بترحيب وتفاؤل عبَّر علماء من تخصصات مختلفة في منطقة الشرق الأوسط؛ عن الإفتتاح الرسمي للمشروع البحثي "مسرِّع السنكروترون" ’سيزامي‘ (SESAME) اليوم 16 مايو 2017 بعد طول انتظار.

فبالقرب من مدينة السلط الأردنية، وعلى بعد 30 كيلومترًا من العاصمة عمان، تم إنشاء المشروع الفيزيائي النووي، والذي يُعَد الأول من نوعه في المنطقة، لكي يصبح قبلة للشركات والمؤسسات البحثية، وأبرزها الشركات العاملة في مجالات أدوية أمراض السكري وفيروس "سي" والسرطان وغيرها.

ويعتمد إنتاج أشعة السنكروترون على إحداث تصادمات بين ذرات المادة، وهو ما يتولد عنه حبيبات ضوئية تسمى "فوتونات" يمكنها تخزين الطاقة. من خلال الدور الذي يؤديه المسرِّع، تُصدِر الفوتونات حزمة من الأطياف الكهربائية المغناطيسية، منها الأشعة تحت الحمراء والأشعة السينية.

وتمتد أهمية هذه الأشعة للعلماء لمجالات كثيرة؛ لقدرتها على سبر أغوار المادة والخروج بصورة شديدة الدقة لمكوناتها. ويُستخدم هذا المُسرِّع في الفيزياء لدراسة اصطدام الجسيمات بذرات مواد مختلفة كالحديد والألومنيوم وقياس نتائج الاصطدام، وكذلك في التصوير الإلكتروني وفي الطب لعلاج الأورام الخبيثة بالأشعة السيكلوترونية. 

ويشارك في إدارة المشروع العملاق حاليًّا 9 دول، هي: مصر وإيران وإسرائيل والبحرين والأردن وباكستان وتركيا وفلسطين وقبرص، إضافة إلى عدد كبير من المراقبين، كالصين والبرازيل والاتحاد الأوروبي وسويسرا والولايات المتحدة والسويد وبريطانيا.

"المشروع يهدف في الأساس لتعزيز مبدأ "دبلوماسية العلوم والتكنولوجيا" وبناء جسور الثقة بين مختلف شعوب المنطقة"، هكذا عبر كريس سميث، رئيس مجلس إدارة "سيزامي" عن رأيه في المشروع، آملًا أن يمثِّل المشروع نموذجًا لكيفية تجاوُز الأفراد والشعوب للخلافات والانقسامات العميقة فيما بينهم، والعمل معًا بما يحقق الخير للجميع".

وأضاف في حديثه لـ"للعلم" أن الدول المشارِكة في المشروع ستتقاسم الأعباء المالية من تكاليف التشغيل وغيرها، كما ستملك حق استغلال المركز في الأبحاث العلمية.

القطاع الخاص ركيزة للتمويل

قال الدكتور طارق حسين -أستاذ العلوم النووية، وممثل مصر في مشروع سيزامي- إن توافر تمويل ثابت للمشروع يستلزم جذب الشركات العاملة في مجال الأدوية والتطبيقات العلاجية كمصدر تمويل أساسي.

وأضاف حسين -الرئيس السابق لأكاديمية البحث العلمي- لـ"للعلم": إن مشروعات السنكروترون المنتشرة حول العالم، تتركز مصادر تمويلها بشكل أساسي على الشركات التي تستهدف استخدام البوليمرات وتقنيات النانو تكنولوجي، في تصنيع الأدوية والعقاقير الطبية، عبر إجراء أبحاث تطبيقية على الأدوية الجديدة، واستخدام أشعة السنكروترون لدراسة المواد على مستوى الجزيئات.

وأكد حسين، أن المشروعات المستقبلية لـ"سيزامي" ستتركز على دراسة مشروعات "الكريستالوجرافي" (Crystallography)، وهو علم دراسة وتصوير البلورات باستخدام الأشعة السينية (X-Rays).

ويشرح حسين أن تطبيقات السنكروترون تشمل العديد من المجالات، أبرزها استخدام أشعة السنكروترون في التطبيقات الدوائية والعلاجية، ومنها أبحاث تتعلق باكتشاف وتجربة أنواع جديدة من علاجات فيروس الكبد الوبائي "سي"، واستخراج الإنسولين، الذي يستخدمه مرضى السكري، من مصادر نباتية وليست حيوانية، كالإنسولين المشتق من بنكرياس الحيوانات كالأبقار والخنازير كما جرت العادة.

