تخيل أنك تواجه التجربة الفكرية التقليدية المحيرة التي تقول إن بإمكانك أن تأخذ الآن مبلغًا من المال، أو تنتظر إلى وقت لاحق فتحصل على مبلغ أكبر، فأي خيار سوف تفضل؟ وجد الباحثون أن مستوى ضبط النفس ربما يرتبط بمنطقة في المخ هي التي تمكِّن الإنسان من رؤية الأمور من منظور الآخرين، بما في ذلك منظور نفسه المستقبلية.

أوضحت دراسة نُشرت يوم 19 أكتوبر 2016 في دورية "ساينس أدفانسز" Science Advances أنه عندما استخدم العلماء تحفيزًا للدماغ بطريقة غير جراحية تؤدي إلى إرباك منطقةٍ في الدماغ تسمى التقاطع الصدغي الجداري، فإن الشخص يبدو أقل قدرة على رؤية الأشياء من وجهة نظر نفسه في المستقبل، أو من وجهة نظر شخص آخر، وبالتالي يكون أقل قابلية لاقتسام النقود مع الآخرين، وأكثر ميلًا لاختيار الحصول على النقود في الحال، بدلًا من الانتظار للحصول على مبلغ أكبر في وقت لاحق.

تؤدي منطقة التقاطع الصدغي الجداري -والتي تقع عند نقطة التقاء الفص الصدغي والفص الجداري بالدماغ- دورًا مهمًّا في الوظائف الاجتماعية، بالتحديد فيما يتعلق بقدرة الإنسان على فهم المواقف من منظور الآخرين. غير أنه وفق رأي ألكساندر ساوتشيك -وهو عالِم اقتصاد بجامعة زيوريخ، وباحث رئيسي في فريق الدراسة- فإن الأبحاث السابقة حول ضبط النفس وقرارات تأجيل المكافأة رَكزتْ بدلًا من ذلك على المناطق الأمام جبهية، المسؤولة عن التحكم في الدوافع، يقول: "عندما تُدققُ في الأبحاث المنشورة، ستجد في بعض الأحيان في البيانات المتعلقة بالتصوير العصبي أن التقاطع الصدغي الجداري ينشطُ أيضًا في أثناء قرارات تأجيل المكافأة، ولكن لم يخضع هذا الأمر للتفسير قَط".

أراد ساوتشيك وزملاؤه معرفة المزيد عن الطريقة التي يشارك بها التقاطع الصدغي الجداري في التفاعلات الاجتماعية، وأيضًا ما إذا كان يساعد على التحكم في الدوافع عندما يواجه الإنسان قرارات صعبة. وفي الدراسة، جرى تعريض المشاركين لتحفيز مغناطيسي عبر الجمجمة لمدة 40 ثانية، عن طريق وضع ملف مغناطيسي قرب الجمجمة يَبُث تيارات كهربائية ضعيفة في الدماغ تُثَبطُ نشاط الجزء الخلفي من التقاطع الصدغي الجداري، ثم بعد ذلك أمضى هؤلاء المشاركون 30 دقيقة في إتمام المهام الخاصة بالتجربة. ولاستبعاد تأثير الإيهام، كانت هناك مجموعة مرجعية تَعرَّض أفرادها للتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة في منطقة مختلفةٍ في الدماغ. في إحدى المهام، طُلِبَ من المشاركين أن يختاروا بين الحصول على مكافأة (تتراوح بين 75 و155 فرنكًا سويسريًّا) لأنفسهم أو الحصول على مكافأةٍ تُقَسم بالتساوي بين المشارك في التجربة وشخص آخر، تتدرج علاقته به من كونه أقرب أصدقائه إلى مجرد رجل غريب يسير في الشارع. وفي مهمة أخرى عُرِضَ على المشاركين أن يختاروا بين الحصول على مكافأة مالية فورية تتراوح قيمتها بين صفر و160 فرنكًا سويسريًّا، والحصول على مكافأة مضمونة قيمتها 160 فرنكًا سويسريًّا، لكن بعد فترةِ انتظارٍ تتراوح بين ثلاثة أشهر و18 شهرًا. وفي مهمة أخيرة، أُعطِيَ المشاركون تعليماتٍ بأن يضعوا أنفسهم مكان شخصية افتراضية ويحددوا عدد النقط الحمراء الموجودة على الكرة التي تراها الشخصية الافتراضية.

