طوّر علماء يابانيون في مجال الفيزياء البصرية طريقةً جديدةً لرؤية الخلايا الحية من الداخل، بتفاصيل أكثر من تلك التي تتيحها تقنية الفحص المجهري الحالية، ودون الحاجة إلى إضافة بقع أو أصباغ فلورية.

وتعتمد الكاميرات المجهرية التي يلجأ إليها العلماء لتصوير الخلايا الحية ومراقبتها من الداخل، على شعاع يمر عبر تلك الخلايا شبه الشفافة، ويجب أن تكتشف الكاميرات المجهرية الاختلافات الدقيقة للغاية في الضوء الذي يمر عبر أجزاء من الخلية.

وتُعرف هذه الاختلافات بطور موجة الضوء، وتقتصر مستشعرات صور الكاميرا على مقدار اختلاف طور موجة الضوء التي يمكنها اكتشافها، ويشار إليها باسم "النطاق الديناميكي".

وطوّر فريق البحث تقنيةً تلتقط تعريضين لقياس التغيرات الكبيرة والصغيرة في طور الضوء بشكل منفصل، ثم تربطهما بسلاسة لاستخراج صورة نهائية مفصّلة للغاية للخلية، وسمَّوا طريقتهم الديناميكية التكيفية لتصوير الطور الكمي بـ(ADRIFT-QPI)، وفق نتائج الدراسة التي نشرتها دورية "لايت: ساينس آند أبليكيشنس" (Light: Science & Applications) اليوم "الخميس"، 31 ديسمبر.

والتعريض (Exposure) هو مصطلح مشهور في التصوير الفوتوغرافي، وهو كمية الضوء التي يُسمح بإسقاطها على الوسيط الفوتوغرافي، سواء كان الفيلم الفوتوغرافي في الكاميرات التقليدية أو حساس الصور في الكاميرات الرقمية، وذلك خلال عملية التقاط الصورة.

أما تصوير الطور الكمِّي أو تصوير المرحلة الكمِّيَّة (QPI)، فهو إحدى طرق الفحص المجهري التي تحدِّد تحوُّل الطور الذي يحدث عندما تمر موجات الضوء عبر كائن أكثر كثافة بصريًّا، ويوفر صورًا كميةً للخلايا الحية، ما يجعله أداةً كميةً لتحليل الخلية المفصَّل، ويُستخدم بشكل أساسي في الخلايا الحيّة، ويوفر معلومات كمِّيَّة حول تشكل الخلايا وكتلتها.

يقول تاكورو إيديجوشي، الأستاذ المساعد بمعهد جامعة طوكيو لعلوم وتكنولوجيا الفوتون، وقائد فريق البحث: لرؤية مزيد من التفاصيل باستخدام مستشعر الصورة نفسه، يجب علينا توسيع النطاق الديناميكي حتى نتمكن من اكتشاف تغيُّرات طور أصغر في الضوء، لقد طورنا طريقةً جديدةً لتوسيع النطاق الديناميكي بشكل كبير وتحسين حساسية تصوير الطور الكمي (QPI)، وهذا يتيح لنا قياس توزيعات الطور الكبيرة والصغيرة التي تُحدثها العينة بشكل منفصل وربطها بسلاسة.

يضيف "إديجوتشي" في تصريحات لـ"للعلم": لا تحتاج الطريقة الجديدة إلى ليزر خاص، ولا مجهر خاص أو مستشعرات صور، يمكننا استخدام الخلايا الحية، ولا نحتاج إلى أي بقع أو أصباغ فلورية، وهناك فرصة ضئيلة جدًّا للسُّمِّيَّة الضوئية.

وتشير السمية الضوئية إلى قتل الخلايا بالضوء، والتي يمكن أن تصبح مشكلة مع بعض تقنيات التصوير الأخرى، مثل التصوير الفلوري، وفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة.

وعن آلية تصوير الطور الكمّي للخلايا، أوضح الباحثون أن ذلك يتم عبر إرسال نبضة من الضوء باتجاه الخلية، ثم قياس تحوُّل طور موجات الضوء بعد مرورها عبر الخلية، ثم إعادة تحليل بناء صورة الهياكل الرئيسية داخل الخلية باستخدام الكمبيوتر.

ويُعد تصوير الطور الكمّي أداةً قويةً لفحص الخلايا الفردية؛ لأنه يتيح للباحثين إجراء قياسات مفصّلة، مثل تتبُّع معدل نمو الخلية بناءً على التحوُّل في موجات الضوء، ومع ذلك، فإن الجانب الكمِّي للتقنية له حساسية منخفضة بسبب قدرة التشبُّع المنخفضة لمستشعر الصورة، لذا فإن تتبُّع الجسيمات النانوية داخل الخلايا وحولها غير ممكن باستخدام النهج التقليدي لتصوير الطور الكمي.

يشير "إديجوتشي" إلى أن الطريقة الجديدة تغلَّبت على حدود النطاق الديناميكي لطرق تصوير الطور الكمّي التقليدية، وخلال تلك التقنية الجديدة تلتقط الكاميرا تعريضين وتنتج صورةً نهائيةً ذات حساسية أكبر 7 مرات من صور المجهر الكمي التقليدي.

وعن أهمية ما توصَّل إليه الفريق من نتائج، أكد "إديجوتشي" أن الطريقة الجديدة تتيح فرصًا لدفع العلوم البيولوجية والطبية إلى الأمام، من خلال قدرتها على اكتشاف إشارات المرحلة الصغيرة جدًّا في أثناء مراقبة إشارات المرحلة الكبيرة من هيكل الخلية.

ويتابع: على سبيل المثال، يمكن اكتشاف إشارات صغيرة بطبيعتها من جسيمات نانوية تتحرك داخل الخلية وخارجها، مثل الإكسوزومات والجسيمات الشحمية والفيروسات، ما يتيح المراقبة المتزامنة لسلوك الخلية وحالتها، وهناك مثالٌ آخرهو أن الاضطراب الطفيف الناجم عن أي تحفيز مثل الضوء والموجات الصوتية يمكن اكتشافه بحساسية عالية، ما يتيح تحليلًا مفصلًا حول استجابة الخلية للمحفزات الخارجية.

وعن خطواتهم المستقبلية، اختتم "إديجوتشي" حديثه قائلًا: سنواصل تحسين طريقتنا الجديدة، وسنحاول الاكتشاف المتزامن لحالة الخلية استنادًا إلى المعلومات الهيكلية الخلوية والديناميكيات الدقيقة داخل الخلايا مع النطاق الديناميكي الموسع.