ذكرت دراسة علمية أن ثعابين البحر استقرت في البيئة البحرية لأول مرة منذ 15 مليون سنة، مشيرةً إلى أن تلك الكائنات أخذت في التطور منذ ذلك الحين لتعيش في ظروف الإضاءة المختلفة عن اليابسة.

وقدمت الدراسة، التي نشرتها دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology)، اليوم "الخميس"، 28 مايو، دليلًا هو الأول من نوعه حول زمن تكيُّف تلك الأنواع مع إضاءة البحار والمحيطات، والكيفية التي طورت بها ثعابين البحر قدرتَها على الرؤية بالألوان.

وأشارت الدراسة -التي نفذها باحثون من جامعة "بليموث" البريطانية- إلى أن ثعابين البحر عدلت من جيناتها على مدى ملايين الأجيال لتتكيف مع البيئة الجديدة وتكتسب القدرة على رؤية فرائسها أو مفترساتها في أعماق البحر.

وكشفت الدراسة عن مفاجأة غير متوقعة، "الثعابين البحرية تُشارك في الواقع خصائصها التكيفية مع بعض الرئيسيات التي تأكل الفاكهة، وليس مع الثعابين الأخرى أو حتى الثدييات البحرية، ما يعني أن تلك الأنواع سارت في طريق التطور بمعزل عن الحيوانات التي تُشاركها بيئتها".

يقول "برونو سيمويس" -المؤلف الرئيسي لتلك الورقة، وأستاذ بيولوجيا الحيوان في جامعة بليموث- في تصريحات لـ"للعلم": "في عالم الحيوانات، يعرف العلماء أن الأنواع يجب أن تتكيف مع تغير البيئة من حولها، لكن ببطء شديد، ومن المدهش رؤية أن الثعابين البحرية تكيفت مع بيئتها وغيَّرت من الطريقة التي ترى بها العالم من حولها بسرعة شديدة، وعلى مدى أقل من 15 مليون سنة".

ويشير "سيمويس" إلى أن وتيرة التكيف السريعة تلك دليلٌ على البيئة الصعبة التي عاشت فيها وحفَّزتها على الإسراع من عملية التكيُّف من أجل البقاء.

في الدراسة، يقول العلماء إنه على الرغم من انحدار الثعابين من السحالي -التي تتمتع بحدة الإبصار- إلا أن لديها رؤيةً لونيةً محدودة، إذ إن أجدادها عاشت في جحور منخفضة الإضاءة، وبالتالي لم تكن تحتاج إلى رؤية الألوان.

يصل عدد أنواع الثعابين إلى حوالي 300 نوع في اليابسة، و63 نوعًا بحريًّا. وفي محاولة لتحديد الكيفية التي حدث بها هذا التنوع، عمل العلماء على تحليل أنواع مختلفة من الثعابين البحرية والأرضية، تم جمعها ميدانيًّا من آسيا وأستراليا ومقارنتها بمجموعات من حفريات الثعابين الموجودة في متاحف التاريخ الطبيعي.

في البداية، عمل الباحثون على دراسة الحساسية الطيفية لعائلة من الثعابين السامة البرية تعيش في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية حول العالم. وينحدر من تلك العائلة -المُسماة بالعرابيد- نوعٌ من أنواع الثعابين البحرية التي تعيش في المحيط الهندي والمحيط الهادي.

قام الباحثون بتحليل الجينات القادرة على إنتاج الأصباغ البصرية، المسؤولة عن إكساب الثعابين حساسيةً للضوء فوق البنفسجي والضوء المرئي. كما درسوا أيضًا مستقبِلات الضوء في شبكيات عيون تلك الثعابين وعدساتها.

وأظهرت النتائج أن ثعابين البحر قد تعرَّضت للتنويع التكيُّفي السريع لأصباغها البصرية عند مقارنتها بأقاربها البرمائية والبرمائية. ففي أحد الأمثلة المحددة، قامت سلالة معينة من ثعبان البحر بتوسيع حساسيتها للأشعة فوق البنفسجية الزرقاء.

تتغذى الثعابين البحرية على كائنات تعيش في قاع البحر على أعماق تتجاوز 80 مترًا، ولكن يجب أن تسبح على السطح للتنفس مرةً واحدةً على الأقل كل بضع ساعات. هذه الحساسية الموسعة للأشعة فوق البنفسجية والزرقاء تساعد الثعابين على الرؤية في ظروف الإضاءة المتغيرة وفقًا لعمق مياه المحيط.

ووجد الباحثون أيضًا أن ثعابين البحر استخدمت طفرةً كان العلماء يظنون أنها موجودة حصرًا عند بعض أنواع الرئيسيات التي تأكل الفاكهة. تملك تلك الأنواع أزواجًا من الكروموسومات تنتج نسختين مختلفتين قليلًا من الجينات المسؤولة عن إنتاج الأصباغ البصرية ذات الخصائص الطيفية المختلفة، وهو الأمر الذي يُعزِّز من رؤية الألوان.

وتشير الدراسة إلى أن بعض ثعابين البحر استخدمت الآلية نفسها لتوسيع نطاق قدرتها على رؤية الأشعة فوق البنفسجية في أعماق البحار والمحيطات.

يقول "سيمويس": "إن التغيُّرات في البيئة خلال التاريخ التطوري للحيوانات لها تأثيرٌ عميقٌ على تطور عيونها، ويبرز ذلك التأثير بشدة في تلك الدراسة، ومن المحتمل أن يكون سلف جميع الثعابين قد عاش في بيئة منخفضة الإضاءة وفقد بعضًا من أبعاد الرؤية اللونية خلال مراحل التطور، إلا أن ثعابين البحر عوضت ذلك الفقد في الرؤية عبر نضال استمر 15 مليون عام".

ويضيف أن "العمل على تلك الدراسة استمر 5 أعوام كاملة، وتُعد ثعابين البحر حالةً رائعةً من حالات التطور البصري بين الكائنات".