بعد مرور قرابة أربعة أشهر منذ الإبلاغ عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد (nCoV-19) بمدينة ووهان الصينية، لا يزال العالم في صدمة من الجائحة التي أصابت ما يزيد على 3 ملايين ونصف مليون إنسان، وتسببت في وفاة ما يزيد على ربع مليون شخص حول العالم –وفق ما جاء على موقع جامعة جونز هوبكينز الأمريكية- وكان نصيب منطقة الشرق الأوسط ما يزيد على 8800 وفاة. ومن الصادم أن نصف حالات الوفيات تلك حدثت خلال آخر 16 يومًا فقط ، وفقًا للأرقام المعلنة في 25 أبريل الماضي.

وبعد مرور ما يقرب من شهر ونصف من إعلان منظمة الصحة العالمية "فيروس كورونا المستجد جائحة عالمية"، فرضت العديد من الدول حظرًا كاملًا على شعوبها للحفاظ على إجراءات التباعد الاجتماعي باعتبارها خطوةً أساسيةً لتقليل انتشار الفيروس، وتخفيف العبء على قطاع الرعاية الصحية. ولكن يبقى السؤال الذي يتعطش الجميع لسماع إجابته، متى ستعود الحياة إلى طبيعتها؟

هذا ما حاول ستيفن كيسلر -باحث ما بعد الدكتوراة في علم المناعة والأمراض المُعدية بكلية هارفارد للصحة العامة- وزملاؤه الإجابة عنه من خلال بناء نموذج محاكاة يتوقع سلوك الفيروس على مدى عدة سنوات قادمة؛ إذ نشروه ضمن وقائع دراسة حديثة في دورية ساينس Science، أبريل الماضي. أظهرت النتائج أن إجمالي أعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد حتى عام 2025 سيعتمد اعتمادًا حاسمًا على مدى تطور المناعة البشرية. وافترضت المحاكاة الحاسوبية لفريق هارفارد أن كوفيد-19 سيصبح موسميًّا، مثل الفيروسات التاجية ذات الصلة التي تسبب نزلات البرد الشائعة، مع معدلات انتقال أعلى في الأشهر الباردة. يأتي ذلك في الوقت الذي لا يزال فيه باحثو الدراسة غير ملمين بالكثير من المعلومات عن الفيروس، بما في ذلك مستوى المناعة المكتسبة من الإصابة بالعدوى سابقًا. وتشدد نتائج الدراسة على أن هناك شيئًا واحدًا مؤكدًا تقريبًا: هو أن "الفيروس جاء ليبقى"، فمن المستبعد تمامًا أن تتكون لدى البشرية مناعة قوية تستمر مدةً كافية بحيث يموت كوفيد-19 بعد الموجة الأولى، كما كان الحال مع فيروس سارس في 2002-2003.

أعباء اقتصادية واجتماعية

يقترح مؤلفو الدراسة أنه على الرغم من أن التباعد الاجتماعي لمرة واحدة قد يحد من الحالات الحرجة ويخفف العبء عن قطاع الرعاية الصحية، فإن العدوى ستعاود الظهور مجددًا بمجرد رفع هذه التدابير. وفي حال عدم التوصل إلى علاجات جديدة أو لقاح فعال، أو اتباع تدخلات أخرى، مثل التتبُّع الدقيق للأشخاص الذين كانوا على تواصل مع المصابين، وإجراء التحاليل اللازمة لهم، وتطبيق إجراءات الحجر الصحي عند اللزوم، قد يلزم الحفاظ على إجراءات التباعد الاجتماعي، وإن بشكل متقطع حتى عام 2022، الأمر الذي سيشكل عبئًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا كبيرًا. وستكون هناك حاجة إلى اختبارات فيروسية واسعة المدى لتحديد متى يلزم فرض إجراءات التباعد الاجتماعي من جديد.

يقول مارك ليبسيتش، مؤلف مشارك: "السماح بفترات انتقال تصل إلى معدل انتشار أعلى مما هو محتمل، يعني تسريع عملية اكتساب مناعة القطيع". وعلى العكس من ذلك، فترات التباعد الاجتماعي لمدد زمنية طويلة دون راحة تُعد شيئًا سيئًا. تكشف نتائج الدراسة أنه في أحد السيناريوهات "كان التباعد الاجتماعي فعالًا لدرجة أنه لم يتم بناء مناعة من أي نوع لدى السكان تقريبًا"، ومن هنا جاءت الحاجة إلى نهج متقطع.

وقامت العديد من الدول بالكثير من التدخلات لمحاولة التحكم في انتشار الفيروس، جاء في مقدمتها إجراء معدلات كبيرة من اختبارات الكشف عن الفيروس، والتعامل مع الحالات المصابة في الوقت المناسب. في حين تبنَّت دول أخرى إجراءات مثل إغلاق المدارس والجامعات وأماكن العمل والحد من التجمعات. فالهدف الأساسي من وراء هذه الإستراتيجيات هو الحد من ذروة انتشار الفيروس، عبر الحفاظ على مستوى ثابت أو مستقر من الإصابات، أو إحداث تراجُع -ولو بسيط- في أعدادها، وهو ما يطلق عليه العلماء "تسطيح منحنى انتشار الوباء".

