تمكن فريق بحثي بجامعة "لندن كوليدج" من التقاط أوضح صورة للبكتيريا على الإطلاق، ما يكشف عن البنية المعقدة للغلاف الخارجي الواقي المحيط بالبكتيريا، وهو الغشاء الذي يجعل من الصعب القضاء عليها بالمضادات الحيوية.

ولدى العديد من أنواع البكتيريا الشائعة، مثل الإشريكية القولونية، غشاء خارجي يعمل بمنزلة غشاءٍ واقٍ أو "جدار من الطوب" الجزيئي يحميها من البيئات القاسية، مما يجعل من الصعب قتلها بالمضادات الحيوية، ويتكون هذا الغشاء على سطحه من كتل جزيئية مختلفة، لا سيما الجزيئات الدهنية ذات سلاسل السكر الطويلة المعروفة باسم (الجليكوليبيدات) والبروتينات، وفق الدراسة التي نشرتها دورية "بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسز" (PNAS)، اليوم الإثنين، 25 أكتوبر.

يقول "بارت هوجنبوم"، الأستاذ في مركز لندن لتقنية النانو بجامعة "لندن كوليدج"، والمؤلف المشارك في الدراسة: كان العلماء يعتقدون أن تلك الكتل الجزيئية يختلط بعضها ببعض بشكل عشوائي إلى حدٍّ ما، لكن نتائج هذه الدراسة أظهرت أن الأمر ليس كذلك تمامًا، وأن الجدار الجزيئي لهذه الأغشية الواقية غير مكتمل إلى حدٍّ ما، وأنه يكشف عن مناطق غنية بالجليكوليبيدات ومناطق غنية بالبروتينات، وقد يحتوي "جدار الطوب" الذي يحمي البكتيريا على تحصينات قوية ونقاط ضعف قد نتمكن من اختراقها.

يضيف "هوجنبوم" في تصريحات لـ"للعلم": نأمل أن تساعد تلك الصورة الواضحة على استكشاف الغلاف الواقي بشكل أكبر، ولكن كدليل أولي فقد وجدنا أن الغشاء عندما نُضعفه عن عمد باستخدام طفرات معينة، فإن ذلك يؤدي إلى ظهور نقاط ضعف جديدة فيه.

ويُعد ذلك الاكتشاف مهمًّا للغاية؛ إذ يمنع الغشاء الخارجي الصلب للبكتيريا سالبة الجرام بعض الأدوية والمضادات الحيوية من اختراق الخلية، ويمثل سببًا من أسباب مقاومة مضادات الميكروبات لهذه البكتيريا، والتي تمثل الآن تهديدًا أكبر من تلك التي تسببها البكتيريا موجبة الجرام مثل المكورات العنقودية الذهبية المقاومة، ويُعد الغشاء الخارجي للبكتيريا بمنزلة حاجز صد هائل ضد المضادات الحيوية، وهو عامل مهم في جعل البكتيريا المعدية مقاوِمةً للعلاج الطبي.

يقول "هوجنبوم": يعرف الباحثون كثيرًا من الأشياء عن الغشاء الخارجي للبكتيريا سالبة الجرام، لكننا لا نعرف كيف يتم ترتيب جزيئاته، وتكشف الدراسة عن كيفية تنظيم هذه الأغشية، وبالتالي يمكننا أن نفهم بشكل أفضل كيف يمكن للبكتيريا أن تتحمل مجموعةً واسعةً من الظروف البيئية وتعيش فيها، وربما كيف يمكننا استهدافها بشكل أفضل بالمضادات الحيوية.

تُظهر الصورة أن الغشاء الخارجي الكامل للبكتيريا محشو بالثقوب المجهرية المكونة من البروتينات التي تسمح بدخول العناصر الغذائية وتمنع دخول السموم في الوقت ذاته، وعلى الرغم من أن الغشاء الخارجي كان معروفًا باحتوائه على العديد من البروتينات، فإن هذه الطبيعة المزدحمة بشكل عشوائي كانت غير متوقعة.

وكشفت الصورة أيضًا وجود العديد من المناطق التي لا يبدو أنها تحتوي على بروتينات، وأن هذه المناطق تحتوي على الجليكوليبيدات التي توجد عادةً على سطح البكتيريا سالبة الجرام، وتظهر تلك المواد بشكل مختلف وتبدو كالبثور.

ووفق الباحثين، فإن "تلك البثور حساسة للغاية لمضاد حيوي شائع يُسمى "باسيتراسين"، وهو مضاد حيوي فعال عادةً فقط ضد البكتيريا إيجابية الجرام، ولا يعمل ضد البكتيريا سالبة الجرام".

يقول "هوجنبوم": أعتقد أن جزءًا من نتائج هذا العمل هو إظهار كيف يمكن أن تكون البكتيريا جميلةً عند رؤيتها بمقياس نانوي حتى مع وجود بقع، كما تُظهر أن البكتيريا يُمكن أن تكون مفيدةً للغاية ولكنها قد تسبب أيضًا التهاباتٍ خطيرةً يمكن أن تكون مميتةً إذا لم تُعالَج بالمضادات الحيوية، فعلى سبيل المثال، عادةً ما تعيش الإشريكية القولونية بسلام في أحشائنا وتساعد على هضم الطعام الذي نتناوله، ولكنها أيضًا تكون مصدرًا شائعًا للعدوى.

ويتابع: ينشأ السلوك البكتيري في النهاية من كيفية تكوين أغشية البكتيريا وتنظيمها، وتُظهر الدراسة أن هذا التنظيم الجزيئي أو الهندسة المعمارية يمكن أن يكون مفاجئًا للغاية.

يُذكر أن الدراسة شارك فيها باحثون من جامعتي "برنستون" الأمريكية و"أكسفورد" البريطانية، ومولتها "مؤسسة الأبحاث والابتكار في المملكة المتحدة" و"مجلس البحوث الأوروبي" و"وزارة الأعمال والطاقة والإستراتيجية الصناعية في المملكة المتحدة".