تحتاج أجسامنا إلى ما يُعرف بالطاقة الحيوية لممارسة أنشطة الجسم المختلفة، ولإنتاج تلك الطاقة يقوم الجسم بعدة عمليات كيميائية حيوية مُعقدة، يؤدي الكبد دورًا مهمًّا فيها، إذ يعمل على تكوين الدهون الثلاثية والأحماض الصفراوية المستخدمة في إنتاج الطاقة وعدد من العمليات الحيوية الأخرى.

ومع زيادة تكوين تلك الأحماض والدهون، قد يزداد تكاثر الخلايا الصفراوية، التي تسبب نوعًا من أنواع الالتهاب الكبدي عن طريق تكوين بعض المركبات الحيوية مثل السيتوكينات وعوامل النمو.

وإذا حدث خلل ما في تلك العملية وزادت تلك المركبات الحيوية عن الحد، فإن الخلايا تتكاثر بشكل جنوني، مكونةً عددًا من الأمراض مثل انسداد القنوات الصفراوية والتهابها، مؤديةً في النهاية ­­إلى تطور الأورام السرطانية في الكبد. 

وقد يعتمد تطور الأورام السرطانية بشكل عام على عوامل محددة لا تفرزها الخلايا السرطانية فحسب، بل تفرزها الخلايا غير السرطانية المُحيطة بها أيضًا، في هذا السياق، نشرت دورية "نيتشر ساينتفك ريبورتس" دراسة حديثة -أجراها باحثون من جامعة سنغافورة الوطنية، في مقدمتهم باحث مصري شاب- تُحقق في دور الخلايا الصفراوية في تكوُّن سرطان الكبد وتطوره.

استخدم الباحثون لهذا الغرض نموذج تجارب حيوانيًّا من أسماك الزرد المعدلة وراثيًّا، إذ حفزوا عملية تكوين الخلايا السرطانية في الكبد، فلاحظوا زيادةً في تكوين الدهون وإفراز الأحماض الصفراوية في الكبد، كما لاحظوا أيضًا زيادة تكاثر الخلايا الصفراوية.

وتُعد أسماك الزرد أو Zebrafish حيوانات تجارب نموذجية؛ إذ تتشابه جيناتها مع الجينوم البشري بنسبة 75%، كما أن أكثر من 85٪ من جينات الأمراض البشرية لها نظائر مماثلة في تلك الأسماك.

يقول محمد هلال، المؤلف الرئيسي للدراسة، والباحث في قسم العلوم البيولوجية بجامعة سنغافورة الوطنية، والمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد في مصر: "من المعروف أن السرطان من الأمراض المعقدة جدًّا على المستوى الخلوي والجيني، وتتحكم في نشأته وتطوره العديد من العمليات الحيوية".

ويضيف: "في دراستنا هذه، وجدنا أن سرطان الكبد يتطور بسرعة كبيرة نتيجةً لتفاعل بعض الخلايا الكبدية غير السرطانية مع خلايا الكبد السرطانية، ومن هنا انصب اهتمامي البحثي على دراسة ما يُعرف بدور البيئة الخلوية المحيطة بالخلايا السرطانية ودورها في تطور سرطان الكبد".

والخلايا الكبدية (Hepatocytes) والخلايا الصفراوية (Cholangiocytes) هما نوعان رئيسيان من الخلايا المكونة للكبد، فالخلايا الصفراوية هي مجموعة صغيرة وغير متجانسة من الخلايا المبطنة للقنوات الصفراوية للكبد، ولها عدة وظائف مهمة، ولكنها تكون غير نشطة في الحالات العادية، ولا تنشط إلا في ظروف معينة مثل حدوث التهابات أو أمراض كبدية.

استجابة غير متوقعة

استخدم هلال وزملاؤه نموذج التجارب الحيوانية من أسماك الزرد المعدلة وراثيًّا، يُظهر هذا النموذج تشابهًا مع سرطان الكبد البشري على المستويين النسيجي والجزيئي، ويتيح التحكم الدقيق في التعبير الجيني لبعض الجينات السرطانية، وبالتالي يُعَدُّ أداةً قيمة لدراسة تطور الأورام بشكل قد يكون من الصعب تحقيقه في الدراسات السريرية البشرية والنماذج الحيوانية الأخرى.

credit: Mohamed Helal   الفريق البحثي للدراسة

طُوّر هذا النموذج للتحكم في التعبير الجيني لأحد الجينات السرطانية المعروفة باسم كيه-راس KRAS في الخلايا الكبدية الرئيسية فقط، مع زيادة التعبير الجيني لـKRAS كان ذلك مُحفزًا لتطور السرطان في الخلايا الكبدية الرئيسية، كما أن نشاط الخلايا الصفراوية ازداد أيضًا في استجابة خلوية غير متوقعة للنشاط السرطاني في الخلايا الكبدية الرئيسية.

