لدى غابات المانجروف قدرةٌ على تخزين كميات كبيرة من انبعاثات الكربون الضارة بالبيئة، وتساعد على حماية السواحل من التآكل، كما توفر موئلًا للأسماك والعديد من الكائنات البحرية والبرية أيضًا. باستخدام بيانات الرواسب من 10000 سنة مضت، قدَّر فريق دولي بقيادة جامعة ماكواري الأسترالية فرص بقاء غابات المانجروف على أساس السيناريوهات المستقبلية لمعدلات ارتفاع مستوى سطح البحر. في هذا السياق، حذرت دراسة حديثة من أن أشجار المانجروف التي تنمو على طول السواحل في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في 78 موقعًا في الأمريكتَين وأفريقيا وآسيا وأستراليا سيكون من الصعب أن تحافظ على نموها بصورة مستمرة؛ بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر.

وأوضحت الدراسة، التي أجراها فريق دولي من الباحثين بعدد من الجامعات، ونشرتها دورية "ساينس" (Science)، أن تدهوُر تلك الأشجار ستترتب عليه مخاطر بيئية، مثل ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الذي تمتصه هذه النوعية من الأشجار بكثافة، وتقليل عدد المخازن الحيوية المؤقتة لغازات الدفيئة.

وأظهرت النماذج الحسابية -المرتكزة على ايجاد العلاقة بين معدلات ارتفاع مستويات سطح البحر ومعدلات النمو العمودي لأشجار المانجروف من جانب، وقدرتها على تكوين جذورها العتيدة من جانب آخر- تراجُع هذه النظم البيئية الحيوية أمام استمرار الارتفاع النسبي لمستوى سطح البحر، كما أكدت النتائج الأهمية الحيوية لبقاء هذه النظم الإيكولوجية من الناحيتين البيئية والاقتصادية.

تشير الدراسة إلى أن معدل ارتفاع مستوى سطح البحر تَضاعف من 1.8 ملليمتر سنويًّا في بدايات القرن العشرين إلى 3.4 ملليمترات سنويًّا في السنوات الأخيرة، الأمر الذي كانت له آثار سلبية على غابات المانجروف التي يعود نموها إلى ما بين 7500 إلى 9800 سنة من الآن.

وتوضح الدراسة أنه من المحتمل بنسبة تتجاوز الـ90% أن تعجز تلك الأشجار عن الحفاظ على نموها المستمر في حالة بلوغ ارتفاع مستوى سطح البحر 6.1 ملليمترات، وهو أمر مرجح حدوثه على سواحل المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في غضون 30 عامًا ما لم يتم تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. الأمر سيزداد سوءًا وسط توقعات بارتفاع مستوى سطح البحر بأكثر من 10 ملليمترات سنويًّا بحلول عام 2100، ما يزيد من حجم التهديدات بالنسبة لأشجار المانجروف.

ووفق نتائج الدراسة، من المتوقع أن يتسارع معدل الارتفاع النسبي لمستوى سطح البحر في المواقع الاستوائية وشبه الاستوائية من متوسط قدره قرابة 3.4 ملليمترات سنويًّا إلى متوسط قدره قرابة 5 ملليمترات سنويًّا في حال السيناريوهات منخفضة الانبعاثات، وقرابة 10 ملليمترات في حال السيناريوهات عالية الانبعاثات، بحلول عام 2100.

نظام إيكولوجي فريد

ووفق تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التي أعلنت الـ26 من يوليو من كل عام يومًا دوليًّا لصون النظام الإيكولوجي لغابات المانجروف، تتمتع تلك الغابات بنظام إيكولوجي فريد، يُسهم في حماية السواحل؛ إذ تعمل كمنطقة عازلة تحمي الأرض من أضرار الرياح والأمواج وتحول دون تسرُّب المياه المالحة إلى المياه الجوفية، كما تحد من وطأة تغيُّر المناخ؛ إذ تحتجز نحو 75 مليار طن من الكربون، وتؤوي العديد من الحيوانات البرية والبحرية.

وتحتفظ الأراضي الساحلية الرطبة (المانجروف، والمستنقعات المَدّ جَزْرِيّة، والأعشاب البحرية) بأعلى معدلات احتجاز للكربون لكل وحدة مساحة من بين جميع الأنظمة الطبيعية.  فتلك الأراضي تتمتع بمعدل إنتاجية مرتفع وقدرة مرتفعة على الاحتفاظ بالكربون العضوي داخل الركائز الرسوبية.

وتشدد نتائج الدراسة على أنه "من المرجح جدًّا أن تتوقف أشجار المانجروف عن تحمُّل معدلات ارتفاع مستوى سطح البحر في حالة تجاوُزها حاجز الستة ملليمترات سنويًّا؛ إذ تزدهر هذه الأشجار عندما يكون ارتفاع مستوى سطح البحر أقل من 5 ملليمترات سنويًّا". وأوضحت الدراسة أن "غابات المانجروف سبق أن تأثرت سلبًا بارتفاع مستوى سطح البحر في أثناء عصر الهولوسين (بدأ منذ نحو 10 آلاف سنة قبل الميلاد؛ إذ ذابت الجليديات التي غطت قسمًا كبيرًا من نصف الكرة الشمالي)، ما أدى إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بمعدلات بلغت 12 ملليمترًا سنويًّا قبل أن تعود تلك المعدلات إلى الاستقرار قبل ستة آلاف عام".