يوضح إسلام عنان -المدير التنفيذي لشركة أكسايت Accsight للأبحاث في مجال الرعاية الصحية، ومحاضر اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة- أن سيناريوهات التباعد الاجتماعي لموجة الوباء الحالية هي الأداة الوحيدة التي لدينا الآن لمكافحة انتشار الفيروس، ويستطرد قائلًا: "يجب تنفيذها أولًا بموجب القانون من خلال حظر التجوال، ثم عبر حملة قوية للتوعية بها وبأهميتها".

إلا أن "عنان" يستبعد أن تتبنى الدول التباعد الاجتماعي المستمر حتى عام 2022. ويرى أنه في حالة حدوث ذلك، "فهذا يعني زيادة الميزانية المخصصة للرعاية الصحية التي تُعد منخفضة بالفعل، إذ يمثل الإنفاق الحكومي على الصحة 2-5٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من البلدان النامية". ويضيف: "عبء آخر سيحتاج إلى ميزانية ضخمة، هو تطبيق أدوات جديدة للمساعدة في التباعد الاجتماعي، خاصةً في المدارس، ووسائل النقل العام".

ماذا يحدث بعد انتهاء الجائحة؟

ولبناء نموذج كيفية انتقال فيروس كورونا المستجد خلال السنوات الخمس المقبلة، استخدم "كيسلر" وزملاؤه البيانات المتاحة في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تتعلق بالإصابة الموسمية بفيروسات تاجية مشابهة ومستويات المناعة التي يُظهرها الجسم البشري ضدها، وهو ما يطلق عليه المناعة المتقاطعة (Cross Immunity)، وهي نوع من المناعة ينشأ عند إصابة شخص بفيروسات مشابهة لفيروس معين، مما يؤدي إلى تكوين أجسام مضادة لها، وعليه يكتسب هذا الشخص مناعة جزئية عند ظهور فيروس جديد له صفات مشابهة لصفات الفيروسات السابقة.

وضع باحثو الدراسة خمسة سيناريوهات حول تأثير تطبيق التباعد الاجتماعي لمرة واحدة على انتشار الفيروس، مع أخذ العديد من المتغيرات في الاعتبار، مثل ما إذا كان الفيروس موسميًّا أم لا، ومدى قدرة نظام الرعاية الصحية على التعامل مع الحالات الحرجة، وتكوين مناعة القطيع ومتى سيتم تحقيقها. كما افترضوا أن كل شخص سوف يصيب 2.2 شخص بالفيروس، وهو ما يطلق عليه العلماء (R0=2.2). جرى وضع السيناريوهات لمدد متفاوتة، وهي: أربعة أسابيع، وثمانية، واثنا عشر، وعشرون أسبوعًا، والأخير هو تطبيق التباعد الاجتماعي لوقت غير محدود.

ومناعة القطيع هي المناعة التي تتكون لدى عدد كبير من الأشخاص في مجتمعٍ ما ضد عدوى معينة، مما يحد من انتشارها، وتتكون من خلال الإصابة السابقة بالمرض، أو من خلال إيجاد لقاح ضده، وتحصين أكبر قدر من الأشخاص به.

وجدت الدراسة أنه عندما لم يكن انتقال المرض خاضعًا للعوامل الموسمية، خفَّضت تدابير التباعد الاجتماعي لمرة واحدة حجم انتشار الوباء. كما أظهرت جميع السيناريوهات عودة العدوى عند رفع تدابير التباعد الاجتماعي. وعليه تذهب نتائج الدراسة إلى أنه في حالة ثبوت العدوى الموسمية للمرض، فسنحتاج إلى تطبيق التباعد الاجتماعي لكل موجة جديدة من هجوم الفيروس، كما أننا بحاجة إلى مضاعفة قدرتنا فيما يتعلق بالعناية بالحالات الحرجة داخل أنظمة الرعاية الصحية، لتكون جاهزةً للموجات المستقبلية. وأشارت الدراسة إلى أن تَكَوُّن مناعة القطيع إحدى الركائز الرئيسية التي يمكنها القضاء على الوباء، ولكن قد يعود انتشار الفيروس خلال 4 إلى 5 سنوات في موجة جديدة. أما إذا وُجدت المناعة المتقاطعة مع الفيروسات التاجية الأخرى المشابهة، فستؤدي هى الأخرى إلى حدوث مناعة القطيع، وبالتالي القضاء على الوباء، وظهور موجات أقل في المستقبل.

