تمكن فريق من الباحثين البريطانيين من تعديل الحمض النووي لخلايا الخميرة؛ للتحكم في الكيفية التي تستجيب بها تلك الخلايا للمتغيرات البيئية المختلفة.

فعلى مدى سنوات طويلة، استخدم الباحثون الخميرة لدراسة مبادئ عمل مكونات الخلايا؛ إذ إنها حقيقية النواة، وأقرب للإنسان على المستوى الخلوي من البكتيريا، كما أنها قابلة بسهولة للتعديلات الوراثية، ما يعني أن الباحثين يُمكنهم تعلُّم تلك التقنيات في الخميرة، والتحقُّق من أمانها قبل البدء في تطبيقها على الخلايا البشرية.

ووفق البحث الذي نشرته دورية "سيل" (Cell) اليوم "الخميس"، 4 إبريل، فقد استخدم باحثون من جامعتي "كمبريدج" و"إمبريال كوليدج" تقنيات التعديل الجيني والنمذجة الرياضية لتعديل الحمض النووي للخميرة؛ بهدف قياس قدرتها على التفاعل مع بيئتها المحيطة، وهو أمر سيساعد على فهم الأمراض المختلفة، ما يساعد العلماء مستقبلًا على استخدام التقنية نفسها لعلاج المرضى.

تم اختيار الخميرة لأنها تشترك في الخصائص الرئيسية مع الخلايا البشرية؛ إذ يُمكنها استشعار البيئة باستخدام مجموعة من المستقبلات تُعرَف باسم "مستقبلات الهيبتاثيليكال"، وهي عائلة من البروتينات تقوم باستقبال الإشارات الخارجية وتستجيب للمحفزات المختلفة، ثم تقوم بإيصالها إلى داخل الخلية.

وتقوم تلك الخلايا باستشعار البيئة المحيطة عن طريق "مستقبلات الهيبتاثيليكال"، التي تُعرف أيضًا باقترانها بالبروتين ج. فعلى سبيل المثال، يُمكن لهذه المستقبلات استشعار المواد الكيميائية كالسموم والعقاقير في البيئة المحيطة، كما تقيس مستويات الهرمونات المختلفة، مثل الأدرينالين والسيروتونين والهستامين والدوبامين، ثم تنقل تلك الإشارات إلى الخلية، التي تترجمها وتبدأ في اتخاذ ردود الأفعال المناسبة تجاه البيئة.

فحين نتناول طعامًا حلو المذاق، ترسل مستقبلات الهيبتاثيليكال إشارةً الى خلايا التذوق، للإحساس بالنكهة وإعطائنا الشعور بالحلاوة، وحين نتناول طعامًا سيئ الطعم، ترسل إشارات للخلايا لرفض ذلك الطعام.

ويوجد أكثر من 800 نوع من تلك المستقبلات، وبالتالي تعمل أكثر من نصف الأدوية الموجودة في الأسواق على استخدام تلك المستقبلات لإرسال الإشارات أو حملها وصولًا للخلايا المريضة.

لكن، لا يعرف العلماء على وجه الدقة الكيفية التي تعمل بها تلك المستقبلات. لذا، قام الفريق البحثي بتعديل خلايا الخميرة لمراقبة آلية عملها.

من جهته، يقول "جراهام لادز" -أستاذ الصيدلة الدوائية بجامعة كامبريدج، وأحد مؤلفي الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن فهم الطريقة التي تعمل بها مستقبلات الهيبتاثيليكال سيجعل العلماء يسيطرون عليها في المستقبل عبر صناعة أدوية خاصة تُحفزها للمساهمة في علاج الأمراض المختلفة".

ويضيف "لادز" أن "تسليط الضوء على تلك الآلية سيمكِّننا من استخدام تقنيات البيولوجيا التخليقية من أجل ضبط إشارات الخلايا وإنشاء اتصالات دقيقة يُمكن التحكم بها في مكونات الإشارة الأساسية، ما يفتح نافذةً أكبر بكثير للتدخلات العلاجية والدوائية للأمراض المختلفة".

ويرى "لادز" أن فهم الطريقة التي تعمل بها المستقبِلات يُمكن أن يساعد في استهداف الطفرات الموجودة في جينوم الإنسان، كما يحسِّن من تقنيات الطب الدقيق، ويساعد أيضًا على ابتكار "الأدوية الشخصية" التي ستكون مناسِبةً لكل مريض بعينه.

عمل الباحثون على تلك الورقة طيلة 40 شهرًا، استخدموا خلالها "تقنية كريسبر" للتلاعب بجينات الخميرة، وعزل مسار مستقبلات الهيبتاثيليكال، كما طوروا مجموعةً من الكواشف التي تتبع مسار المستقبلات وصولًا إلى الخلية.

ويأمل "لادز" أن تطبق طريقةُ تتبُّع مسار المستقبلات في الخميرة على الخلايا البشرية في المستقبل، في خطوة من شأنها علاج العديد والعديد من الأمراض المستعصية، كالسرطان والالتهابات الكبدية والفشل الكلوي، وفق قوله.