في مساء ليلة حالكة رأى شرطيٌّ رجلًا مخمورًا يبحث عن شيءٍ ما تحت عمود إنارة في الشارع، فسأله الشرطي عما يبحث عنه، فأجابه المخمور بأنه يبحث عن مفاتيحه، فشرعا يبحثان عنها في ذاك المحيط المضيء، غير أنّ البحثَ بدا وكأنه سيدوم طويلًا، هنا سأل الشرطيُّ الرجلَ المخمور إن كان متأكدًا من فقدانها في هذا المكان بالضبط، ليجيبه المخمور بأنه فقدها في الحديقة المجاورة، ولكنه يبحث هنا "حيث يوجد الضوء"، قد نَعجَب من فعل ذلك المخمور، غير أننا قد نقع تحت التأثير ذاته أحيانًا، فنبحث عن الأشياء في المكان الذي نرى فيه الضوء، لا حيث يجب البحث عنها، وهو ما يُعرف باسم "مبدأ بحث السكارى" (Drunkard's search principle) أو "تأثير ضوء الشارع" (Streetlight effect)، وهو نوعٌ من تَحيُّز الملاحظة -أو التحيز المعرفي- الذي يَقْصُر البحث عن الأمور أو الأشياء على الأماكن التي يسهل النظر إليها، أو بمعنى آخر "حيث يوجد الضوء".

وهنا تدفعنا المقاربة إلى التساؤل: هل يبحث علماء البيولوجي حيث تكمن المشكلة؟ أم أننا نبحث في المكان الذي يَسْهُل علينا البحث فيه وبما يتوافق مع ما يتوافر بين أيدينا من تقنيات؟

 تكمن المشكلة دومًا في التفاصيل، فكلما أبحرت عميقًا في الخلية، تعرفت على مكونات أصغر فأصغر، بدءًا من عضيات الخلية كبيرة الحجم -نسبةً إلى ما هو أصغر منها في الخلية؛ إذ إنها هي الأخرى بطبيعة الحال فائقة في الصغر- ووصولًا إلى البنى الأساسية المكونة للآليات الخلوية مثل الأحماض الأمينية والقواعد النيتروجينية ووحدات السكر... إلخ؛ إذ إن هذه الوحدات الأساسية الصغيرة هي التي تُنفِّذ المهمات البيولوجية الكبيرة والمعقدة، ومن ثم تَمنَح الآلات الخلوية وظيفةً أو تَسلُبها.

ولذا، فإن معرفة التفاصيل الدقيقة والشكل التركيبي المكون لهذه الوحدات الأساسية وكيفية تفاعلها معًا تُعد مربط الفرس؛ فهل يُعِير مجال البيولوجيا هذه المكونات الأساسية الاهتمام الذي تستحقه؟

نعم، إذ يهتم ما يُعرف بمجال البيولوجيا البنيوية بدراسة البنية الجزيئية للوحدات الأساسية المكونة للآلات الخلوية كالبروتينات و«الدي إن إيه» و«الآر إن إيه»؛ فعلى سبيل المثال، تضطلع بروتينات الخلية بإتمام مهمات محددة مثل تحفيز انتقال الخلية من مكان إلى آخر، ونقل الجزيئات داخل الخلية، واستشعار الأكسجين، وتنظيم عمليات الأيض وتضاعف الحمض النووي، كما يساعد بروتين آخر -يُعرف باسم البروتين الشوكي- فيروس «سارس-كوف-2» على الارتباط بخلية العائل مسببًا مرض «كوفيد-19»؛ إذ تحدث هذه العمليات -الفسيولوجية أو المرضية- إثر تضافر الأحماض الأمينية المكونة للبروتين بعضها مع بعض، وعندما تَطْفُر هذه الأحماض الأمينية -أو أحدها- أو تُطْوَى بشكل مغاير فإنها تُضفِي على الخلية وظيفةً مغايرة، وهو ما يشعل فتيل المرض -أو على الأقل الخلل الخلوي- أحيانًا إن لم يمكن السيطرة عليه من قِبل آليات الخلية المتنوعة.

