كيف تؤثر الصدمات التي واجهتها النساء اللاتي عانين من الاتجار بالجنس على دورهن كأمهات؟ سؤال حاولت الإجابة عنه دراسة نشرتها دورية "بلوس ون" (PLOS ONE) مؤخرًا.

تشير الدراسة، التي أُجريت على مهاجرات من المكسيك وأمريكا الوسطى، إلى أن النساء الناجيات من الاتجار بالجنس في الولايات المتحدة قد يواجهن تحديات كأمهات، مثل الشعور المفرط برغبتهن في حماية ذويهن، والانسحاب العاطفي في اللحظات العصيبة، وصعوبة بناء الثقة بأنفسهن كأمهات.

توضح ماريا مارتي كاستانير –الأستاذة في كلية العلوم الصحية بجامعة كوبنهاجن الدنماركية، والباحثة الرئيسية في الدراسة- أن "الفريق البحثي ركز على تجارب الأمومة بالنسبة للناجيات من الاتجار بالجنس واللاتي قدِمن إلى الولايات المتحدة من المكسيك وأمريكا الوسطى، خاصةً أن هناك القليل من الأطروحات التي ركزت على هذه الفئة".

تقول "كاستانير" في تصريحات لـ"للعلم": رصدت الدراسة التجارب المعيشية لهؤلاء النساء، ومنحتهن منبرًا للتعبير عن أنفسهن ووصف تجاربهن بكلماتهن الخاصة، وتكمن أهمية هذه الدراسة في أن معظم الدراسات السابقة ركزت على مشكلات هذه الشريحة النفسية والمعيشية، بينما لم تتعرض للمشكلات الخاصة بأدوارهن كأمهات.

وتتابع: الوقوع ضحيةً للاتجار بالجنس يخلق مجموعةً من التحديات بالنسبة للنساء بصورة عامة، لكن إنجاب طفل بالتحديد بعد التعرُّض لتلك التجربة يساعد الضحايا على إيجاد معنى لحياتهن، لكنهن قد لا يجدن سوى دعم اجتماعي محدود في بيئتهن، وأتاحت لنا الأساليب النوعية العثور على هذه الفروق الدقيقة ووصف تعقيد مسألة الأمومة بعد النجاة من الاتجار بالجنس.

والاتجار بالجنس هو نوع من الاتجار بالبشر بغرض الاستغلال التجاري، ويتسع نطاق انتشاره عالميًّا ليبلغ 4.5 ملايين ضحية (98% منها من النساء أو الفتيات)، وفق تقديرات منظمة العمل الدولية.

وتُعد الولايات المتحدة الأمريكية إحدى الأسواق الأربع الكبرى في العالم التي تتحكم في سوق الجنس، ورغم عدم وجود أرقام دقيقة، تشير بعض التقديرات إلى أن ما بين 15 ألفًا إلى 50 ألف شخص يتعرضون لتجارة البشر سنويًّا في الولايات المتحدة، ويشكل النازحون من المكسيك -أمريكا الوسطى- الشريحة الكبرى من ضحايا الاتجار بالجنس، ومع ذلك فإن تجارب هؤلاء الضحايا واحتياجاتهم لم تحظَ باهتمام كبير.

تشير الدراسة إلى أن النساء اللاتي مررن بهذه التجربة تعرضن في كثير من الأحيان لصدمات مختلفة من جرَّاء الاستغلال الجنسي والنفسي والعنف والابتزاز خلال فترة زمنية طويلة، فعلى سبيل المثال، يتم بيعهن لممارسة الجنس لمدة 15 دقيقة، وذلك ما بين 15 إلى 20 مرة في اليوم الواحد، ويزداد هذا المعدل ليتراوح ما بين 25 إلى 35 مرة في عطلة نهاية الأسبوع؛ حتى تعتبر الفتاة "مفيدة" لمَن يتاجر بها.

تقول "كاستانير": إذا لم تحقق الضحية الحصة المطلوبة منها، فقد تتعرض للضرب والتهديد والطعن والتجويع والحرمان من النوم، وغير ذلك من أشكال التعذيب الممنهج، وهو الأمر الذي يترتب عليه كثير من المشكلات النفسية والصحية.

أخضع الباحثون في هذه الدراسة 14 سيدة من أصول مكسيكية ومن أمريكا الوسطى تراوحت أعمارهن بين 20 و36 عامًا يُقمن في الولايات المتحدة منذ أكثر من خمسة أعوام ولديهن وقت إجراء الدراسة طفلٌ لا يزيد عمره على 5 أعوام (يتراوح عمره بين شهرين و5 أعوام)، وكان لدى أربع من المشارِكات في الدراسة أطفال قبل تجربة الاتجار، أما أربع أُخريات فقد أنجبن أطفالًا في أثناء تجربة الاتجار، وكانت معظم المبحوثة حالتهن من ذوات الدخل المنخفض أو الفقيرات اللاتي لم يحصلن سوى على التعليم الثانوي أو ما قبله واللاتي أُجبرن على ممارسة البغاء عند سن 19 عامًا، كما أن ثلث أفراد العينة أُجبرن على ذلك قبل بلوغ هذه السن.

تضيف "كاستانير": استغرقت المقابلات ما بين ساعة إلى ساعتين، واستهدفت التعرف على تجارب المشارِكات واحتياجاتهن بعد تعرضهن للاتجار الجنسي، وأجرينا استبانات تم التحقق من صحتها لتقييم حالتهن العقلية الحالية (الاكتئاب والقلق والتوتر بعد الصدمة).

وتوصلت الدراسة إلى أن 11 مشارِكة سجلن درجة مخاطر لاضطراب نفسي واحد، بينما كان 4 منهن أكثر استعدادًا للتعرض لأكثر من اضطراب.

وتوصي "كاستانير" بـ"أن تحصل الناجيات من الاتجار بالجنس اللاتي يحملن أو ينجبن على دعم نفسي اجتماعي خلال الانتقال إلى مرحلة الأمومة"، مضيفةً: "الأمومة قد تأتي قطعًا بفرح وقلق لأي أم، وبالنسبة للناجيات من الاتجار بالجنس قد تتفاقم المخاوف والقلق بالنظر إلى التجارب المؤلمة التي مررن بها، ويجب أن يكون مقدمو الرعاية الصحية والمنظمات غير الحكومية على دراية بهذا الأمر، وتوفير الدعم الصحي والعقلي لهن بما يضمن خلق علاقة صحية بين الأم والطفل".