توصلت دراسة حديثة لعدة استنتاجات مقلقة فيما يخص الآثار الصحية لزيت الكانولا canola oil في حال تناوله بشكل يومي، فالزيت -الذي يُعَدُّ أحد أكثر أنواع الزيوت النباتية استهلاكًا وفق الدراسة، والأعلى بعد زيت الصويا في الولايات المتحدة الأمريكية- يتسبب في مجموعة من الأعراض، من شأنها أن تدعم فقدان الذاكرة لدى مرضى ألزهايمر.

وتناقض الدراسة المنشورة ديسمبر الماضي بدورية ساينتفك ريبورتس التابعة لمجلة نيتشر، ما يروجه مصنِّعو زيت الكانولا من أنه الخيار الأفضل صحيًّا في الأسواق، وذلك لانخفاض محتواه من الدهون المشبعة، وارتفاع نسبة الأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة فيه، والدهون غير المشبعة مثل الأحماض الدهنية أوميجا3.

قام الفريق البحثي -بقيادة من مركز ألزهايمر بقسم الصيدلة كلية لويس كاتز للطب، جامعة تمبل، بمدينة فيلادلفيا الأمريكية- بعمل اختبارات على مجموعتين من فئران التجارب تبلغ من العمر حوالي 6 أشهر.

وأخضع الباحثون المجموعة الأولى لنظام غذائي يحتوي على زيت الكانولا بشكل مكثف، بمعدل ملعقتين يوميًّا، أما المجموعة الأخرى فأُخضِعت لنظام غذائي خالٍ من هذا الزيت، وبعدها جرى تقييم ذاكرة الفئران عقب انتهاء فترة الدراسة عبر إجراء فحوصات لأنسجة المخ لدى المجموعتين.

وبعد عام أظهر مسح أنسجة دماغ الفئران أن المجموعة التي تناولت زيت الكانولا تراكم لديها بروتين يدعى "الأميلويد- بيتا" ويُرمز له Aβ 42/40، يؤدي تراكمه في المخ إلى تدمير نقاط الاشتباك العصبي التي تصل الخلايا العصبية بعضها ببعض، مما يؤدي إلى تدهور في القدرات المعرفية وفقدان الذاكرة.

كما ربطت الدراسة بين استهلاك زيت الكانولا في النظام الغذائي وتراجُع الذاكرة، وتأخُّر قدرات التعلُّم، وزيادة الوزن لدى الفئران. وتُعَد الدراسة هي الأولى التي تشير إلى أن أضرار زيت الكانولا على الدماغ أكبر من فوائده الصحية بشكل عام.

"شاع استخدام زيت الكانولا لأنه أقل تكلفةً من الزيوت النباتية الأخرى، ويُروَّج له بوصفه زيتًا صحيًّا"، كما يوضح لـ"للعلم" دومينيكو براتيكو، قائد الفريق البحثي، والأستاذ في قسم علم الأدوية وعلم الأحياء المجهرية ومدير مركز ألزهايمر في جامعة تمبل.

ويرى أن هناك حاجةً ماسة لعمل دراسات على هذا النوع من الزيوت. "هناك عدد قليل جدًّا من الدراسات عملت على فحص الادِّعاءات حول أثر هذا الزيت على الصحة عمومًا وعلى الدماغ تحديدًا، وهو ما نحاول عمله".

يُذكر أنه في عام 2017 نشر براتيكو مع فريقه البحثي دراسة في مجلة حوليات علم الأعصاب السريري والتحولي "Annals of Clinical and Translational Neurology"، فيها أجرى الاختبار نفسه على فئران ولكن باستخدام زيت الزيتون البكر"، يقول: "وجدنا أن الفئران التي تعاني من ألزهايمر انخفض لديها معدل بروتين "الأميلويد- بيتا" الضار بالمخ، وتحسنت الذاكرة لديها على نحوٍ ملحوظ".

ولِمَ الإقبال على الكانولا؟

يوضح براتيكو أن فكرة الدراستين تعتمد على شيوع تطبيق نظام "البحر المتوسط" الغذائي، الذي يقوم على تناوُل كمية كبيرة من النباتات والخضر وخفض استهلاك اللحوم الحمراء، كما يعتمد على الإكثار من تناوُل زيت الزيتون على نحوٍ يومي، "وإذ أن زيت الزيتون مرتفع التكلفة في بعض الدول، يستخدم البعض -خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية- زيت الكانولا بديلًا له، وهنا منبع الخطورة".