وتسبب الطفرات في جين KRAS أنواعًا عديدةً من السرطان، مثل سرطان البنكرياس والقولون والرئة، وفي سبتمبر الماضي نُشرت نتائج المرحلة الأولى لتجارب عقار Sotorasib، وهو أول عقار لتثبيط جين KRAS يُستخدم في تجارب سريرية على مرضى السرطان، جاءت النتائج مُبشرة، خاصةً في حالات سرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة NSCLC، ومن المتوقع ظهور نتائج المرحلة الثالثة من التجارب الأولية مع نهاية هذا العام.            

يقول محمد عثمان، طبيب وباحث في مجال السرطان، وعضو الجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان: "بروتين KRAS يُعَدُّ جزءًا مهمًّا في أحد المسارات الخلوية المسمى (MAPK/ERK) وهو المسؤول عن نمو الخلايا وانقسامها"، موضحًا أن "هذا المسار يقوم بنقل الإشارات من خارج الخلية إلى داخلها -وخاصةً إلى داخل النواة- وذلك لتحديد ما إذا كانت الخلايا ستنمو وتنقسم أم لا، وبالتالي فهو يعمل بمنزلة مفتاح تشغيل أو إيقاف لتلك العمليات".

يبدأ مسار MAPK/ERK عند ارتباط أحد عوامل النمو بالمستقبلات الخاصة به الموجودة على سطح الخلية، فيحدث تبعًا لذلك تغيُّر في هذه المستقبلات، وتحديدًا في الجزء الممتد منها إلى داخل الخلية.

 هذا التغير يكون بمنزلة شرارة الاشتعال التي تتبعها سلسلة من التفاعلات تبدأ بتنشيط بروتين KRAS، وتنتهي بتنشيط بروتين آخر يسمى (ERK) ويتحكم في العديد من وظائف الخلية مثل عوامل نسخ الحمض النووي والتعبير الجيني وإنتاج البروتينات وعوامل النمو وكذلك انقسام الخلية.

عندما تحدث طفرة في بروتين KRAS فإنه يصبح نشطًا بشكل دائم، مما يؤدي إلى خلل في مسار MAPK/ERK وتتكاثر الخلية بشكل خارج عن السيطرة، مكونةً أورامًا سرطانية. 

ومن المعروف أن هناك العديد من العوامل الوراثية والبيئية التي تعزِّز الإصابة بسرطان الكبد، كما تُسهم العديد من الأمراض الكبدية في تطوره، بما في ذلك عدوى فيروس سي (الالتهاب الكبدي الوبائي) وتليُّف الكبد ومرض الكبد الدهني غير الكحولي، وإدمان الكحول وكذلك السموم البيئية، كما حدد العلماء العديد من الطفرات الجينية التي تسبب زيادة القابلية للإصابة بسرطان الكبد. 

ويُعد سرطان الكبد من أكثر أنواع السرطانات انتشارًا؛ إذ يحتل المرتبة الخامسة بين أكثر السرطانات شيوعًا، وهو ثاني أكثر أنواع السرطان تسببًا في الوفاة، ويعيش مرضى سرطان الكبد بمعدل خمس سنوات كئيبة بعد تشخيصهم به، وينجو منه 10٪ فقط، وفق الدراسة.

حلقة التهابية مغلقة

أجرى هلال وزملاؤه عددًا من التجارب للتحكم في نشاط الخلايا الصفراوية، وللتعرف على العوامل الجزيئية المسؤولة عن التفاعل بينها وبين الخلايا الكبدية، يقول "هلال": "وجدنا أن الخلايا الكبدية تقوم بزيادة تصنيع الأحماض الصفراوية، التي تنشط الخلايا الصفراوية عن طريق مُستقبل S1pr2".

 وأضاف: "في المقابل، تقوم الخلايا الصفراوية النشطة بإفراز سيتوكين IL-17a/f1 الذي يتفاعل مع المُستقبل الخاص به على سطح الخلايا الكبدية والصفراوية، مؤديًا إلى زيادة نشاطها في حلقة مغلقة للتنشيط بين نوعي الخلايا".

والسيتوكينات هي عوامل جزيئية تُستخدم في نقل الإشارات والتواصل ما بين الخلايا، ولها دورٌ في التفاعلات الالتهابية.

وكانت دراسات سابقة قد كشفت عن عدد من الآليات الجزيئية المتورطة في تكاثر الخلايا الصفراوية، كما وجد الباحثون أن بعض المُستقبلات تتحكم في تكاثرها وتحدد استجابتها عند حدوث إصابةٍ ما، ومن ضمنها مُستقبلات S1pr2 التي لها دورٌ قوي في تنظيم انقسام الخلايا الصفراوية وتكاثرها في الحالات المرضية والسرطانية.

خلصت الدراسة التي أجراها هلال وزملاؤه إلى تكوّن ما يُعرف بـ (inflammatory loop)، وهي حلقة مغلقة من الالتهاب الخلوي الدائم، أي أن أحد الخلايا يفرز أحد العوامل التي تنشط نوعًا آخر من الخلايا يفرز عاملًا آخر مسببًا للالتهاب العام بين نوعي الخلايا وهكذا.