وجد الباحثون أن المشاركين الذين جرى تثبيط التقاطع الصدغي الجداري بأدمغتهم كانوا أقل استعدادًا لاقتسام النقود، وأكثر ميلًا إلى أخذ النقود فورًا بدلًا من تأجيل المكافأة وانتظار جائزة أكبر. كذلك كانوا أقل قدرة على رؤية الأمور من منظور الشخص الافتراضي، وهي نتائج منطقية وفق كريستيان روف، أحد مؤلفِي الدراسة وعالِم الاقتصاد بجامعة زيورخ، إذ يقول: "إن القدرة على رؤية الأمور من منظور شخص آخر ضرورية لتنفيذ تلك المهام، من حيث التفكير في كيف يمكن أن يكون شعور شخص آخر إذا أعطَيتَه نقودًا، وأيضًا كيف يمكن أن يكون شعورك أنت نفسك في المستقبل حيال هذه النقود".

وتشير هذه النتائج إلى أن التقاطع الصدغي الجداري يؤدي دورًا مهمًّا في عملية رؤية الأمور من منظور الآخرين، والتي يصفها روف بأنها "آلية اجتماعية أساسية جدًّا" وضرورية لا لمساعدتنا على اكتشاف ما قد يدور في أذهان الآخرين وما يشعرون به في أثناء التفاعلات الاجتماعية فحسب، ولكن أيضًا في ضبط النفس عندما نَزِنَ الرغبات والاحتياجات الحالية لأنفسنا في مقابل ما نتصوره من احتياجات ورغبات لأنفسنا في المستقبل.

ورغم أن ساوتشيك وروف يؤكدان أن الدراسة التي شاركا فيها تركز على العلوم الأساسية، فإنهما يشيران إلى إمكانية أن يكون لها تأثيرات مهمة في المواقف التي يكافح الناس فيها لضبط النفس، كما في حالة الإدمان على المخدرات، إذ يقول روف: "عندما يفكر الناس في الإدمان، فإنه غالبًا ما يبدو لهم كنوع من العجز عن التحكُّم في الدوافع. وتشير النتائج التي توصلت إليها الدراسة إلى أن هذه العملية الأخرى شديدة الأهمية أيضًا؛ فالأفراد الواقعون تحت تأثير الإدمان قد لا يكونون قادرين على التفكير من منظور أنفسهم المستقبلية، أي أنفسهم غير المدمنة".

ويضيف روف أنه إلى جانب التدَخلات التقليدية التي تركز على تحسين القدرة على ضبط الدوافع، ربما يستحق الأمر استكشاف مناهج أخرى تساعد الناس على تعلُّم أن يضعوا في اعتبارهم منظور أنفسهم في المستقبل وهم يحاولون تغيير أنماطهم السلوكية.

وبعيدًا عن الإدمان، فإن ضبط النفس والقدرة على تأجيل المكافأة يرتبطان تقريبًا بكل القرارات التي نتخذها في الحياة، بدءًا من إتمام الدراسة، إلى ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، إلى ادخار المال لمرحلة التقاعد، ولهذا السبب يعتبر روف أن فهم عملية ضبط النفس يُعَد سبيلًا أساسيًّا لتحسين الصحة البدنية والنفسية.

ويرى جوزيف كيبل -وهو أخصائي علم النفس بجامعة بنسلفانيا، والذي لم يشارك في الدراسة- أن هذه النتائج مثيرة للاهتمام والدهشة في آنٍ واحد، فيقول: "معظم الأبحاث التي أجريت على هذه المنطقة الدماغية التي عمل الباحثون على تثبيطها، أشارت إلى أنها تؤدي دورًا في اتخاذ القرارات الاجتماعية، ورؤية الأمور من منظور الآخرين. ولا أعتقد أن كثيرين كان من الممكن أن يتوقعوا أن يكون لهذه المنطقة دور في المواقف المحيرة المتعلقة بالزمن: حينما يتعين على المرء أن يواجه الصراع بين مكافأة صغيرة فورية، ومكافأة أكبر لن يحصل عليها إلا إذا انتظر حتى المستقبل".

ويضيف كيبل أن هذا البحث قد يتطلب منا أن نغير طريقة تفكيرنا حول تشجيع الآخرين على تبني اختيارات ذات نظرة مستقبلية؛ لأن ضبط النفس "لا يشمل مجرد ردع المغريات، لكن أيضًا امتلاك الوسائل الإدراكية اللازمة لتقييم الوضع في المستقبل".