تحتوي الخلايا الحية على عشرات الآلاف من الجينات. وتعمل تلك الجينات على صناعة البروتينات التي تحتاج إليها الخلية للبقاء على قيد الحياة. وتعمل الجينات بعضها مع بعض بطريقة تعاونية ومترابطة، ويعلم العلماء منذ زمن بعيد أن أي تغيير في التعبيرات الجينية التي تُنتج البروتينات يُمكن أن يؤثر على الكيفية التي تعمل بها الجينات الأخرى. إذ إن حدوث تغيير بسيط في تعبير جين واحد يولِّد سلسلةً من التغييرات يُمكن أن تؤثر على قدرة الخلية على البقاء.

ووفق دراسة نشرتها دورية "سيل ريبورتس" (Cell Reports) اليوم "الثلاثاء"، 23 يوليو، فقد حدد فريق من الباحثين في جامعة ماريلاند الأمريكية، بالتعاون مع فريق بحثي من المعهد الأمريكي للسرطان، 12 نوعًا مختلفًا من تفاعلات الجينات بعضها مع بعض، والتي تولِّد تعبيرات جينية –في صورة بروتينات- يُمكن أن تُطيل من أمد بقاء مرضى السرطان، ما يعني أن تلك الجينات المشتركة في التفاعلات المزدوجة يُمكن أن توفر أهدافًا جديدة لعلاج السرطان.

وللتبسيط، دعنا نتخيل أن الجينات تعمل كصندوق فيه عدد لا نهائي من التروس مختلفة القُطر، ويقوم الترس الأكبر بنقل الحركة إلى ترس أصغر ثم إلى ترس أصغر منه وهكذا، إذا أثرنا على الترس الأكبر بقوة ما، فسيدور الترس لينقل الحركة إلى الترس الأصغر، ويدور الترس الأصغر بسرعة أكبر من الترس الأكبر منه، وهكذا، فكلما زادت القوة المؤثرة على الترس الأكبر، تزيد سرعة التروس الأصغر منه، وكلما قلت القوة قلت السرعة، وفي حالة توقُّف الترس الأصغر الأخير عن العمل، لن يؤثر ذلك في سرعة الترس الأصغر منه، أو سرعة الترس الكبير، لكن، ماذا لو توقفت القوة نفسها، أو توقف دوران الترس الكبير لأي سبب من الأسباب؟ حينها ستتوقف المنظومة كلها عن العمل.

تُشبه نتيجة الدراسة الجديدة حركة التروس؛ إذ اكتشف الباحثون وجود علاقة مزدوجة بين نوعين من الجينات، وهي علاقة جينية متبادلة، توجد في الخلايا السرطانية، ويمكن وصفها بـ"فتك تخليقي" (Synthetic lethality).

في تلك العلاقة، يُمثل الجين الأول حركة الترس الأكبر، أما الجين الثاني فيُمثل حركة الترس الأصغر، وتمثل الطفرة التي كوَّنت الخلايا السرطانية القوة المُحركة لتلك التروس. وللقضاء على السرطان، هناك عدد من الطرق التي يجب أن نسلكها لتحقيق الغرض، فإما أن نقضي على القوة المُحركة لتلك التروس مباشرة، وإما أن نقوم بتعطيل الترسين معًا.

يستمر السرطان في التوغل والانتشار داخل الخلايا حتى لو قمنا بتعطيل جين واحد من الجينين، وبالتالي، للقضاء على السرطان، يجب تعطيل الجينين معًا، لوقف نقل الحركة –حركة الخلايا السرطانية- من مكان إلى آخر (من ترس إلى آخر كما في صندوق التروس).

وتكشف الدراسة أن تعطيل التفاعلات بين الجينات بعضها وبعض، هي الطريقة المُثلى للقضاء على السرطان، وليس تعطيل جين واحد، أو طفرة جينية واحدة. كما تُقدم الورقة طريقةً جديدةً تعتمد على البيانات الواردة من الجينات لتحديد التفاعلات بين بعضها وبعض، وهو أمر قد يؤثر على نتائج علاج مرض السرطان.

واستخدم الباحثون بيانات مُستقاة من تحاليل دقيقة على 5228 ورمًا، تمثل 18 نوعًا مختلفًا من أنواع السرطان. وتمكن الباحثون من تحديد 6 تفاعلات بين 12 جينًا، ترتبط بمعدلات بقاء مرض السرطان.

وباستخدام النتائج، قام الباحثون ببناء نموذج حاسوبي لتحديد مجموعات جديدة من الجينات التي يُمكن أن تُسهم في معدلات بقاء المريض سلبًا أو إيجابًا، ليتمكنوا في الخطوة التالية من تحديد 72 ألف تفاعل، بين 163 مليون زوج من الجينات، التي يُعتقد أنها تُسهم بنسبة كبيرة في الانقسام المفرط للخلايا السرطانية وانتشارها.

يقول مؤلف الدراسة "سريرهار هانينهالي" في تصريحات لـ"للعلم": "إن الورقة العلمية تُسهِم أيضًا في شرح سبب فاعلية بعض الأدوية لمريض دون الآخر؛ ففي أحيان كثيرة، نعطي الدواء لمريضين مُصابين بنوع الورم نفسه، ينجح الدواء مع مريض ويفشل مع الآخر، وهذا بسبب طبيعة التفاعل بين الجينات بعضها وبعض".

ويرى "سريرهار" أنه –شأنه شأن معظم الناس- يُدرك مدى صعوبة علاج السرطان، مُرجعًا ذلك إلى سبب بسيط هو أن "السرطان مشتق من خلايانا، وبالتالي يَصعُب استهدافه بشكل انتقائي عن طريق الأدوية دون التأثير على الخلايا السليمة".

يضيف "سريرهار" أن "النهج العلاجي للسرطان يجب أن يعتمد على نقاط ضعف محددة، مثل الطفرات الجينية والعلاقة بين التفاعلات المتبادلة بين الجينات، وهو ما تكشف عنه دراستنا الجديدة".

ويأمل "سريرهار" أن تسلط الدراسة الضوء على "وجه جديد محتمل لعلاج السرطان"، مشيرًا إلى أنه يتمنى العثور على "متعاونين ومتطوعين" لتطبيق هذا النهج على أنواع من السرطان.