علاقة تبادلية

وشددت دراسات سابقة على أهمية أشجار المانجروف باعتبارها "بالوعة الكربون" الأكثر أهميةً حول العالم، مشددةً على أن "تعزيز عوامل حمايتها بمنزلة إنقاذ للبيئة من مخاطر زيادة نسبة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون".

رحلة تاريخية

فحص الباحثون أشجار المانجروف التي يوجد منها حوالي 80 نوعًا، (أهمها القرم، والقندل، والجار)، والتي يعود تاريخها إلى 9800 عام؛ لاستكشاف كيفية استجابتها لارتفاع مستوى سطح البحر والتنبؤ بالكيفية التي من المتوقع أن تستجيب بها لأي ارتفاعات مستقبلًا. وجد العلماء أن هناك علاقة قوية بين النمو العمودي لغابات المانجروف وارتفاع مستويات سطح البحر، فعندما ارتفع مستوى البحر بسرعة أكبر من 6.1 ملليمترات سنويًّا، فقدت الأشجار قدرتها على البقاء.

ووفق البيان الصحفي المصاحب للدراسة، فإن "مستويات سطح البحر كانت ترتفع بمعدل حوالي 10 ملليمترات سنويًّا قبل عشرة آلاف عام، ولكن الأمور استقرت قبل 4000 عام، ما أدى إلى توسُّع غابات المانجروف. لكن تهديد هذا الاستقرار سيهدد المانجروف بحلول عام 2050؛ إذ إن 6.2% فقط من تلك الأشجار سيكون بوسعها النمو رغم المياه الزاحفة باتجاهها.

الأشجار الأكثر تضررًا

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول أكثر المناطق التي قد تتضرر فيها أشجار المانجروف خلال الثلاثين سنة القادمة، يقول نيل سانتيلان، عالِم البيئة بجامعة ماكواري بأستراليا، والمشارك في الدراسة: هناك اعتباران يتحكمان في هذه المسألة، الأول أن أشجار المانجروف التي تنمو في أماكن ذات شعاب مرجانية تكون أكثر عرضةً للخطر والضرر؛ بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر التي لا تستطيع مواكبته إلا من خلال تنمية أنظمة جذورها. وقد أثبت العمل في منطقة البحر الكاريبي أنه يمكن لتلك الأشجار مواكبة ارتفاع قدره 5 ملليمترات في السنة في مستوى سطح البحر دون أن يُهدَّد وجودها.

أما الاعتبار الثاني فهو نوع أشجار المانجروف ذاتها؛ إذ إن معظم الأشجار التي تنمو في المناطق الاستوائية هي "الجندل" (Rhizophora)، وتتمتع بقدرة أكبر على مواكبة الارتفاع السريع في مستوى سطح البحر، أما الأشجار التي تنمو في المناطق الأكثر برودةً، فهي في الغالب من أشجار القرم (Avicennia) التي تمتد جذورها من سطح المستنقعات إلى أعلى، ويمكن أن تغرق بسهولة أكبر عند ارتفاع مستوى سطح البحر، وفق "سانتيلان".

ويشدد "سانتيلان" على أنه ينبغي على الحكومات والجمعيات والمؤسسات الدولية المعنية بحماية البيئة العمل على وقف المخاطر التي تهدد أشجار المانجروف مستقبلًا، مضيفًا أنه "يمكن تجنُّب ذلك إذا توافر مخزونٌ كافٍ من الرسوبيات يتيح للأشجار الحفاظ على ارتفاع مناسب للتربة، والعمل على الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون؛ كي يبقى معدل ارتفاع سطح البحر في الحد الذي لا يهدد أشجار المانجروف، وذلك من خلال الوفاء بالتزامات اتفاقية باريس".

الخليج ومصر

وحول عدم تناول الدراسة لدول خليجية رغم كونها آسيوية، يقول "سانتيلان" لـ"للعلم": درسنا أشجار المانجروف في الهند وكمبوديا وفيتنام وتايلاند وماليزيا وسنغافورة دون دول الخليج التي وجدنا مستوى سطح المياه فيها مستقرًّا منذ 6 آلاف عام، ما وفر استقرارًا لنمو أشجار المانجروف فيها.

وبالنسبة لمصر، التي لم تتناولها الدراسة أيضًا، يؤكد "سانتيلان" أنه يتطلع إلى دراسة وضع أشجار المانجروف بها في دراسات مستقبلية.

محميات طبيعية

من جهته، يشير محمد خميس البكري -باحث دكتوراة في العلوم البيئية بجامعة جنوب الوادي، وغير المشارك في الدراسة- إلى أن أشجار المانجروف في مصر توجد في مناطق مختلفة، مثل محميات نبق ورأس محمد بجنوب سيناء، ومحمية وادي الجمال-حماطة، ومحمية جبل علبة، وأماكن متفرقة على طول ساحل البحر الأحمر، مثل جزيرتي أبو منقار وسفاجا.

ويتفق "البكري" مع ما ذهبت اليه الدراسة من المخاطر المحيطة بأشجار المانجروف بسبب التغيرات المناخية، ما يستوجب بذل مزيد من الجهد لحمايتها؛ نظرًا إلى أهميتها الشديدة للحفاظ على النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي.