"كيف بدأ هذا الكون الذي نعيش فيه؟"، يُعد هذا السؤال من أهم الأسئلة الأبدية والتاريخية التي سألها الإنسان لنفسه، حين أدرك الكون من حوله، هو فضول الإنسان للبحث عن أصل كل شيء، فالإنسان المصري، على سبيل المثال، يدرك أصله من والديه ويعلم أنهما ينتسبان إلى أجداده، كذا وكذا، ويظل يرجع بالزمن حتى أجداده الفراعنة، وهكذا يرجع إلى الوراء، إلى أن يصل إلى الإنسان البدائي (الأول)، وهو بطبيعته يسأل نفسه السؤال ذاته حول أصل الأشياء، كالقمر والشمس والنجوم والنباتات وغيرها من الأشياء من حوله، إلى أن يصل إلى سؤال الشمولية: ما هو أصل وبداية كل شيء؟

مَن يجيب عن هذا السؤال؟

يعتبر الفريق البحثي التعاوني "بايسيب كيك" BICEP / Keck ollaboration فريقًا رائدًا في المجتمع العلمي الفيزيائي في البحث عن إجابة هذا السؤال، وذلك من خلال محاولاته قياس "موجات الجاذبية التضخمية" المتوقع تولدها لحظة انفجار الكون البدائي الذي كان حجمه آنذاك أصغر كثيرًا جدًّا من حجم الذرَّة.

يستطيع هذا الفريق وضع الاحتمالات الدقيقة حول الخواص الفيزيائية لهذه الموجات من خلال البيانات المرصودة من تجربتنا العلمية بالقطب الجنوبي، ومن جانبي أتشرف بأن أكون عضوًا من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا- كالتك ووكالة الفضاء والطيران الأمريكية (ناسا) ضمن هذا الفريق التعاوني.

قدم فريقنا مؤخرًا تقريرًا علميًّا[1] عن أحدث قياسات موجات الجاذبية نشر في دورية "فيزيكز ريفيو ليتر" الشهيرة في أكتوبر 2021، وتُعد هذه الدورية هي الأولى عالميًّا في مجال الفيزياء وفق تصويت جوجل سكولار، كما أنها تُعد أكثر المجلات التي نشر فيها علماء حاصلون على جائزة نوبل في الفيزياء خلال السنوات الماضية.

الفريق العلمي المشارك فى التجربة من أمام أحد قاعات الاجتماعات بجامعة هارفارد. credit: Harvard University

تأتي هذه المقالة العلمية المنشورة تتويجًا لسنوات من العمل العلمي الشاق في واحدة من أبعد الأماكن على كوكب الأرض وأشدها قسوةً من حيث ظروف الحياة والمعيشة، القطب الجنوبي، لم تقدم المقالة دليلًا أكيدًا على رصد موجات الجاذبية بعد، ولكن تضمنت خواصَّ فيزيائية دقيقة مقيسة لهذه الموجات، وأهمها طاقة موجات الجاذبية وخواصها وحدودها الفيزيائية.

 تكمن أهمية هذه القياسات في تقليل السيناريوهات النظرية الشائعة جدًّا، التي وضعها علماء الفيزياء النظريون في السابق، وإثبات صحة القليل منها والاقتصار عليها في وصف كيفية حدوث الانفجار الكوني والخواص المتوقعة لهذه الموجات، لقد لاقى هذا التقرير صدى وانتشارًا واسعًا بين المجتمع الأمريكي الفيزيائي العلمي[2] .

يتناول تقريرنا العلمي أيضًا الحواجز التي تمنع رؤية بصمة هذه الموجات بوضوح، وهي الإشارات المجارية الفلكية، والتي نحتاج إلى التخلص منها أولًا عن طريق قياسها بدقة مطلوبة لإمكانية فصلها عن تلك الموجات الجاذبية، وهو ما نفعله الآن من خلال تجربتنا الجديدة عالية الكفاءة BICEP Array بالقطب الجنوبي[3]

نشأة الكون وبداية الزمن

بدأ كل شيء، ما ندركه وما لا ندركه، بنقطة كثيفة متناهية الصغر شديدة الحرارة والكثافة، وفي غضون جزء صغير جدًّا جدًّا من الثانية حدث لها تضخم "Inflation" كنفخة عظيمة وانفجار بسرعة لا يمكن تصورها، لتصبح أكبر من حجمها الحقيقي بمليارات المرات، يبدأ الكون بعدها في التمدد وتقل درجة حرارته خلال مليارات السنين، مر خلالها بكثير من المراحل إلى أن أصبح بيئةً مليئةً بالمجرات والنجوم والكواكب والبشر والطاقة المظلمة وغيرها.

هذا هو مضمون "نظرية الانفجار العظيم"، التي تفسر نشأة الكون ومراحلها المختلفة، لقد أصبحت هذه النظرية هي الأكثر شيوعًا بين علماء الفيزياء والأقرب إلى الحقيقة، خاصةً بعدما تم رصد الخلفية الإشعاعية للكون، بالصدفة عام 1964 بواسطة عالمَي الفلك روبرت ويلسون وآرنو بينزياس، في معملهما بولاية نيوجيرسي الأمريكية، ولقد حصل هذان العالِمان على جائزة نوبل في الفيزياء في عام 1978 عن اكتشافهما لهذه الإشارة الكونية التي يبلغ عمرها حوالي 13.8 مليار سنة.

نظرية الانفجار العظيم ونظرية التضخم الكونى ...  ملخص عمر الكون  من بداية الزمن  (الوقت = صفر) إلي الآن (13.8 مليار سنة) وتولد موجات الخلفية الإشعاعية للكون وموجات الجاذبية البدائية.

هل تعلم أنه يمكننا سماع هذه الإشارة لأنها تُسهم بشكل ما -وإن كان صغيرًا- في الضوضاء "ششش" التي كنا نسمعها يومًا ما ونحن نقلب في قنوات جهاز تليفزيون قديم، نعم إنها حولنا في كل مكان!

توقعت نظرية الانفجار العظيم تولُّد موجات الخلفية الإشعاعية للكون في مراحل الكون المبكرة، ولقد سمح لها الكون بالمرور منذ مليارات السنين إلى الآن، حتى أصبح من الممكن رصدها اليوم من خلال مراصدنا.

بالرغم من أن رصد هذه الإشارة الكونية المكتشفة من قِبل "ويلسون" و"بينزياس" يُعد إثباتًا عمليًّا واضحًا على صحة نظرية الانفجار العظيم، إلا أنه بقيت هناك بعض الألغاز المحيرة لعلماء الفيزياء لم يجدوا لها تفسيرًا واضحًا، وهنا ظهرت نظرية التضخم الكوني "inflation theory" التي تفسر كثيرًا من هذه الظواهر الفيزيائية للكون عندما كان عمره جزءًا صغيرًا جدًّا جدًّا من الثانية.

توقعت نظرية التضخم الكوني إمكانية تولُّد تموجات كونية تسمى "موجات الجاذبية البدائية أو التضخمية" أدت إلى انحناء نسيج الزمان والمكان، وكان من المفترض أن تترك هذه التموجات بصمة ذات طبيعة فيزيائية خاصة مطبوعة على الخلفية الإشعاعية للكون.

تعتبر هذه الموجات لغزًا كبيرًا في علم الفيزياء، إذ ألهمت أجيالًا من علماء الكونيات لتأليف الكتب وإنفاق ملايين الدولارات لبناء تجارب لقياسها وكتابة المقالات ووضع النظريات العلمية حول الطرق المتنوعة والسيناريوهات التي كان يمكن أن يؤدي بها هذا الانفجار البدائي، مع استنباط الخواص المتوقعة لهذه الموجات.

ويُعتبر رصد هذه الموجات على الأرض ومن الفضاء أيضًا من التحديات الكبيرة جدًّا لكثير من الفرق البحثية حول العالم، ومن المفترض أن تمنحنا حال اكتشافها وتحليلها دليلًا واضحًا على نظرية التضخم الكوني، التي ستؤدي دورًا مهمًّا في تفسير الأجزاء المفقودة في نظرية الانفجار العظيم لنشأة الكون.

كما سيوفر رصد موجات الجاذبية معلوماتٍ كثيرةً عن لحظة وقوع هذا الانفجار، ومحاولة فهم الحاضر وظواهره من خلال فهم البدايات وكيف تكونت العناصر الأساسية البدائية التي تدخل في تكوين كل شيء حولنا، كما ستساعدنا على التنبؤ بمستقبل الكون، وما إذا كانت هناك أكوان متوازية ولا نعلم عنها شيئًا، فمن المتوقع أن يفتح قياس هذه الموجات أبوابًا جديدةً في علوم الفيزياء.

 ولكن رصد هذه الموجات يحتاج إلى تصميم تجربة عالية الكفاءة وذات دقة وحساسية عالية لرصد تلك الموجات، وذلك عن طريق تبريد الكواشف الإلكترونية المتعددة المستخدمة للرصد إلى درجة حرارة قليلة جدًّا تصل إلى 300 ميلي كلفن، هذا النظام التبريدي المتكامل يساعد هذه الكواشف لتكون قليلة التشويش وفائقة التوصيل والقدرة على الرصد لهذه الموجات الجاذبية التضخمية التي تنبأت بها نظرية التضخم، أيضًا كلما زاد عددها زادت قدرتها على تجميع هذه الإشارة ورصدها.