واتسق نموذج الدراسة مع نماذج أخرى لكيفية انتقال فيروس كورونا المستجد. فقد وَجَدَ نموذج آخر كان قد استخدم بيانات من دولة السويد أنه من المرجح الانتقال الموسمي لفيروس كورونا المستجد في فترة ما بعد الوباء. كما وجدت دراسات من كلٍّ من جامعة لندن الملكية وكلية الصحة العامة بجامعة هارفارد الأمريكية أن التنفيذ المبكر للتباعد الاجتماعي الصارم أمرٌ ضروري للسيطرة على انتشار الفيروس، وأنه في حالة عدم تطوير علاجات جديدة أو تدابير وقائية، قد يكون التباعد الاجتماعي المتقطع هو الطريقة الوحيدة لتجنُّب العبء الطاغي على الرعاية الحرجة في أثناء بناء مناعة القطيع.

بيانات غير كافية

"يضع نقص البيانات والمعلومات نتائج الدراسة محل شك، إذ تختص البيانات المستخدمة بالمناطق المعتدلة فقط دون الاستوائية، والتي يمثل سكانها 60% فقط من سكان العالم، كما افترضت الدراسة عدم اكتشاف لقاح مضاد للفيروس، ولكننا نتوقع لقاحًا في غضون 12-14 شهرًا من الآن"، يوضح "عنان" الذى يقول إن النموذج افترض إغلاق المدارس والجامعات طوال مدة الدراسة. ويضيف "عنان" أنه لا توجد بيانات كافية عن موسمية الفيروس، إذ لا تتوافر إلا بيانات لخمس سنوات فقط للإصابة بفيروسات تاجية مشابهة، إلى جانب عدم وجود بيانات كافية عن حد مناعة القطيع أو المناعة المتقاطعة.

ويرى أن تطوير لقاح ضد الفيروس سوف يغير جميع الأنماط المذكورة في الدراسة، "ولكن الأمل في إنتاج لقاح يمكنه القضاء على الفيروس بنسبة 100٪ أمرٌ غير محتمل، ويمكننا أن نرى ذلك في لقاح الإنفلونزا الذي يقلل فقط من احتمالية الإصابة بالإنفلونزا وليس القضاء عليها.

المستقبل وبارقة أمل

في أفضل السيناريوهات، كما يراه "كيسلر"، سنكون قادرين على إبقاء العدوى عند الحد الأدنى حتى يتوافر اللقاح، ومن ثم سيعطينا اللقاح بقية المناعة اللازمة لوقف انتقال الفيروس. ويوضح: "خلاف ذلك، سيتعين علينا الاقتراب من مناعة القطيع ببطء، والحفاظ على الحالات عند مستوى منخفض بما يكفي لتجنُّب إرهاق أنظمة الرعاية الصحية".

 ويأمل "كيسلر" أن يتوافر اللقاح بعد 18 شهرًا، قائلًا: "إذا حدث ذلك فليس هناك حاجة إلى مزيد من بناء النماذج لتوقع انتشار الفيروس، ويجب أن يهدأ الوباء إلى حدٍّ كبير بمجرد تناول العدد الكافي من الناس للقاح".

وعن الهدف وراء بناء هذا النموذج يوضح "كيسلر": "أردنا الإبلاغ عما قد يحدث إذا لم يتوافر اللقاح قريبًا. هناك الكثير من العمل الذي يجب فعله لمنع الزيادة في أعداد الوفيات وإجهاد المستشفيات". ويضيف: "لا يزال هناك 18 شهرًا، وهذا وقت طويل للانتظار، وقد يسبب الفيروس الكثير من الضرر قبل أن يتم احتواؤه".

مع تتابع الأخبار عن عودة الحياة تدريجيًّا في بعض الدول مثل ألمانيا ونيوزلندا وأستراليا، يتمسك الناس بأمل عودة الحياة إلى طبيعتها قريبًا. وتحدد الدراسة أن التباعد الاجتماعي المتقطع ستختلف مدته وعدد مراته من مكان إلى آخر. يوضح "كيسلر": "يجب اتخاذ هذه القرارات محليًّا، مع الأخذ في الاعتبار معدل الانتشار، وعوامل الخطر الكامنة بين السكان، مثل نسبة الأفراد المسنين، ومعدلات الإصابة بأمراض كالقلب أو السكري، ومدى كفاءة المستشفيات". ويعتقد "كيسلر" أنه من المرجح أن تكون نقطة النهاية لهذا الوباء هي تطوير مناعة القطيع، عندما يكون هناك ما يكفي من السكان في مأمن من العدوى، بحيث لا يُعَد من الممكن تفشِّي المرض بشكل وبائي. في حين يرى "عنان" أنه من المرجح أن يستمر الفيروس في موجات مثل H1N1 وفيروسات الإنفلونزا الأخرى، ويضيف: "التاريخ علمنا أن الإنسان يتكيف مع أكثر الفيروسات شراسةً حتى مع عدم اكتشاف العلاج".