تنبض قلوبنا بالحياة قبل تشكُّل أي عضو آخر في أجسادنا، فبمجرد حلول الأسبوع الرابع من عمر الجنين ينطوي القلب البدائي الذي يكون على شكل أنبوب صغير حول نفسه مكونًا أجزاءه الرئيسية الأربعة، وبين الأسبوع السابع والثامن من عمر الجنين تتشكل الحجرات القلبية الأربع مع تكوُّن الصمامات، ويستمر تخلُّق القلب عدة أسابيع إضافية حتى يكتمل نموُّه.

تتداخل آليات جزيئية معقدة في التحكم وتنسيق أي الشفرات الجينية سيتم التعبير عنها في كل مرحلة من مراحل تخلُّق القلب، بحيث قد تؤدي أخطاء بسيطة إلى خلل دائم، أو قد يؤدي عدم انتظام تلك الآليات لدى البالغين إلى أمراض قلبية أخرى.

في دراسة حديثة، سعى فريق بحثي من مؤسسة مجدي يعقوب لأمراض وأبحاث القلب -مركز أسوان للقلب، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، بالتعاون مع باحثين دوليين إلى إلقاء نظرة على إحدى الآليات التي تحكم نشاط الجينات في مكونين أساسيين في القلب، هما الصمام الأورطي والمترالي، وفق ما نشروه في دورية فرونتيرز إن كارديوفاسكولار ميديسين Frontiers in Cardiovascular medicine شهر أبريل الماضي.

ويساعد الصمام الأورطي في الحفاظ على تدفُّق الدم في الاتجاه الصحيح عبر القلب، ويمكن أن يؤثر مرضه أو تضرُّره على عملية تدفُّق الدم إلى أجزاء الجسم المختلفة، أما الصمام الميترالي فيقع في الجانب الأيسر من القلب، ويفصل بين الأذين الأيسر والبطين الأيسر، وتتمثل وظيفته الرئيسية في السماح للدم النقي المُحمّل بالأكسجين القادم من الرئتين بالمرور من الأذين الأيسر إلى البطين الأيسر، ومنع عودته إلى الأذين مرةً أخرى من أجل الحفاظ على تدفُّق الدم في اتجاه واحد أيضًا.

تنوع غامض

يمكن إرجاع التنوع في الصفات بين الأفراد إلى الشفرات الوراثية المميزة لكل فرد وطبيعة بيئته وخصائصها، لحسن الحظ، يستطيع العلماء الآن التحكُّم في كليهما في الظروف المعملية من خلال استيلاد فئران تجارب تحمل شفراتٍ وراثيةً مطابقة لتعيش في الظروف البيئية ذاتها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إنتاج أجيال متطابقة في كل الصفات، أليس كذلك؟ 

للمفارقة، عندما أجرى العلماء تلك التجارب على الفئران، خلال القرن الماضي، استمر ظهور تنوُّع في بعض الصفات مثل الوزن وشكل الفك، وهو ما سماه العلماء وقتها بالتنوع الغامض Intangible variation ، أدى التطور المطَّرد في علوم الوراثة خلال العقود الماضية إلى كشف بعض الغموض فيما يتعلق بأسباب هذا التنوع؛ إذ يمكن إرجاعه -جزئيًّا على الأقل- إلى الآليات التي تتحكم في نشاط الجينات فتثبط بعضها بينما تفعِّل نشاط أخرى، دون إحداث تغيير في تتابُع الشفرات الوراثية نفسها.

يُعرف الفرع البحثي المهتم بدراسة تلك الآليات بـ"علم التخلق" Epigenetics، ومع تزايُد فهمه تمكَّن العلماء من تفصيل بعض الآليات التي تحكُم تمايُز الخلايا من البويضة المخصبة إلى خلايا متنوعة الصفات خلال نمو الجنين، وتقديم بعض التفسيرات للعديد من الأمراض التي يصعب فهمها من خلال دراسة الشفرات الجينية وحدها.

تُعد "المَثْيَلة" عملية بيولوجية تضاف فيها مجموعات الميثيل الكيميائية إلى جزيء الحمض النووي، وهي إحدى أبرز آليات التخلُّق التي جرت دراستها بسبب تطوُّر آليات رصدها، وتعبر عن النشاط الذي تؤديه بعض الإنزيمات عبر ربط مجموعات من مركبات "الميثيل" على مواقع محددة في الجينوم، يؤدي هذا الربط -غالبًا- إلى تثبيط نشاط الجينات.

تقول سارة حلاوة -باحث ما بعد الدكتوراة ومدير وحدة المعلوماتية الحيوية في مؤسسة مجدي يعقوب للقلب- في حديثها لـ"للعلم": "تعمل أغلبية الدراسات على مقارنة أنماط توزيع مجموعات (الميثيل) على الجينوم بين أنسجة مأخوذة من متطوعين أصحاء، وآخرين يعانون من مرض معين، ومن ثم تتبُّع أي الجينات تأثر، وتبيان المسارات الحيوية المرتبطة بها".

لكن في دراستهم الأخيرة، كانت كل العينات التي تحصَّلت عليها "حلاوة" وفريقها من متطوعين أصحاء، بعضها من أنسجة الصمام الأورطي والأخرى من الصمام المترالي، تقول "حلاوة" وهي الباحث الأول في الدراسة: "أردنا في بداية مشروعنا أن نتعرف على الاختلافات بين الأنسجة السليمة، ومن ثم مقارنتها بأنسجة من المرضى في دراسات تالية". 