موجات الجاذبية المرصودة من "الليجو"

كما قلت، رصد موجات الجاذبية عمومًا تحدٍّ كبيرٌ جدًّا، وأكبر مثال على ذلك، فريق الليجو LIGO الذي استطاع رصد موجات الجاذبية عن تحرك ثقبين أسودين في الكون عام 2016، وتختلف هذه الموجات تمامًا عن موجات الجاذبية البدائية التي تكلمنا عنها في البداية، والتي تولدت لحظة الانفجار العظيم للكون عندما كان عمره جزءًا صغيرًا جدًّا جدًّا من الثانية.

حصل فريق الليجو بقيادة العالمَين كيب ثورن وباري باريش، من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا- كالتك والعالِم رينير ويس من معهد ماساتشوتس للتكنولوجيا على جائزة نوبل سنة 2017 بعد تصميم فكرة هذه التجربة العظيمة في سبعينيات القرن الماضي وتطوير التكنولوجيا المستخدمة عبر عشرات السنين لتصل إلى دقة رصد هذه الموجات.

حكى لي كيب ثورن، خلال حديث جرى بيننا في مكتبه بجامعة كالتك، وهو مجاور لمكتبي في المكان ذاته، عن العواقب الكثيرة التي واجهوها لرصد تلك الموجات، والتي استغرقت أكثر من ربع قرن من الزمان، شعر خلالها باليأس الكبير من احتمال بحثه عن سراب، ولكنه نجح في النهاية وأثبت بالدليل العملي توقعات آلبرت أينشتاين على وجودها، إذ تنبأ بأن الأجسام فائقة الكتلة الموجودة في الفضاء يمكنها أن تتسبب في انحناء الفضاء، أو بمعنى آخر تموجات في الزمان والمكان، وهذا ما تحقق برصد موجات الجاذبية من جانب فريق الليجو.


سليمان مع العالم كيب ثورن، بمكتبه بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا بكالتك عام 2016 قبل حصول ثورن على جائزة نوبل للفيزياء فى 2017.  Credit: Ahmed Soliman

 الرصد من القطب الجنوبي

في عام 2005، صنفت المؤسسة الوطنية للعلوم الأمريكية ووكالة (ناسا) علم دراسة الخلفية الإشعاعية للكون والبحث عن موجات الجاذبية البدائية باعتباره أحد العلوم المهمة في علم الفيزياء عمومًا، وللولايات المتحدة الأمريكية على وجه خاص.

لقد أنفقت المؤسسة على هذه التجارب ملايين الدولارات الأمريكية، من خلال مرصدها في القطب الجنوبي[4]، والذي شارك في بنائه هذا الفريق البحثي التعاوني "بايسيب كيك"، وهو فريق متكامل يتكون من أكثر من 60 عالمًا ودكتورًا وباحثًا وطالبًا من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا - كالتك ومختبر الدفع الصاروخي بوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) وجامعة هارفارد وجامعة مينيسوتا وجامعة ستانفورد.

ويعتبر القطب الجنوبي (أنتارتيكا) هو أفضل مكان مناسب تتوافر فيه القياسات الدقيقة لهذه الموجات الجاذبية الناتجة من الانفجار الكوني، حيث طبيعة بيئته، من درجة البرودة التي تصل إلى 80 سيليزيوس تحت الصفر في فصل الشتاء، وجفاف المنطقة وارتفاعها عن سطح البحر بحوالي 10 آلاف قدم، ما يقلل من نسبة امتصاص الغلاف الجوي لهذه التموجات التي نحاول رصدها.

بالإضافة إلى ضعف إشارة موجات الجاذبية، هناك تحديات كثيرة تصعِّب علينا مهمة رصد هذه الموجات كما ذكرنا في بحثنا المنشور هذا الشهر، ومنها أنها ليست الموجات الوحيدة في هذه الكون، فهناك إشعاعات مجارية أخرى ناتجة من مجرة درب التبانة تشوش بدورها على موجات الجاذبية وتصعِّب الفرصة على العلماء في رصدها بسهولة، أهمها إشارات الغبار المجري والانبعاث السنكتروني (إشعاعات متولدة نتيجة تسارع الجسيمات المشحونة مثل الإلكترونات حول خطوط المجال المغناطيسي للمجرة)، وهناك أيضًا عدسة الجاذبية gravitational lensing التي تشوش وتحجب رؤيتنا لموجات الجاذبية الأصلية، وهي عبارة عن موجات سافرت من بداية الكون المبكر، ولكن تغيرت خواصها الفيزيائية وتشوهت نتيجة ما صادفته من أجسام ضخمة ومجرات وغيرها، في أثناء انتقالها كل هذا الزمن وكل هذه المسافة إلى أن نراها اليوم.

