استطاع فريق من العلماء مؤخرًا رصد ميلاد مجرة عملاقة من ذلك النوع الذي يُطلَق عليه المجرات العنكبوتية  Spiderweb Galaxy، وقد تبين أنها تتكون بطريقة تختلف عما كانت تفترضه الدراسات السابقة. فوفق البحث الذي نشرته دورية ساينس Science العلمية فإن المجرة ازداد حجمها منذ عشرات المليارت من السنين بسبب التهامها ما يُعرَف بالغاز الجزيئي البارد cold molecular gas، وليس نتيجة ابتلاع مجرات أصغر حجمًا كما هو متعارف عليه علميًّا فيما يتعلق بنشأة هذا النوع الضخم من المجرات.

وكان العلماء يعتقدون بوجود آلية واحدة فقط لتشكيل المجرات العملاقة، إذ تتجمع المجرات بعضها مع بعض، وتندمج بمرور الزمن بفعل قوى الجاذبية لتشكِّل مجرات أكبر، قبل أن يأتي الإعلان عن نتائج الدراسة الأخيرة لتكشف عن تفسير آخر جديد لتشكُّل المجرات الضخمة ذات الأحجام والكتل الهائلة.

تفسير منطقي

يقول بجورن إيمونتس- قائد الفريق البحثي للدراسة، الذي يعمل في مركز بيولوجيا الفضاء بإسبانيا-: إن البحث يقدم تفسيرًا منطقيًّا لكيفية تشكُّل المجرات في الأيام الأولى لنشأة الكون، إذ كانت النجوم والمجرات الوليدة لا تزال صغيرة وبالكاد تتحرك في الأنحاء.

وأضاف في تصريح لموقع ساينس أليرت science alert: "يختلف ذلك كثيرًا عما نراه في الجوار القريب؛ إذ تكبر المجرات الموجودة داخل الحشود المجرِّية عبر التهام أخرى أصغر حجمًا". ويوضح إيمونتس أنه في هذا الحشد المجرِّي تكبر المجرات الضخمة من خلال تغذيتها على الحساء الكوني للغازات الباردة الذي يغمر هذه الحشود.

وبناء على ما جرى رصده، يقترح فريق العمل أن المجرة العنكبوتية العملاقة التى جرى رصدها تكثفت مباشرة من سحابة من الغاز الباردة، أو ما يُعرَف بالحساء الكوني.

برودة فوق المتوقع

ولمعرفة ما حدث في ذلك الوقت، لاحظ الفريق المجرة العنكبوتية البعيدة التي لم تكن في الواقع مجرة واحدة، وإنما حشد من المجرات الجنينية الوليدة protogalaxies والتي تبعد مسافة 10.6 ملايين سنة ضوئية من الأرض. وهذا يعني أنه عندما نلاحظ المجرة العنكبوتية الآن، نرى كيف كان تشكيلها عندما كان عمر الكون أقل من 4 مليارات سنة.

وتُقدَّر كتلة هذا النوع من المجرات بحوالي 100 ألف مليون مرة من كتلة الشمس، وقطرها حوالي ثلاثة أضعاف حجم مجرة درب التبانة، وهي على مسافة أكبر مما كان متوقعًا في حال إذا ما كانت المجرات الصغيرة تستخدم كل ما يصل إليها من الهيدروجين. ووجد الفريق أيضًا أن الغاز كان باردًا على نحو غير متوقع، حوالي - 200 درجة سيليزية.

ووفقًا لدراسة أخرى حديثة يقدرعلماء فلك من جامعة نوتنغهام أن عدد المجرات يبلغ نحو 200 مليار مجرة في الكون المنظور، ويعد هذا الرقم أكبر من الأرقام التقديرية السابقة عشر مرات.

ويهتم علماء الفلك اهتمامًا كبيرًا بدراسة المجرات لمعرفة تاريخ نشأة الكون، وتتنوع المجرات ما بين قزمية تحتوي على بضعة آلاف من النجوم، وعملاقة بها نحو مئة تريليون نجم.

وترجع أهمية الدراسة الحالية إلى أنها تبحث الطريقة التي تتكون بها أكبر المجرات كتلةً وحجمًا في الكون في مرحلة زمنية متقدمة، وفق الدكتور جمال بكر، رئيس معمل المجرة والمجرات الخارجية بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، لم يشارك بالدراسة، مشيرًا إلى أن أهم ما يميز تلك المجرات العملاقة أن كتلتها الهائلة وتمركُزها في وسط الحشد الذي تكونت بداخله، يجعلها تجذب غلافًا ممتدًّا من الغاز المحيط بها، ومن بعض المجرات الأقل كتلة، والتي تدور حولها كتلتهما في نهاية المطاف.

تحت تأثير الجاذبية

والمجرة العنكبوتية التى جرى رصدها-وفقًا للدراسة- غير منتظمة الشكل، وتبعد عن الأرض بحوالي 10.6 بلايين سنة ضوئية، إذ تظهر حولها وبداخلها عشرات المجرات الأصغر حجمًا وكتلةً في عملية تداخل والتهام تحت تأثير جاذبيتها الرهيبة، يقول بكر: "المجرة العنكبوتية تشبه إلى حدٍّ ما الشكل العنكبوتي المعروف للتركيب الكوني ولكن على مقياس كبير، وتجري دراستها في نطاق الموجات الراديوية".

ويضيف الدكتور ياسر هندي -مدير مرصد القطامية الفلكي- أن المجرة المرصودة تتحرك بسرعة تقدر تقريبًا بضعف سرعة الضوء بمقدار 600 ألف كم/ ثانية..

ويبين هندي -الذي أسهم في إعداد كتالوج يحتوي على عدد كبير من المجرات البعيدة- أن رصد المجرات البعيدة في الكون يحتاج إلى تليسكوبات ضخمة الحجم ومرتفعة عن الأرض، وبعيدة عن التلوث والزحف العمراني كالتلبسكوبات الراديوية.

ووفق هندي، يقوم هذا النوع من التليسكوبات بتجميع الموجات الراديوية غير المرئية بواسطة طبق هوائي في الغالب antenna & recevier، ويضيف هندي أن ميزته أنه يعبر حواجز عديدة كالسحب الكثيفة والضباب والغبار والسديم والغاز، ويستطيع اكتشاف الأجسام البعيدة فى الكون التى تصل تقريبا إلى 16 مليار سنة ضوئية، ويوفر للراصد متابعة السماء ليلًا ونهارًا، لأنه لا يتأثر بالتلوث الضوئى أو الزحف العمرانى ووسائل الإضاءة. يوضح هندي: لأنه يتعامل مع الموجات الراديوية ذات الطول الموجى الكبير، مثل التليسكوب الإسترالى اتكا ATCA، إذ يعتمد على ستة من الهوائيات كل واحدة قطرها 22 متر، وهو التليسكوب المستخدم في دراسة المجرة العنكبوتية العملاقة التى جرى رصدها خلال هذه الدراسة.