وأشار إلى أن بعض الأبحاث المزمع إجراؤها في المركز ستتركز على دراسة خواص الإنسولين النباتي ومدى تطابقها مع الإنسولين الحيواني. في حالة نجاح تلك الأبحاث، ستُحدث طفرة في صناعة الدواء، نظرًا لانخفاض سعر الإنسولين المستخرج من مصادر نباتية.

وشدد طارق حسين على أهمية مشاركة مصر في مثل هذا المشروع، لما يعود عليها من نفع في كافة المجالات والمشروعات والتطبيقات التي سيتم إجراؤها في "سيزامي".

الباحثون المصريون

فيما أكد الدكتور أحمد علي الببلاوي -أستاذ الفيزياء المساعد بجامعتي زويل وحلوان، والذي شارك في بناء المسرِّع في مراحله الأولية- أن فائدة المشاركة المصرية في المشروع تتمثل في عنصرين: الأول معرفة تكوين المواد المختلفة من ناحية تركيب المواد على مستوى الجزيئات، وهذا يعود بالنفع على التطبيقات الخاصة بالأدوية والعلاجات بالإضافة للمواد الأولية للصناعة.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم"، أن معرفة تركيب المواد على مستوى الجزيئات تُسهِم في تطوير أدوية تتناسب مع نشاط الفيروسات داخل الخلية.

وأشار إلى أن العنصر الثاني يتمثل في الاستفادة من المشروع لأغراض طبية علاجية من خلال استخدام الإشعاع الذي يخرج من المُسرع لعلاج أمراض السرطان، لكن ذلك يتطلَّب سفر المريض إلى الأردن للاستفادة من تلك الميزة.

الربيع العربي

وعن التكلفة السنوية للمشروع، أشار سميث إلى أن ميزانية عام 2016، بلغت 3.6 ملايين دولار أمريكي، وكان من المخطط أن ترتفع ميزانية عام 2017 إلى 4.4 ملايين دولار أمريكي، لكن حتى الآن هناك دول مشاركة في المشروع لم تدفع المساهمة المتَّفق عليها في عام 2016.

وتوقع سميث أن تفي جميع الدول المشاركة في المشروع بالتزاماتها المالية لعام 2017، مشيرًا إلى أن المشاركين رغم محدودية ميزانياتهم المخصصة للبحث العلمي نسبيًّا، فإنهم حريصون على الإسهام في الموازنة التشغيلية للمشروع، وهناك دول -مثل إيران وإسرائيل والأردن وتركيا- قدمت على وجه الخصوص إسهامات مهمة في الموازنة المالية للمشروع، بالإضافة إلى المنح النقدية السخية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي وإيطاليا، والمساهمات العينية من عدد آخر من الدول.

ونوَّه إلى أن المشروع لم يواجه عقبات تذكر، لكن الاضطرابات السياسية بالمنطقة وانعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية، جعلت من الصعب على كثير من الدول الأعضاء الالتزام بمساهماتها في المشروع في الوقت المحدد.

وتابع: "على سبيل المثال إيران لم تلتزم بدفع حصتها في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، كما أدت التغييرات المتعاقبة للحكومات في مصر ونقص العملات الأجنبية إلى تأخُّر مصر عن دفع مساهماتها بالمشروع، رغم التزامها بدفع حصتها قبل 2016".

عقبات تمويلية

وعن العقبات التي تواجه المشروع، كشف سميث أنه عندما يبدأ تشغيل المشروع بكامل طاقته فإن الميزانية التشغيلية سترتفع إلى مستوى لا يمكن تحمُّله، لأن ذلك سيستهلك الكثير من الطاقة. لذا تخطط إدارة المشروع لبناء محطة للطاقة الشمسية، ليصبح "سيزامي" أول مُسرع يعمل بالكامل بالطاقة المتجددة.

ويرى سميث أن العقبة الرئيسية التي تواجه المشروع حاليًّا هي توفير الأموال اللازمة لبناء وتشغيل مرفقه بشكل كامل من الدول الأعضاء استعدادًا للانطلاق الرسمي، "أتوقع أن تتحمس الدول الأعضاء لدعم المشروع بشكل أكبر بمجرد بدء ظهور الفوائد العلمية له في مجالات الطب وعلم الأحياء والفيزياء والكيمياء وعلوم المواد وعلم الآثار".

وشدد على أن هناك خطوات فعلية لتقليل تكلفة المشروع ولضمان استدامته، منها إيجاد التمويل اللازم لبناء محطة الطاقة الشمسية لتشغيل المشروع بالطاقة النظيفة، فمن دونها سترتفع فاتورة التشغيل بالطاقة الكهربائية إلى 4.44 ملايين دولار أمريكي بحلول عام 2019، بالإضافة إلى ضم دول جديدة في المنطقة للمشروع؛ لتقسيم الميزانية على عدد أكبر.