تغطي الأعشاب البحرية المناطق الساحلية الضحلة للبحار في المناطق المعتدلة والاستوائية بمختلِف أنحاء العالم، لتشكل نظامًا بيئيًّا فريدًا، يوفر للسواحل الحماية من أخطار التآكل، كما يوفر موطنًا للعديد من الكائنات، ومن ضمنها الأنواع المهددة بالانقراض، مثل السلاحف البحرية وفرس البحر وكثير من الأسماك.

ورغم أن الأعشاب البحرية تؤدي دورًا كبيرًا في الحد من تداعيات التغيرات المناخية، عن طريق عزل ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي سنويًّا وتخزينها، إلا أنها في الوقت نفسه تمثل أحد مصادر الانبعاثات الحرارية، حتى بعد عشرات السنين من موتها.

وخلصت دراسة أجراها فريق من الباحثين في معهد ماكس بلانك لعلوم الأحياء البحرية الدقيقة، إلى أن مستعمرات الأعشاب البحرية تنبعث منها أيضًا أنواع من غازات الدفيئة، خاصةً غاز الميثان، الذي يكون تأثيره على مناخ الأرض أقوى بكثير من تأثير ثاني أكسيد الكربون.

عملت سينا شورن، باحثة الأحياء البحرية والمؤلفة الرئيسية للدراسة، وعدد من زملائها، على دراسة كيفية إنتاج غاز الميثان في مروج الأعشاب البحرية، التي تشكل طبقة سميكة من الرواسب تطلق كمياتٍ كبيرةً من الميثان، نتيجة تحلُّل المواد العضوية.

تقول "شورن" في تصريحات لـ"للعلم": كنا نتوقع أن تكون آليات إنتاج الميثان في مروج الأعشاب البحرية متشابهةً مع الرواسب التي تتكون أسفل مستعمرات نباتية أخرى، إلا أننا فوجئنا بأن الأمر مختلف تمامًا؛ ففي رواسب الأعشاب البحرية، يتكون الميثان من فئة واحدة فقط من المركبات العضوية يتم إنتاجها بواسطة النبات نفسه؛ إذ تقوم بعض الكائنات الحية الدقيقة بتحويل هذه المركبات العضوية إلى ميثان.

وتشير مؤلفة الدراسة إلى أنه من بين هذه المركبات ما يُعرف باسم "البيتائين"، الذي يساعد الأعشاب البحرية على التكيُّف مع التغيرات في ملوحة مياه البحر، الأمر الذي يجعل آلية إنتاج الميثان في مروج الأعشاب البحرية عالية الكفاءة، وتتميز بقدرتها على التكيُّف مع الضغوط البيئية.

وتتابع: الأمر الآخر في اختلاف الأعشاب البحرية عن النباتات الأرضية، يتمثل في أن إطلاق غاز الميثان عبر المياه إلى أعلى السطح يكون سريعًا جدًّا، كما أن مياه البحر التي تتدفق عبر الرمال التي تنمو عليها الأعشاب البحرية، تعمل على تحرير الميثان سريعًا من الرواسب في قاع البحر، ليصعد سريعًا على سطح المياه.

ونظرًا إلى أن مروج الأعشاب البحرية تنمو غالبًا في المياه الضحلة، فإن الكثير من أنواع الكائنات البحرية الدقيقة الأخرى، التي تعيش في أعالي البحار، لا تتوافر لها فرصة لاستهلاك الميثان، الذي ينتهي به المطاف إلى الانبعاث في الغلاف الجوي.

من جهتها، تؤكد جانا ميلوكا -رئيس مجموعة أبحاث غازات الاحتباس الحراري، وكبيرة مؤلفي الدراسة- أن المفاجأة الأكبر التي كشفت عنها الدراسة تتمثل في استمرار انطلاق الميثان من مروج الأعشاب البحرية التي مر أكثر من عقدين على موتها.

تقول "ميلوكا" في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: كان جزء من الدراسة يتعلق بتقييم مدى قدرة الأعشاب البحرية الميتة على إطلاق غاز الميثان، وكانت هناك مفاجأة أخرى في انتظارنا؛ إذ فوجئ الفريق البحثي بأن معدلات إنتاج الميثان كانت مماثلةً لتلك الموجودة في مروج الأعشاب البحرية السليمة، مما يشير إلى أن غاز الميثان كان لا يزال يتشكل في رواسب الأعشاب البحرية الميتة.

وتعتقد "ميلوكا" أن السبب وراء استمرار الأعشاب الميتة في إطلاق الميثان يرجع إلى أن "المركبات العضوية المسؤولة عن إنتاج الغاز تستمر في أنسجة النبات لفترة طويلة جدًّا، ويمكن اكتشافها في الأنسجة النباتية التي ماتت قبل أكثر من عقدين".

وتكمن أهمية الدراسة في أنها تسلط الضوء على أهمية الحفاظ على النظم البيئية للأعشاب البحرية، لما لها من تأثير كبير على مناخ الأرض، ونظرًا إلى أن مروج الأعشاب البحرية موائل قريبة من الشاطئ، فإنها تكون سريعة التأثر بأي تغييرات بشرية.

تقول "شورن": إن حركة القوارب والسفن في المياه الساحلية من ضمن الأنشطة البشرية التي قد تؤدي إلى إلحاق الضرر بالأعشاب البحرية، كما يمكن أن تتسبب حركة القوارب والسفن في المياه الساحلية في زيادة تعكُّر المياه التي تنمو بها، مما يضعف نشاطها في التمثيل الضوئي، وبالتالي قد تمنع نموها.