وتوضح أن أنسجة الصمامين ككل الأنسجة في الجسم تحوي التتابُع ذاته من المادة الوراثية، لكن الصمامين يختلفان في عدة سمات تشريحية، كما تختلف احتمالات إصابتهما ببعض الأمراض، فهل تؤدي "المثيلة" دورًا في ذلك؟ للإجابة عن هذا السؤال، حصل الفريق على 12 صمامًا من البنك الحيوي التابع لمستشفى رويال برمبتون بالمملكة المتحدة، بعد الحصول على الموافقات القانونية والأخلاقية المطلوبة، ثم قام باختبارها للتأكد من أن أنسجة الصمامات أنسجة سليمة، تتراوح الاختبارات -وفق ياسمين عجيب، مدير قسم علوم الحياة بالمؤسسة والباحث الرئيس في الدراسة- بين فحوص بسيطة للتأكد من عدم وجود ترسبات كلسية على الصمامات إلى فحوص مجهرية دقيقة، وعلى أساسها جرى إقصاء 3 صمامات من التحاليل اللاحقة.

من الأنسجة المختارة، قام الفريق بعزل الحمض النووي "دنا DNA"، ثم أجروا اختبارًا لتحديد أنماط توزيع مجموعات الميثيل الكيميائية في تتابُعات محددة من الجينوم تؤدي دورًا مهمًّا في نشاط الجينات، تُعرف تلك التتابعات بالمحفز promotor، وعادةً ما تؤدي مَثْيلة تلك المناطق إلى عرقلة ترجمة الشفرات الجينية إلى بروتينات فعالة. وتحتوي الكروموسومات أو الصبغيّات الموجودة في نواة أي خلية على الآلاف من الجينات، وبدورها تتحكم الجينات في عملية تخليق البروتينات وتوجهها إلى أداء وظائفها في الجسم؛ إذ تخضع بنية الجسم ووظائفه لأنواع البروتينات التي يصنعها وكمياتها.

أظهرت النتائج اختلاف أنماط المَثْيلة في قرابة 600 محفز عند مقارنة أنسجة الصمام المترالي بالأورطي، بعض تلك المحفزات يتحكم في نشاط جينات تؤدي دورًا مهمًّا في مسارات حيوية مرتبطة بعملية تخلُّق القلب، وأخرى لها دور في عدة أمراض قلبية، تقول "عجيب" في حديثها لـ"للعلم": "ستساعدنا هذه النتائج على وضع تلك المسارات الحيوية نصب أعيننا عند دراسة الأمراض المختلفة التي تصيب الصمامين".

من ناحيته يشير شريف الخميسي -أستاذ الطب الجزيئي ورئيس قسم الأبحاث بجامعة شيفيلد البريطانية- في حديثه لـ"للعلم" إلى أن الدراسة قد تكون الأولى التي تقوم بمقارنة أنماط المثيلة بين نسيجي الصمام الأورطي والمترالي، لكن عدد العينات في الدراسة محدود، وقد يكون الطريق طويلًا أمام الفريق من أجل ترجمة تلك النتائج إلى تطبيقات إكلينيكية.

وراثة مرنة

مثل الطفرات التي قد تحدث عند تغير أحد الأحرف المكونة للشفرة الجينية ثم تتناقل عبر الأجيال، يمكن لعلامات الميثيل أيضًا أن تورث، لكنها على عكس الطفرات يمكن إزالتها، يقول أحمد مصطفى، رئيس قسم علوم الأحياء بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وباحث مشارك في الدراسة: "تلك المرونة تجعل من دراسات آليات التخلق -والمَثْيلة تحديدًا- هدفًا واعدًا للتطبيقات الإكلينيكية".

ففي مجال السرطان على سبيل المثال، طور العلماء عقاقير يمكنها الارتباط بالإنزيم المسؤول عن عملية المثيلة وتثبيطه، وبذلك يمكن إعادة تفعيل جينات ذات دور حيوي في ضبط انقسام الخلية والحماية من تكوُّن الأورام، كما أن هناك عدة تجارب إكلينيكية جارية للاستفادة من آليات التخلُّق في علاج  بعض الأمراض العصبية، وفق "الخميسي".

لكن رغم تزايُد أعداد الدراسات التي أظهرت دور آليات التخلق في العديد من أمراض القلب والجهاز الدوري خلال العقود الماضية، إلا أنها حتى الآن لم تُترجَم إلى علاجات فعالة، تشير "عجيب" إلى أن أحد الأسباب وراء ذلك قد يكمن في صعوبة الحصول على عينات من القلب لدراسة آليات التخلُّق، فعلى خلاف الأورام التي تُعد عملية الاستئصال جزءًا رئيسًا من علاجها، من النادر أن يتم استئصال أنسجة من القلب.

في الخطوات القادمة تسعى "عجيب" مع فريقها إلى زيادة عينات الدراسة ومقارنتها بأنسجة مصابة بأمراض مختلفة، وتؤكد عزمها استخدام تقنية جديدة أكثر فاعليةً فتقول: "سنستخدم تقنيةً مختلفةً يمكنها تحديد أنماط المثيلة على مستوى الجينوم كاملًا"، كما تأمل "عجيب" أن يُسهم المشروع في زيادة فهم الأمراض القلبية، بما قد يفتح الباب أمام تدخلات طبية مختلفة في المستقبل.