحد الجينات المسؤولة عن مكافحة العدوى البكتيرية، عبر إفراز الخلايا اللمفاوية الفطرية، ووجد الباحثون أن فئران التجارب تعاني من مشكلات في الجهاز الهضمي تتعلق بإيقاع الهضم وتجديد الخلايا المبطِّنة للمعدة حال تعطيل ذلك الجين.

وستساعد تلك الدراسة على مواجهة الآثار السلبية لاضطرابات الساعة البيولوجية عند البشر، حسبما يقول أستاذ علوم المناعة بكلية الطب جامعة واشنطن "ماركو كولنا"، وهو المؤلف الرئيسي لتلك الدراسة،كما ستساعد أيضًا على تفسير مشكلات صحية شائعة، مثل مرض التهاب الأمعاء ومتلازمة التمثيل الغذائي.

يقول "كولنا" في تصريحات لـ"للعلم":"إن اضطرابات الإيقاع اليومي أصبحت شائعةً في الحياة الحديثة؛ إذ يعمل الناس في أوقات الفراغ، ويعاني معظمهم من حرمان النوم المزمن، وهو أمر ضار بصحة البشر".

ويضيف أن "الدراسة الحديثة تُثبت أن اضطرابات الساعة البيولوجية تؤثر في مسارات متبادلة على صحة الأمعاء وعلى الخلايا المناعية الموجودة في الجهاز الهضمي، وهذا يعني أن هناك تأثيرًا متبادلًا بين خلل الساعة البيولوجية والجهاز المناعي؛ إذ إن اضطراب الإيقاع يؤدي إلى ضعف الخلايا اللمفاوية الفطرية، الذي يؤدي بدوره إلى اضطراب أكثر في الإيقاع، في دائرة مفرغة تَزِيدُ من تفاقم الحالة المرضية".