ويجري التخلص من موجات عدسة الجاذبية باستخدام تطوير التقنيات اللازمة في معالجة البيانات العلمية، وهو ما فعلناه من خلال مقالتنا المنشورة هذا العام في دورية "فيزيكس ريفيو دي" الشهيرة، كما يجري التخلص من الإشارات المجارية من خلال بناء أكثر من مرصد عند أكثر من تردد للموجة الكهرومغناطيسية (عدد المرّات التي تتكرّر فيها الموجة في فترة زمنية محددة)، إذ تختلف طاقة الموجات المجارية باختلاف تردد الموجة، وبذلك يمكن تحديد طاقتها عند كل تردد وفصلها عن موجات الجاذبية التضخمية.

تجربة بايسيب أراي من القطب الجنوبى Credit: Ahmed Soliman

تعتبر تجربتنا العلمية تليسكوب بايسيب أراي [5]BICEP Array هي التجربة الحالية عالية الكفاءة لرصد الخلفية الإشعاعية للكون، وبصمة موجات الجاذبية المتوقعة، وهي عبارة عن أربعة مراصد وتليسكوبات تعمل عند أربعة ترددات مختلفة.[6]

صممت هذه التجربة بكواشف عالية الكفاءة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)، وصنعت في مختبر الدفع الصاروخي بوكالة ناسا، وقد جرى تطوير الأجزاء الأخرى من التجربة بجامعات أخرى ضمن الفريق التعاوني، وتم تصميم كل الأجزاء الهندسية للتجربة وتطويرها بكفاءة عالية حتى تمكننا من رصد موجات الجاذبية الناتجة عن التضخم الكوني قريبًا.

ففي عام 2019 تم تشغيل المرصد الأول من هذه التجربة عن تردد 30/40 GHz لتمكننا من معرفة حجم الإشارة الكونية الـ “synchrotron” وبالتالي يمكن فصلها عن موجات الجاذبية، ومن المتوقع بناء المرصد الثاني بالقطب الجنوبي عند تردد 150 GHz العام القادم، ويليها المرصد الثالث والرابع عن ترددات 90GHz/220GHz ما سوف يمكننا أيضًا من رصد الإشارة المجارية الغبارية، وبذلك فمن المتوقع أن تصل قريبًا كفاءة التجربة ودقتها في رصد موجات الجاذبية تلك وخواصها المشار إليها علميًّا بـ "σ(r)" بدقة تصل ما بين 0.002 إلى 0.004، وهذه تعتبر دقة كافية لرصد موجات الجاذبية التضخمية.

هي محاولات مستمرة خلال سنوات طويلة تنشر نتائجها المرصودة من القطب الجنوبي في أفضل المجلات العلمية في الفيزياء، تقربنا خطوات كبيرة إلى دقة الرصد، وتمدنا بمعلومات كثيرة عن سيناريوهات الانفجار العظيم وخواصه الفيزيائية، ويتم خلالها أيضًا تطوير تكنولوجيات عالية الدقة في التجربة من قِبل فريق علمي يعمل في أفضل الجامعات الأمريكية ووكالة ناسا، بداية من التصميم الهندسي الدقيق لكل أجزاء التجربة واختباراتها الهندسية وتطويرها من خلال تجربتنا الجديدة "تليسكوب بايسيب أراي" نهايةً إلى تحليل النواتج العلمية المرصودة من القطب الجنوبي للوصول إلى الدقة المطلوبة لرصد هذه الموجات المهمة في مجال الفيزياء، والتي تمكننا من معرفة أصل كل شيء... أصل ونشأة الكون، وبداية الزمن، والمتوقع أن يكون ذلك قريبًا إن شاء الله.

جزء من الفريق العلمي المشارك فى اختبارات المرصد الأول، بما فيها الكواشف الإلكترونية من داخل المعمل المصمم بدرجة حرارة مناسبة فى القطب الجنوبي Credit:  BICEP/Keck Collaboration

[1]. P. A. R. Ade et al. (BICEP/Keck Collaboration), “Improved constraints on primordial gravitational waves using Planck, WMAP, and BICEP/Keck observations through the 2018 observing season,” Phys. Rev. Lett. 127, 151301, 2021.

2. “Squeezing down the Theory Space for Cosmic Inflation”, APS Physics, Oct., 2021.

3. “Searching for the imprint of cosmic inflation”, Nature Astronomy, Dec., 2020.