وبالتالي، فإنه من المهم معرفة الشكل الدقيق للوحدات الأساسية المكونة للآلات الخلوية، وكذلك الكيفية التي تتفاعل بها هذه المكونات الأساسية -كالأحماض الأمينية- بعضها مع بعض، وبمعرفة الشكل تُعْرَف الوظيفة، وإذ يحتفل المجتمع العلمي هذا العام بمرور 50 عامًا على تأسيس «بنك بيانات البروتينات» (Protein Data Bank) -حيث يتم إيداع البنية الهيكلية ثلاثية الأبعاد للآلات البيولوجية التي يتم اكتشافها- فإن إلقاء بعض الضوء على تاريخ المجال وحاضره ومستقبله يُعد أمرًا مهمًّا.

الرؤية خير دليل

كما يقول المثل: "لا تصدق حتى ترى"، فإن رؤية المكونات الخلوية هي الأدعى إلى الحقيقة والأقرب إلى التصديق، وقد كانت المجاهر الضوئية المبكرة -التي ابتكرها «روبرت هوك» (1635-1703) و«أنتوني فان ليوينهوك» (1632-1723)- بمنزلة أول محاولة لرؤية ما لا تراه العين المجردة، أملًا في استكشاف خصائص المواد البيولوجية، وقد أسهمَ «إرنست آبي» في تطوير حد الاستبانة (قدرة التفريق بين نقطتين) لهذه المجاهر الضوئية إلى ما يقرب من الحد الممكن نظريًّا، وذلك بنهاية القرن التاسع عشر، غير أن هذه الاستبانة المُحقَّقة لا تُعد كافيةً لرؤية الوحدات الخلوية الأساسية -كالأحماض الأمينية- على المستوى الذري، ولتحقيق ذلك، فإننا بحاجة إلى استخدام مصدر إشعاع ذي طول موجي مشابه لأبعاد الذرات المكونة للأحماض الأمينية والتي نرغب في رصد سلوكها، وذلك عوضًا عن الضوء الأبيض المستخدم في المجاهر الضوئية؛ فعلى سبيل المثال، فإن أبعاد الذرات التي نرغب في اقتفائها يقدر بــ0.2 نانومتر، وهو ما يَحُولُ دون مراقبتها باستخدام الضوء ذي الطول الموجي الأكبر بعدة أضعاف (500 نانومتر).

هنا بدأت مرحلة جديدة من تاريخ البيولوجيا أسست لرصد الوحدات المكونة للآليات الخلوية عند المستوى الذري، وهو ما يُعرف اليوم باسم «البيولوجيا البنيوية»، جاء ذلك عندما لعبت الفيزياء بنرد البيولوجيا؛ إذ أدى التطور الهائل في الفيزياء إلى اكتشاف مصادر إشعاع ذات أطوال موجية أقصر، ففي عام 1895، اكتشف «فيلهلم رونتغن» -الحائز جائزة نوبل عام 1901- الأشعة السينية، بينما اكتشف «جوزيف جون طومسون» -الحائز جائزة نوبل عام 1906- الإلكترونات عام 1897، إضافةً إلى ذلك، فقد أدى اكتشاف النيوترون عام 1932 بواسطة «جيمس تشادويك» -الذي حصل على جائزة نوبل عام 1935- واكتشاف الرنين المغناطيسي النووي عام 1946، وكذلك الحوسبة أدوارًا مهمةً في تأسيس هذا العلم الحديث.

وبذلك بدأت حقبة التأسيس المنهجي لهذا العلم، بعدما اقترح «ماكس فون لاوي» -الحائز جائزة نوبل عام 1914- إمكانية رؤية البنية البلورية باستخدام الأشعة السينية عام 1912، وسريعًا، نجحت هذه التقنية عام 1913 في رصد التركيب البنيوي لكلوريد الصوديوم بواسطة لورانس براغ، الذي حاز جائزة نوبل بعد ذلك بعامين، تَبِعَ ذلك مفاجأة مدوية في مجتمع علم الأحياء عام 1934، عندما استطاعت «دوروثي هودجكن» -المولودة في القاهرة، مصر، لأب بريطاني كان يعمل في قطاع التعليم المصري، والتي نالت جائزة نوبل عام 1964- و«جون برنال» الحصول على نمط حيود مميز لبلورة من «الببسين» -إنزيم هضم البروتينات- باستخدام الأشعة السينية، جاء ذلك بعدما نجح «جون نورثروب» -الذي نال جائزة نوبل عام 1946- في بَلْوَرَة هذا الإنزيم عام 1929، وكان جوهر المفاجأة يكمن في قدرتهم على الحصول على هذه البنية المميزة بعدما طال الاعتقاد بأن البروتينات ذات بنى عشوائية.

