على مدى السنوات الماضية، تعددت الأنظمة الغذائية الخاصة بإنقاص الوزن، والتي جرى الترويج لها على أنها يمكنها تأجيل ظهور علامات الشيخوخة وتساعد على البقاء على قيد الحياة لمدة أطول والتمتع بصحة جيدة، وذهبت العديد من الدوائر العلمية إلى أن "تقييد استهلاك السعرات الحرارية ساعد في تأخير ظهور الأمراض المصاحبة للشيخوخة، على الأقل في حيوانات التجارب، ولكن دون فهم كيفية حدوث ذلك".

وفي محاولة للوقوف على مدى مصداقية ذلك، أجرت مجموعة من الباحثين في جامعة واشنطن دراسة نشرتها دورية "ساينس" (Science) اليوم "الخميس"، 18 نوفمبر، استهدفت مراجعة الأبحاث المتعلقة بالتدخلات الغذائية المضادة للشيخوخة، والتي حظيت بدراسة وافية.

يشير الباحثون إلى أن "اللجوء إلى هذه التدخلات الغذائية، مثل الحمية الكيتونية (نظام غذائي يعتمد على الحد من تناول الكربوهيدرات واستبدال الدهون بها) وحمية الصيام المتقطع، بات أمرًا شائعًا، وذلك بالرغم من أن فاعلية هذه التدخلات وسلامتها بالنسبة للبشر ما زالت تحتاج إلى دلائل بعيدًا عن المختبرات".

ويوضح الباحثون أنه "رغم دراسة تأثير هذه التدخلات جيدًا في بعض الحيوانات مثل الفئران والذباب والخميرة، إلا أنه من الصعب معرفة ما إذا كانت تؤثر على الشيخوخة لدى البشر أم لا".

ووفق البيان الصحفي المُصاحب للدراسة، فقد أظهرت الأبحاث حتى الآن أن النتائج الفسيولوجية لهذه التدخلات الغذائية معقدة حتى في أبسط نماذج الحيوانات، كما كشفت عن أوجه تشابه مثيرة للاهتمام بين جميع الأنظمة الغذائية المضادة للشيخوخة، تتمثل في ارتباطها ببروتين يُعرف باسم "هدف الثدييات من الرابامايسين" (mTOR)، ويرتبط هذا البروتين بـ"الأيض والنمو والتكاثر الخلوي"، وقد يوفر هذا المسار هدفًا جزيئيًّا للأدوية التي يمكن أن تكون مفيدةً في زيادة طول العمر مع التمتع بصحة جيدة لدى البشر.

وهناك على الأقل 12 مسارًا جزيئيًّا يمكنها تحديد وتيرة الشيخوخة الفسيولوجية وزيادة طول العمر في الحيوانات، وتتأثر بالعقاقير المُعتمَدَة والتجريبية؛ إذ إن عقاقير مَنْع رَفْض الجسم للأعضاء والأنسجة المزروعة، مثل دواء الرابامايسين، تطيل عمر الديدان والفئران بواسطة إسكات مسار بروتين mTOR، الذي ينظِّم عمليات معينة، بدءًا من تخليق البروتين، حتى تكاثُر الخلايا وبقائها.

من جهته، يوضح "ميشيل لي" –الباحث في مجال القواسم المشتركة بين بيولوجيا السرطان والبيولوجيا الأساسية للشيخوخة، والمشرف على الدراسة- أن "هذا البروتين يُعد عاملًا أساسيًّا في اكتشاف البيئة ومساعدة الخلايا على اتخاذ قرار النمو والتكاثر مقابل إيقاف النمو (السكون)، وبالتالي مقاومة الضغط عليها".

يقول "لي" في تصريحات لـ"للعلم": يمثل توافر الغذاء أحد العناصر الرئيسية التي يقوم هذا البروتين بتقييمها عند اتخاذ قرار النمو والتكاثر مقابل إيقاف النمو، وتبيَّن خلال العقدين الماضيين أن تلك الوظيفة تضع هذا البروتين ضمن أهم العوامل المنظمة للشيخوخة البيولوجية؛ فالنشاط الزائد لهذا البروتين يعني توافر كميات كبيرة من الطعام، وبالتالي التعرض للنمو السريع الذي يُعجل بالتقدم في السن، وفي المقابل، فإن خفض نشاطه من خلال تقييد كم السعرات الحرارية باستخدام أدوية مثل "الراباميسين" ينتج عنه نمو بمعدل أبطأ، ما يؤدي إلى إبطاء ظهور علامات الشيخوخة والتمتع بعمر أطول وصحة أفضل مدةً طويلة.

يضيف "لي": مراجعة الأدبيات الخاصة بهذه الأنظمة الغذائية ألقت الضوء على نقاط محددة، مثل الاهتمام المتنامي بأنظمة غذائية تؤثر بصورة إيجابية على معدل ظهور الشيخوخة وتزيد من التمتع بصحة جيدة لمدد أطول، ومن الأنظمة الشائعة الصيام المتقطع، والتغذية المقيدة بالوقت، وانخفاض البروتين، والحمية الكيتونية، وتقييد السعرات الحرارية، الذي يؤثر تأثيرًا كبيرًا على الشيخوخة البيولوجية؛ إذ أدى التقييد الشديد للسعرات الحرارية إلى زيادة متوسط العمر لدى الفئران بنسبة تزيد على 60%.

ويتابع: لا نعلم حتى الآن ما هو التأثير النهائي لتلك الأنظمة الغذائية المضادة للشيخوخة على صحة الإنسان، وما نعلمه هو أن جميع الأنظمة الغذائية المضادة للشيخوخة تستهدف أجزاءً مختلفة من شبكة بروتينات محمية للغاية، من بينها بروتين "هدف الثدييات من الرابامايسين"، الذي يؤدي تثبيطه إلى حدوث تأثيرات إيجابية على الصحة والعمر عند الفئران.

ومن الأمور التي تدعو للقلق بشأن التوصية باتباع حميات غذائية مضادة للشيخوخة للبشر أن تقييد السعرات الحرارية لا يؤدي دائمًا إلى تأثير إيجابي فيما يتعلق بطول العمر حتى في الفئران وحيوانات التجارب الأخرى؛ إذ تشير بعض الخلفيات الجينية إلى أن تقييد السعرات الحرارية قد يقصر العُمر، ولهذا يتطلب الأمر مراجعةً أكبر للوصول إلى فهم أفضل للتغذية الشخصية قبل توجيه الأشخاص إلى تقييد السعرات الحرارية وغيرها من التدخلات الغذائية الشائعة، كما أن هناك الكثير من الآثار الجانبية لهذه الأنظمة التي لم تُدرس دراسةً كافية مع أنها قد تسبب مشكلات أكثر مما يسببه استخدام دواء الراباميسين، وفق "لي".

ويمضي "لي" قائلًا: إن تقييد السعرات الحرارية والصيام المتقطع يرتبطان بضعف تحمُّل درجة الحرارة وفقدان الرغبة الجنسية والنوم المضطرب، وقد يضعفان التئام الجروح ووظائف المناعة، وقد يكون لهما تأثيرٌ نفسيٌّ ملحوظ، ومن هنا تكمن أهمية تقييم الفوائد والعواقب السلبية للتدخلات الغذائية المختلفة، ولهذا يحدونا الأمل في المستقبل أن نفهم دور الخلايا والجزيئات في الأنظمة الغذائية المضادة للشيخوخة في ظل ظروف معملية شديدة التحكم، بالإضافة إلى تأثير التباين الوراثي والبيئي على النتائج الصحية المرتبطة بتلك النظم الغذائية.