تشكل أنهار "أوب" و"ينسي" و"لينا"، التي تصب في بحري "كارا" و"لابتيف"، حوالي نصف مصادر المياه العذبة التي تتدفق سنويًّا إلى المحيط المتجمد الشمالي، حيث تؤثر التغيرات التي تطرأ على المياه العذبة المتدفقة إلى هذه البحار -تأثيرًا كبيرًا- على تكوين الجليد، والإنتاجية البيولوجية، والعديد من العمليات الأخرى في منطقة القطب الشمالي.

وتمكَّن فريق من الباحثين في معهد شيرشوف لعلم المحيطات ومعهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا (MIPT) من دراسة انتشار أعمدة الأنهار الكبيرة في بحار القطب الشمالي، وهي الأعمدة التي تتشكل نتيجة تدفُّق المياه العذبة من النهر واختلاطها بالمياه المالحة في بحار شمال روسيا، وتم نشر نتائج الدراسة في دورية "ساينتفك ريبورتس" (Scientific Reports) هذا الأسبوع.


تُزود أنهار "أوب" و"ينسي" و"لينا" -التي تقع شمال قارة آسيا- بحرَي "كارا" و"لابتيف" بكميات هائلة من المياه العذبة، خاصةً خلال موسم ذوبان الجليد، ويُقدر إجمالي كميات المياه المتدفقة من هذه الأنهار الثلاثة بنحو 2300 كيلومتر مكعب، وتشكل المياه عمود "أوب – ينسي" في بحر "كارا"، وعمود "لينا" في بحر "لابتيف"، وهما أكبر عمودين للأنهار في القطب الشمالي، كما أنهما من أكبر أعمدة المياه العذبة في محيطات العالم.
يقول ألكسندر أوسادشيف، باحث أول في معهد شيرشوف، والمؤلف المشارك في الدراسة: إن أعمدة الأنهار تتشكل في البحار، نتيجة اختلاط المياه العذبة المتدفقة من النهر بالمياه المالحة في البحر، وتنتشر في البحر كطبقة سطحية رقيقة نسبيًّا، وعادةً ما يتم تحديد ديناميات عمود النهر من خلال تأثيرات الرياح، ومعدلات تصريف مياه النهر.


وأوضح -في تصريحات لـ"للعلم"- أنه بمجرد انتشار عمود عائم على طول الساحل، يتم دفعه بعيداً عن الشاطئ، نتيجة تعرُّضه لضغط متدرج من مياه البحر، وهو ما يُعرف بـ"تأثير كوريوليس"، الذي يعمل على تحقيق التوازن مع ضغط المياه المتدفقة من النهر، وصولًا إلى ما يُسمى "التوازن الجيوستروفي" (Geostrophic Balance)، الذي يحقق ثبات تدفُّق عمود المياه بطول الشاطئ.
 

يضيف "أوسادشيف" أن ما بين 80 و90% من كميات المياه المتدفقة من أنهار "أوب" و"ينسي" و"لينا"، يتم تصريفها في المحيط المتجمد الشمالي، خلال موسم ذوبان الجليد بين شهري يوليو وسبتمبر من كل عام، أما تصريف مياه الأنهار في المحيط فيكون خلال موسم الشتاء الطويل منخفضًا للغاية، ولكنه لا يتوقف، خاصةً وأن الأنهار الكبيرة لا تتجمد المياه فيها بشكل كامل من السطح إلى القاع.

وأظهرت دراسات سابقة أنه في حالة عدم وجود رياح قوية، فإن "تأثير كوريوليس"، الذي يُعرف أيضًا باسم "قوة كوريوليس"، واختلاف الكثافة بين مياه عمود النهر ومياه البحر المحيطة، يسببان انتشار مياه النهر على طول الشاطئ، ويؤدي ذلك إلى تحرُّك كميات من المياه العذبة، وعلى نطاق واسع، باتجاه شرق المحيط المتجمد الشمالي، وتم رصد هذه العملية على طول شواطئ أوراسيا وأمريكا الشمالية، مما يؤثر بشدة على ظروف تكوُّن الجليد.

وتكشف الدراسة الحديثة عن كيفية انتشار عمود "أوب -ينسي" من بحر "كارا" إلى بحر "لابتيف"، عن طريق تحرُّكه شرقًا عبر مضيق "فيلكيتسكي"، الذي يقع بين أرخبيل "سيفيرنايا زيمليا" وشبه جزيرة "تيمير"، كما تُظهر انتشار عمود "لينا" شرقًا من بحر "لابتيف" إلى بحر "شرق سيبيريا"، عبر مضايق "لابتيف" و"سانيكوف".

وتوصَّل الباحثون إلى أن تدفق المياه من نهري "أوب" و"ينسي" على طول السطح القاري جنوب المحيط المتجمد الشمالي، يتراكم غالبًا في بحر "كارا"، خلال الموسم الخالي من الجليد، وتشكل الحواجز الطوبوغرافية، خاصةً السواحل الغربية لشبه جزيرة "تيمير"، وأرخبيل "سيفيرنايا زيمليا"، عائقًا أمام تحرُّك عمود "أوب– ينسي" شرقًا إلى بحر "لابتيف"، وهي العملية التي تحدث في حالات محدودة للغاية، نتيجة تأثير حركة الرياح.

أما عمود "لينا" فيمكنه التحرك شرقًا بصورة شبه مستمرة، وصولًا إلى غرب بحر "شرق سيبيريا"، ليشكل كتلة مائية واسعة النطاق تنتشر على طول الساحل، في ظاهرة تُعرف باسم "التيار الساحلي السيبيري"، وتزداد قوة هذا التيار نتيجة تجمُّع المياه المتدفقة من نهري "إنديجيركا" و"كوليما"، وهما من الأنهار الكبيرة التي تصب في بحر "شرق سيبيريا"، لتدفع التيار الساحلي شرقًا إلى بحر "تشوكشي".