وبطبيعة الحال، فقد بدأت الرؤية السائدة عن البروتينات في ذلك الوقت في التغير، الأمر الذي دفع باحث الدكتوراة في ذلك الوقت «ماكس بيروتز» إلى استخدام حيود الأشعة السينية لتحديد البنية الهيكلية «للهيموغلوبين» عام 1936، غير أن ذلك الأمر استغرق أكثر من 30 عامًا لتحقيقه، وذلك لحداثة العلم وعدم معرفة الكيفية التي تُفسَّر بها أنماط الحيود، إضافةً إلى عدم وجود أجهزة حاسوبية مساعدة، وقد حصل «بيروتز» على جائزة نوبل عام 1962 عن دراسته للبنى الهيكلية للبروتينات الكروية.

ومنذ ذلك الحين، أسهم العديد مما استحدث من تقنيات جديدة في تطوير دراسة بنية البلورات، والتي كان أبرزها بناء المسرعات الدورانية التزامنية «السينكروترون»، مما مكن العلماء من اكتشاف بنى هيكلية، قُدِّرَت في البداية بـــ10 بنًى هيكلية عام 1973، و27 بنية عام 1983، و922 بنية هيكلية عام 1993، وهنا تجدر الإشارة إلى أن التطورات الأخيرة التي شهدها علم دراسة البلورات بالأشعة السينية قد أسهمت في معرفتنا بالبنية الخلوية الدقيقة للريبوسوم والكيفية التي يعمل بها، والتي حاز على إثرها «فينكاترامان راماكريشنان وعادا يونات وتوماس ستايتز» على جائزة نوبل عام 2009.

توزيع الأنواع المختلفة للمجاهر الإلكترونية فائقة البرودة حول العالم.  Credit:AlphaFold website 

أفق واعد وأكثر اتساعًا

غير أن هناك صعوبة أحيانًا في تكوين بلورات لبعض المكونات الخلوية حتى تجري دراستها بواسطة الأشعة السينية، كما أن بَلْوَرَة المكونات الخلوية قد تُضفي عليها نوعًا من الضغط الميكانيكي، مما يجعلها في حالة تركيبية مغايرة لما هي عليه في الخلية، ولذا، فإن هذه التحديات وغيرها، إضافةً إلى الشغف العلمي الهادف إلى تطوير العلوم بشكل مستمر، دفعت العلماء لإيجاد طريقة أخرى بالتوازي مع تطويرهم للأشعة السينية.

بدأت هذه التطورات في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما طور «إرنست روسكا» -الحائز جائزة نوبل عام 1986- المجهر الإلكتروني، الذي يعتمد على الإلكترونات بدلًا من الضوء؛ إذ إن لهذه الإلكترونات المركزة وسريعة الحركة أطوالًا موجيةً قصيرةً جدًّا مقارنةً بالضوء، مما يساعد على الوصول إلى استبانة فائقة، وبذلك كان المجهر الإلكتروني هو أول تقنية تتيح رصد التفاصيل الذرية للمكونات البيولوجية في أربعينيات القرن الماضي.

غير أن استبانة المجهر الإلكتروني في بدايته لم تكن جيدة؛ ففي عام 1975، استطاع «ريتشارد هندرسن ونايجل أونوين» تحديد الشكل البنائي ثلاثي الأبعاد «للبكتريورودوبسين» عند استبانة تقدر بــ7 أنجستروم، وقد كانت الكيفية التي تُحضَّر بها العينة البيولوجية وكذلك الحالة التقنية للمجهر الإلكتروني في ذلك الوقت هما العاملَين اللذَين يمنعان الحصول على استبانة أفضل، ولذا فقد عَمِل العلماء منذ ذلك الحين على تطوير الطريقة التي تُحضر بها العينة، إضافةً إلى تطوير المجهر الإلكتروني ليتوافق مع العينة البيولوجية حتى لا يتسبب في إحداث ضرر إشعاعي بها، وقد أفضت التحسينات المدخلة إلى تطوير مجهر إلكتروني يعمل عند درجة حرارة منخفضة للغاية، ومزود بمصدر إشعاع إلكتروني (نسبة إلى الإلكترون) أفضل، وذي جهد إسراع عالٍ، واختتمت هذه التحسينات عام 2012 باستخدام راصدات الإلكترون المباشرة، وبتطوير برامج الحوسبة التي يمكنها تحليل النتائج المستقاة من المجهر المُحسَّن، وقد تُوِّج مطورو المجهر الإلكتروني فائق البرودة (Cryogenic electron microscopy (cryo-EM))؛ «ريتشارد هندرسن وجاك دوبوشيه ويواكيم فرانك» بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2017.

