الجينات المؤثرة على التعلم تؤدي دورًا في خصوبة الأفراد، وفق علماء في جامعة آيسلندا، فهناك العديد من المتغيرات الجينية التي تشير إلى أن "الانتخاب الطبيعي" يعمل في اتجاه تقليل التحصيل التعليمي.

إذ ألمحت الدراسة المنشورة بدورية "PNAS" في يوليو 2016 إلى أن مجموعة الجينات المسؤولة عن قضاء الأشخاص لسنوات أكثر في التعلُّم أصبحت أكثر ندرة، إلى جانب أن الأفراد الذين يحملون قدرًا أكبر من "جينات التعلُّم" أقل ميلًا إلى إنجاب الأطفال.  

كما أظهرت الدراسة التي شملت  أكثر من 100 ألف فرد من آيسلندا وتتبعت حالتهم خلال المدة من 1910 إلى 1975 أن "الانخفاض في متوسط  معدل التحصيل التعليمي بلغ 0.010 وحدة قياسية في العقد الواحد"، وبالرغم من أن هذا المعدل يبدو ضئيلًا، إلا أنه من وجهة نظر العلماء وبالنظر إلى المقياس الزمني للتطور يُعَد كبيرًا.

أبحاث ترجح زيادة "الغباء"

والدراسة التي نحن بصددها ليست الأولى من نوعها؛ إذ أظهرت دراسة للمعهد الوطني للشيخوخة بالولايات المتحدة على عينة من  20 ألف شخص لمدة 22 عامًا، أن الميل الجيني إلى التحصيل التعليمي يرتبط بمعدل الخصوبة الأقل.

 واعتمدت الدراسة المنشورة على نيتشر في 11 مايو 2016 على تحديد جينات التعلُّم البالغ عددها -كما يقول الباحثون- 74 جينًا مسؤولًا عن التحصيل الدراسي، بعد إخضاع 294 ألف شخص من أصول أوروبية لـ"دراسة موسعة للرابط الجيني".

وتعتمد دراسات كهذه في الأغلب على دراسة البيانات الواردة من البنوك الحيوية المتوفرة في البلد، والتي تُعَد بمنزلة مستودع لتخزين العينات البيولوجية للأفراد من دم وأنسجة وبول ولعاب وأحماض نووية، بحيث يمكن استغلالها في الحصول على بيانات لأغراض بحثية.

 وفي السياق ذاته، ألمح بحث منشور في دورية PNAS منتصف العام الماضي إلى أن "الانتخاب الطبيعي يتجه صوب خفض درجة التحصيل التعليمي بين الذكور والإناث، بالإضافة إلى تفضيل ارتفاع سن البلوغ عند الإناث"، وأضافت الدراسة أن التقديرات تفترض نقصان معدل التحصيل التعليمي بمقدار درجة ونصف في كل جيل.

وتهدف الدراسة التي قامت بها جامعة هارفارد إلى تحليل الرابط بين التغيُّرات الجينية من ناحية وظواهر مختلفة كالتحصيل التعليمي وطول العمر من ناحية أخرى. بالاعتماد على بيانات حوالي 130 ألف مشارك.

جدل في الوسط العلمي

والحقيقة أن العديد من الانتقادات قد واجهت الدراسات التي تربط بين التحصيل التعليمي والخصوبة، إذ صرّحت "رنا الدجاني" -أستاذ البيولوجيا الجزيئية بالجامعة الهاشمية- لمجلة "للعلم": "الإشارة إلى أن معدل الخصوبة الأعلى يرتبط بتحصيل تعليمي أقل، وبالتالي يجري الانتخاب لصالح التحصيل التعليمي الأقل، غير دقيق".

وأضافت أن انخفاض مستوى التحصيل في التعليم يعود إلى عدة عوامل، منها الفقر ولكنه ليس العامل الوحيد، فعلى سبيل المثال بالرغم من فقر الأسر في الوطن العربي فالآباء يرسلون أبناءهم إلى المدارس. ووحدة الأسرة واستقرارها معايير أهم من الفقر؛ "ففي الأسر المنفصلة والفقيرة، الإهمال هو الذي يدفعهم إلى عدم إرسال أطفالهم إلى المدارس وليس الفقر".

كما تشير الدجاني إلى أن هناك طرقًا أخرى للتعليم بخلاف المدرسة يتم استخدامها لم تؤخذ في الاعتبار من قِبَل الدراسة، مثل اكتساب المعرفة من الإنترنت. وأضافت: "إذا كنت ذكيًّا فالمدرسة تهذبك فقط، لكنها لا تضيف في جيناتك حتى تصبح موروثة".

وعن نتائج الدراسة أشارت الدجاني إلى أن مدة الدراسة مقارنة بعمر البشر ليست كافية من أجل التوصل إلى استنتاج. "إن الفرضيات التي وضعها الباحث في هذه الدراسة، تحتاج إلى تعضيد عن طريق المزيد من البحوث التي تأخذ بعين الاعتبار اختلاف الثقافات والمعتقدات".

رأي مخالف

ويرى "حسين ثابت" -أستاذ وراثة السرطان، ووكيل كلية التكنولوجيا الحيوية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا- أن الانتخاب الطبيعي يعمل في صالح التحصيل التعليمي الأعلى وليس الأقل، إذ صرّح لمجلة "للعلم": "الانتخاب الطبيعي يعمل على اختيار الأنسب والأفضل، مما يدفعه لاختيار القدرات العقلية الأكبر، وبالتالي التحصيل التعليمي الأعلى حتى يصبح البشر قادرين على البقاء".

 وأضاف أنه بمجرد النظر إلى الجيل الحالي والسابق، يُلاحَظ أن الإنترنت والتكنولوجيا ووسائل المعرفة المتنوعة قد أسهمت في زيادة فرص التحصيل التعليمي لهذا الجيل مقارنة بالجيل السابق له.

ولا يتعلق التحصيل التعليمي بالمتغيرات الجينية فحسب، بل بالمتغيرات البيئية كذلك. "إذا كان الشخص ذكيًّا وجرى وضعه في بيئة غير مناسبة له، فلن يساعده هذا الأمر في زيادة التحصيل، بل على العكس ربما يتوقف تعليمه عند مرحلة مبكرة" كما يضيف.

واستطرد: "هناك بعض الأبحاث والكتب التي تشير إلى أنه خلال 200 عام سيعمل الانتخاب الطبيعي على زيادة حجم دماغ البشر، مما يعني زيادة الخلايا العصبية، وبالتالي زيادة في القدرات العقلية، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى زيادة التحصيل التعليمي".