كما سبق أن صنفت الجمعية الأمريكية للقلب في مقال افتتاحي نُشر في يوليو 2017 زيت الكانولا بوصفه بديلًا نباتيًّا جيدًا للدهون المشبعة التي منها السمن والزبد الحيواني، وأكدت ما له من أثر إيجابي في خفض أمراض القلب، وذلك اعتمادًا على مئات الأوراق البحثية المنشورة منذ عام 1950 وحتى 2017.

وفي دراسة نُشرت في "دورية ويلي للتغذية" عام 2013، لاحظ الفريق البحثي من مركز ريتشاردسون للأغذية، بجامعة مانيتوبا بكندا أن تناوُل الوجبات الغذائية المحتوية على زيت الكانولا يحدُّ من مستويات الكوليسترول في الدم، مقارنًة بالتي تحتوي على مستويات أعلى من الأحماض الدهنية المشبعة.

 كما لاحظوا كذلك أن استهلاك الكانولا دون غيرها من مصادر الدهون، له أثر على تحسين حساسية الإنسولين لاحتوائه على نسبة من الدهون المشبعة تقل عن 7٪، وأنه أقل الزيوت في محتواه من الكوليسترول. ولتجنُّب تشكيل خطورة على صحة القلب، نصحت الدراسة بـ"عدم إحلال الدهون المشبعة محل الأقل تشبعًا، وتعويض ذلك بتناوُل نسب أعلى من الكربوهيدرات".

كيف يتم العصر؟

وألمحت هيام القطري -أستاذ التغذية العلاجية المساعد بكلية العلوم الزراعية والأغذية بجامعة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية- إلى أهمية أخذ الطريقة التي جرت معالجة بذور الكانولا "اللفت" بها قبل عصرها في الاعتبار.

 وتقول القطري لـ"للعلم": "لم تُشِر الدراسة إلى أن زيت الكانولا ناتجٌ من نبات اللفت الكندي المعدل وراثيًّا مع اللفت الأرجنتيني لينتج نوع هجين الغرض منه هو التخلُّص من المركبات السامة والطعم المر الموجودة بنبات اللفت غير المعدل وراثيًّا؛ حتى يكون له قبول في الصناعة". مضيفةً أن أصل الزيت هو زيت نبات اللفت أو الشلجم وليس الكانولا، وإنما سمي بالكانولا اختصارًا للأحرف الأولى من الزيت الكندي Canada oil  بغرض التسويق التجاري ليس إلا".

 وتتابع: "نبات اللفت المعدل وراثيًّا يحتوي على مركبات كيماوية تعمل كمبيدات حشرية وتُوجَد في الزيت الناتج، مما يؤثر بدرجة كبيرة على الخصائص التغذوية لهذا الزيت".

كما ترى أنه بالإضافة لما سبق فإن التأثير السلبي لزيت الكانولا يعود إلى استخلاصه بواسطة مذيبات عضوية، أهمها الهكسان الذي يُعَدُّ مُنتَجًا سامًّا للإنسان؛ إذ يتبقى منه جزء في الزيت المستخلص"، وعلى هذا فإنه من الصعب المقارنة بين زيت الزيتون البكر -الناتج بطريقة العصر على البارد دون أي مذيبات عضوية- وزيت الكانولا" وفق ما تقول القطري.

ما البديل الأفضل؟

"باختصار الكانولا ليس بأي حال بديلًا لزيت الزيتون" هذا ما يخلص إليه عبد الرحمن رجب، أستاذ التغذية وعلوم الأغذية بكلية العلوم الزراعية والأغذية، جامعة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية.

ويؤكد أن الزيوت الطبيعية أفضل من الزيوت الناتجة عن نباتات مهجنة، وأن الاستخدام المعتدل هو السبيل الآمن، "كذلك لا بد من تناول الكميات المناسبة من الغذاء؛ لأن ذلك يؤدي إلى حماية الجسم من الكثير من الأمراض".

ويرى براتيكو أن هناك احتياجًا إلى المزيد من الدراسات لمعرفة أثر الكانولا على المخ. "الخطوة القادمة ستكون إجراء دراسة تركز على الأثر قصير المدى للكانولا على الدماغ وتغيير الروابط العصبية، وما إذا كانت الآثار السلبية لزيت الكانولا خاصةً بمرض ألزهايمر أم أنها يمكن أن يشمل أمراضًا عصبية أخرى لها علاقة بالخرف.