يقول"عثمان": "وجدت الدراسة حلقة الوصل بين الخلايا الصفراوية وخلايا الكبد في حالة سرطان الكبد الناشئ عن طفرة في جين KRAS، هذه الحلقة تتمثل في أن خلايا الكبد التي تحتوي على هذه الطفرة يحدث فيها تراكمٌ للدهون الثلاثية والأحماض الصفراوية، التي تزيد من نمو الخلايا الصفراوية وانقسامها عن طريق تنشيط مستقبل S1pr2 وزيادة إنتاجه".

أكد الباحثون تورّط مُستقبل S1pr2 في تكوين سرطان الكبد من خلال متابعة عمليات انقسام الخلايا وموتها مع استخدام عوامل مُنشطة وأخرى مُثبطة لهذا المُستقبل، يضيف "عثمان": "من المثير للاهتمام أنه عند إضافة عامل منشط لـمُستقبل S1pr2 فإن عملية الموت المبرمج للخلايا Apoptosis تقل بشكل ملحوظ، ومن المعروف أن تثبيط هذه العملية هو إحدى سمات الأورام، وينتج عنه تراكُم غير طبيعي للخلايا".

يعتقد الباحثون أن التحكم في هذا المُستقبل يمكن أن يساعدنا على التحكم في تكاثر الخلايا الصفراوية، وبالتالي التحكم في سرطان الكبد، كما أن الفهم الدقيق للمسارات الخلوية المسؤولة عن تطور السرطان من العوامل المؤثرة بشدة في نجاح تطوير أدوية محتملة للعلاج.

كما تكمن أهمية الدراسة في التوصل إلى عنصر جديد وهو سيتوكين IL-17a/f1 باعتباره عاملًا مساعدًا ومؤثرًا في تطور سرطان الكبد، وهو ما يشكل احتمالية استخدامه مستقبلًا في بروتوكولات علاج سرطان الكبد، وذلك عن طريق تطوير أدوية خاصة لتثبيط هذا المعامل الجزيئي أو كبته، يقول "عثمان": "في حالة تعطيل الجين المسؤول عن إنتاج سيتوكين IL-17a/f1 في الخلايا التي تحتوي على طفرة KRAS فإن حجم الكبد يصغر بشكل كبير، مما يشير إلى الدور المهم الذي يؤديه هذا العامل الجزيئي في تطور سرطان الكبد".

في السياق ذاته، وجدت دراسة كورية نُشرت العام الماضي أن تثبيط سيتوكينات IL-17 ينتج عنه تثبيط هجرة الخلايا السرطانية وانتشارها في حالة سرطان البنكرياس.

مزيدًا من البحث

من جانبه، أشاد محمد أسامة العرابي -مدرس طب الأورام في كلية الطب بجامعة عين شمس- بأهمية نتائج الدراسة، قائلًا: "يمثِّل هذا البحث خطوةً مهمةً في معرفتنا بطريقة حدوث هذا النوع من الأورام وتطوره، لكن لا بد من إجراء تجارب على عينات مرضى مصابين بأورام الكبد أولًا، وبعد ذلك يمكن للباحثين العمل على تطوير علاجات مناسبة"، مشددًا على أن سرطان الكبد من أكثر أنواع السرطان انتشارًا في مصر، ومُرجعًا ذلك إلى انتشار فيروس سي الكبدي.

ومن جانبه، كشف "هلال" عن أنهم يعملون في الوقت الحالي على عينات مرضى مصابين بأورام الكبد، وهو ما علق عليه "العرابي" بقوله: "يمكن أن تُستخدم هذه العلاجات في حال نجاحها بشكل مُنفرد أو مُصاحبةً لبروتوكولات العلاج الحالية من أجل تحسين النتائج".

تمكَّن "هلال" من إجراء تلك الدراسة خلال أربع سنوات قضاها في جامعة سنغافورة الوطنية بعد حصوله على منحة دكتوراة في البيولوجيا الجزيئية، ثم انضم إلى مختبر متخصص في استخدام أسماك الزرد المعدلة وراثيًّا لدراسة سرطان الكبد على وجه الخصوص، وانصب اهتمامه على تعريف العوامل البيئية مثل الملوثات والعوامل الجزيئية الجينية الجديدة المسؤولة عن تطور سرطان الكبد.

كأي باحث، واجه "هلال" بعض المصاعب في أثناء عمله، أبرزها قلة المعلومات المتاحة عن الخلايا الصفراوية واستجابتها في البيئة الخلوية للسرطان، ويرى "هلال" أن هذه الدراسة هي أولى خطواته في طريقه البحثي، ويقول: "اهتمامي البحثي قد توسع ليشمل نوعًا آخر من سرطانات الكبد، وهو سرطان الخلايا الصفراوية"، ويطمح إلى تقديم نموذج مناسب من أسماك الزرد لدراسة هذا النوع النادر من السرطان مستقبلًا.