«غوغل» تدخل السباق

ويستضيف «بنك بيانات البروتينات» اليوم أكثر من 180 ألف بنية هيكلية، غير أن بعض هذه البنى ليس لبروتينات فريدة كليًّا عن بعض، بل يكون أحيانًا للبروتين نفسه في حالة نشطة وأخرى غير نشطة، وأحيانًا نجد عديدًا من البنى لبروتين واحد، غير أن بعضها يختلف عن بعضٍ في ارتباطها بجزيء أو بوحدة بروتينية أخرى فريدة أو أكثر، كما أن هذه البروتينات ليست بشريةً فحسب، بل إن غالبيتها لكائنات أخرى تُجرى عليها التجارب المعملية.

ولأن غالبية الأمراض تنتج عن خلل في الوظيفة -وأوضحنا سابقًا أنها ناتجة عن خلل في الوحدات الأساسية- فإن مَن يملك الشكل التركيبي للمكونات الخلوية والكيفية التي تتفاعل بها معًا سيملك صناعة الدواء، ولهذا، فقد انضم إلى هذا السباق المحتدم أباطرة الصناعة كالشركة العملاقة «غوغل» (Google).

ومن المعروف أن الجينوم البشري يحمل جينات يُخلَّق منها أكثر من 20 ألف بروتين، غير أن ما نعرفه من شكل تركيبي ثلاثي الأبعاد لهذه البروتينات لا يتعدى الثلث، ولذا، فإن هذا العدد القليل دفع شركة «ديب مايند» (DeepMind) التابعة لشركة «غوغل» إلى تبنِّي خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالبنية الهيكلية للبروتينات، وبالفعل، فقد أعلنت الشركة في 30 من نوفمبر/تشرين الثاني 2020 أنها حققت قفزة هائلة نحو سبر أغوار أكبر التحديات التي كانت قائمةً أمام علم الأحياء، وهو التنبؤ بالشكل ثلاثي الأبعاد -الأقرب إلى الصحة- للهياكل البروتينية.

وقد كشفت الشركة في شهر يوليو/تموز 2021 في دراستين منفصلتين نُشرتا في دورية «نيتشر» العريقة عن المنهجية التفصيلية التي تستند إليها في التنبؤ بالشكل ثلاثي الأبعاد للبروتينات؛ إذ مكنتهم خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي تتبنى طريقة تعلم الآلة -والتي أطلق العلماء عليها اسم «ألفا فولد» (AlphaFold)- من تحديد أكثر من 350 ألف بنية تركيبية للآلات الهيكلية البشرية وكذلك لـ20 من كائنات التجارب، مما يعني أن 98.5% من المحتوى البروتيني البشري قد تم التنبؤ ببنيته التركيبية، وبطبيعة الحال، فإن هذا الجهد متاح للعلماء مجانًا عبر قاعدة بيانات كبيرة تحوي الشكل ثلاثي الأبعاد لعدد البروتينات آنف الذكر.

وفي الصدد ذاته، طور «ديفيد بيكر» وفريقه في جامعة واشنطن بالولايات المتحدة طريقةً مشابهةً -تُعرف باسم «روزيتا فولد» (RoseTTA fold) للتنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات والمعقدات البروتينية، مستلهمًا الفكرة من «ألفا فولد».

تحديات قائمة ومستقبل مشرق

غير أن الأمر لا يقتصر على هذا الحد، بل إن مجال البيولوجيا البنائية لم يزل يمهد الطريق لمستقبل واعد؛ فعندما تتفاعل البروتينات معًا، فإنها تمر بمراحل عديدة من حالات انتقالية غير مستقرة تتغير فيها البنى الهيكلية بشكل سريع، ولذا فإن حالة الحركة هذه التي ينتهجها البروتين لا يمكن أن تقتصر على حالة تركيبية ساكنة فحسب، وبالتالي، فإن الديناميكية الحاكمة لتفاعل هذه البروتينات تُعد بأهمية تحديد الشكل النهائي المستقر للبروتين، كما أن هذه الديناميكية جزء أصيل لمعرفة الوظيفة، ولذا، فإن هناك مجموعات بحثية –من ضمنها مجموعتنا البحثية- تعمل حاليًّا على هذا التحدي الكبير من أجل رصد التغيرات الديناميكية للبروتين في وقت حدوثها الفعلي.

