على مدى السنوات الماضية، توقع باحثون في علم "الجغرافيا" أن تؤدي الانهيارات الجليدية في القارة القطبية الجنوبية -والمعروفة أيضًا باسم "أنتاركتيكا"- إلى ارتفاع منسوب سطح البحر لأكثر من متر بنهاية القرن الحالي.

لكن دراستين نشرتهما مجلة "نيتشر" (Nature) اليوم "الأربعاء"، 6 فبراير، اتفقتا على أن ارتفاع منسوب سطح البحر من جرّاء الانهيارات الجليدية في القارة القطبية الجنوبية، قد يكون أقل كثيرًا من التوقعات، فقد يتراوح بين 14 و15 سنتيمترًا، وأن نسبة تخطِّي هذا الارتفاع لحاجز الـ39 سنتيمترًا لا تزيد على 5%.

وشددت الدراستان، في الوقت ذاته، على أن تلك الارتفاعات من شأنها أن تؤدي أيضًا إلى حدوث اختلالات كبيرة في تيارات المحيط وتغيُّر مستويات الاحترار في جميع أنحاء العالم.

وتشير الدراسة الأولى، التي أجراها باحثون في جامعة "كينجز كولدج لندن" البريطانية، إلى أن "الزيادة المتوقعة في مساهمة القطب الجنوبي في ارتفاع منسوب سطح البحر، لن تتجاوز بأي حال من الأحوال، 39 سم بحلول عام 2100، وهي تقديرات أقل بكثير من التوقعات السابقة التي رجحت ارتفاعها لأكثر من متر، ما يعني أن التقديرات السابقة لمستقبل ارتفاع مستوى سطح البحر من جرّاء هذا الانهيار قد تكون مبالغًا فيها إلى حدٍّ كبير".

واستشهدت الدراسة بعمليات ذوبان الجليد التي حدثت منذ 3 ملايين سنة، والعمليات التي حدثت خلال السنوات الـ25 الماضية على وجه الخصوص، والتي أظهرت أن الانهيارات الجليدية لم تكن ضروريةً لرفع مستوى سطح البحر في الماضي.

أمّا الدراسة الثانية، التي أجراها باحثون في جامعة "فيكتوريا- ويلنجتون" النيوزيلندية، بالاشتراك مع آخرين من أوروبا وكندا والولايات المتحدة، فكشفت وجود خلل في النماذج المناخية الحالية المستخدمة في دراسة العمليات الجليدية، مشددةً على أن "هذه النماذج لا تأخذ بعين الاعتبار التأثير الكامل لذوبان المسطحات الجليدية في كلٍّ من جرينلاند وأنتاركتيكا".

ووفق الدراسة فإن ذوبان المسطحات الجليدية سيبطئ من حركة التيارات البحرية في المحيط الأطلسي، ويحجز المياه الدافئة تحت السطح في المحيط الجنوبي (المتجمد)، ما يؤدي إلى مزيد من فقدان الجليد في أنتاركتيكا.

وأشار الباحثون إلى أن ذوبان المسطحات الجليدية يعمل على زيادة التغيُّر في درجة الحرارة في الغلاف الجوي والمحيطات، وقد يؤدي إلى تكرار مزيد من أحداث الطقس السيئ.

يقول "نيك جوليدج" –المتخصص في علوم الأرض بجامعة "فيكتوريا- ويلنجتون"، والباحث الرئيسي في الدراسة (النيوزيلندية)- في تصريحات لـ"للعلم": "درسنا الغطاء الجليدي في جرينلاند وأنتاركتيكا باستخدام نماذج الكمبيوتر. ووجدنا أنه على مدار القرن الحالي، فإن المسطحات الجليدية في جرينلاند وأنتاركتيكا لن تُسهِم بشكل كبير في ارتفاع مستوى سطح البحر، لكن الارتفاع الأكبر في مستوى سطح البحر سيكون من نصيب مناطق وسط المحيط الهادئ".

وتنبأت عمليات نمذجة المسطحات الجليدية أن تَحدث أسرع زيادة في مستويات ارتفاع منسوب سطح البحر في الفترة بين عامي 2065 و2075.

ويوضح "جوليدج" أن المياه الناتجة عن ذوبان الجليد ستؤدي إلى حدوث خلل في حركة التيارات البحرية للمحيطات وتغيُّر الأنماط المناخية في جميع أنحاء العالم. كما ستشهد بعض المناطق ارتفاعًا في درجة الحرارة، كما هو الحال بالنسبة لمنطقة شمال كندا وأمريكا الوسطى، في حين تنخفض الحرارة في مناطق أخرى مثل شمال غرب أوروبا، وستزداد حدة التقلبات المناخية على مدار السنوات المقبلة في بعض المناطق، ما يؤدي إلى أحداث مناخية أكثر قسوةً، على حد وصفه.

ويضيف أنه "بناءً على نتائج الدراسة التي استغرق العمل عليها قرابة عامين، فإن عمليات ذوبان الجليد في جرينلاند ستقلل الاحترار المستقبلي في شمال غرب أوروبا، لكنها ستؤدي في المقابل إلى زيادة الاحترار في سطح البحر في خليج المكسيك، ما يوفر ظروفًا أكثرَ ملاءَمةً للعواصف والأعاصير المدارية الأكثر تكرارًا وعنفًا".

وردًّا على سؤال حول أكثر الطرق فاعليةً للتخفيف من آثار تغير المناخ، يقول "جوليدج": "إن أهم هذه الطرق تتمثل في الحد من انبعاثات غازات الدفيئة، ويمكن عمل ذلك على المستوى الفردي من خلال تناوُل نظام غذائي نباتي بدلًا من تناول اللحوم ومنتجات الألبان، واستخدام الطاقة المتجددة ما أمكن ذلك، سواء في المنزل أو السيارة عن طريق الانتقال من استخدام البنزين إلى السيارة الكهربائية".