إضافةً إلى ذلك، فإن دقة التنبؤ التي تتوقعها «ألفا فولد» تكون ضعيفةً أحيانًا في بعض مناطق البروتين المرنة، وهي المناطق التي تضطلع عادةً بالتغيرات الجوهرية، ومن ثم الوظيفة، ولذا، فإن الجزم استنادًا إلى دقة توقع ضعيفة لهذه المناطق لن يكون مُجديًا، وعلاوةً على ذلك، فإنه ما زال من الصعب التنبؤ بالمناطق المضطربة في البروتين، والتي تمثل أحيانًا نسبة من 37 إلى 50% من البروتينات البشرية، وهو ما يمثل تحديًا قائمًا أمام المجتمع العلمي بأكمله، كما أن «ألفا فولد» ما زالت بحاجة إلى العمل على التنبؤ بالبِنى التركيبية للمُعقدات متعددة الوحدات البروتينية، غير أن فريق «ألفا فولد» لم يحزم أمتعة الرحيل بعد، بل بدأ السباق.

وحتى وقت كتابة هذه السطور، فإن وتيرة التطورات الجديدة آخذةٌ في التسارع على نحوٍ مُطَّرِد؛ إذ أشارت ورقة بحثية حديثة أودعها فريق «بيكر» موقع «بيو أركايف» (bioRxiv) -المَعْنِيِّ بنشر نسخ الأبحاث الأولية التي لم تُحَكَّم بَعْد بواسطة الأقران- إلى أنهم تمكنوا من التنبؤ ببنية معقدات بروتينية تتكون من 2 إلى 5 مكونات بروتينية، مستخدمين نهجًا يجمع بين «روزيتا فولد» و«ألفا فولد»، وتشير نتائج الدراسة إلى أنها استطاعت التنبؤ بالبنية الهيكلية لــ104 مكوِّنات بروتينية تمثل تقريبًا غالبية العمليات الرئيسة في خلايا حقيقيات النوى، كما أمكنهم اكتشاف 608 بِنى هيكلية لمكوِّنات بروتينية لم يُعرَف شكلها البنيوي من قبل، غير أن هذه البِنَى المكتشفة لم تُودَع بعدُ أيًّا من قواعد البيانات المتاحة حتى الآن.

وعلى إثر هذه الورقة البحثية بأيام قليلة -في 4 أكتوبر/تشرين الأول- أودع فريق «ألفا فولد» ورقة بحثية جديدة على موقع «بيو أركايف» تشير إلى تمكنهم من تطوير خوارزميتهم السابقة حتى يمكنها التنبؤ بالمعقدات عديدة الوحدات البروتينية، غير أن نتائجهم الأولية تشير إلى أن دقة التنبؤ بين الوحدات المتجانسة تكون أعلى من الوحدات غير المتجانسة، ولم تُودَع نماذج المعقدات المقترحة أيًّا من قواعد البيانات المتاحة حتى الآن أيضًا.

وعلى الرغم مما قدمته «ألفا فولد» و«روزيتا فولد» حاليًّا من خطوة واعدة في السباق، فإن هذه النُّهُج المختلفة -على تنوُّعها- لم تحرز أي تقدم يساعد على الفهم الأمثل لعملية طي البروتين، غير أنه من السابق لأوانه الجزم بالتأثير الدقيق الذي سيضفيه الذكاء الاصطناعي على علوم الحياة، لكننا نستطيع القول بأنه سيكون محوريًّا.

وختامًا، فإن الواقع العربي بعيد تمام البعد عن هذا الركب، على الأقل حاليًّا؛ إذ إن المجتمع العربي بأكمله لا يملك سوى وحدة واحدة للتصوير بالمجهر الإلكتروني فائق البرودة في جامعة «كاوست» بالمملكة العربية السعودية، في الوقت الذي تشهد فيه دول العالم وشركات الصناعة والدواء سباقًا محمومًا نحو امتلاك هذا النوع من المعرفة.