يقضي جانلوكا سترينجيني الكثير من وقته في دراسة الجوانب المظلمة من عالم الإنترنت. وبصفته باحثًا في الجرائم الإلكترونية في كلية لندن الجامعية، فقد درس فيروس الفدية ransomware، والمواقع الاحتيالية للمواعدة الغرامية وغسيل الأموال. وفي شهر مايو، نشر فريقه ورقتين بحثيتين تستكشفان كيفية انتشار الخطابات المفعمة بالكراهية والأخبار الزائفة عبر مختلِف المواقع على الإنترنت، وانصب تركيز الفريق على منصات الرسائل في موقع "فورتشان" 4chan سيئ السمعة.

وفي ورقة بحثية نُشرت في أحد المؤتمرات الأكاديمية، عمل الباحثون على تحليل 8 ملايين منشور على منصة "الأخبار السياسية غير الصحيحة (/pol/) على موقع "فورتشان" وتعقبوا كيف يقوم المستخدمون "بغزو" المواقع الأخرى من خلال نشر تعليقات تحريضية. وفي نسخة أولية قبل الطباعة وُضِعت على خادم موقع "أركايف"، وهو بمنزلة أرشيف للمسودات العلمية، تتبع الباحثون التفاعلات بين أربع منصات على موقع "فورتشان" وغيرها من المواقع الاجتماعية عبر الإنترنت، مثل "تويتر" و"ريديت"، لدراسة كيف تقوم المواقع بمشاركة الروابط من المواقع الإخبارية المزيفة المعروفة، أو مما يطلق عليه الفريق البحثي مصادر الأخبار "البديلة"، مثل شبكة آر تي (RT) (التي كانت تُعرف سابقًا باسم روسيا اليوم). وقد تحدث سترينجيني إلى دورية Nature عن البحث الذي أجراه.

ما الذي دفعك لإجراء بحث على موقع "فورتشان"؟

في الواقع لا أحد يدرس هذه المجتمعات، ولكن هناك الكثير من الأدلة السردية تشير إلى أن لها تأثيرًا على العالم الواقعي من خلال نشر أنواع معينة من الأخبار، ومن ثَم أردنا أن نفهم ما إذا كان هذا صحيحًا أم لا، وإلى أي مدى تؤثر على باقي المواقع على شبكة الإنترنت.

وقد بدأنا بدراسة موقع "فورتشان" فقط، واخترنا منصة الأخبار السياسية غير الصحيحة والتي يجتمع فيها معظم المستخدمين الذين ينتمون إلى "اليمين البديل" لمناقشة آرائهم فيما يحدث في العالم. وبدأنا بمحاولة فهم ديناميكية عمل هذه المجموعات وهذه الخدمة. ويختلف موقع "فورتشان" عن معظم المواقع الأخرى في أن ما يُنشر عليه تكون هوية صاحبه مجهولة والمنشورات تكون مؤقتة، أي أنها تُحذف بعد وقت قصير.

كيف بدأت في التعامل معه؟

قمنا بتطبيق عدد من الأساليب، فاستخدمنا قاعدة بيانات تنطوي على بعض مصطلحات الكراهية؛ لمعرفة أبرز هذه المصطلحات، وما هي مواقف الخطابات المفعمة بالكراهية؟ وما إلى ذلك.

وقد كانت نسبة المنشورات في منصة الأخبار السياسية غير الصحيحة التي تنطوي على خطاب مفعم بالكراهية 12%، في حين أن النسبة كانت 2% على تويتر. ودعنا نقول إنها نسبة أعلى إلى حد معقول، غير أنها ليست دقيقة تمامًا؛ لأننا استخدمنا قائمة معتمدة على كلمات مفتاحية محددة، ومن ثم فربما لم نتوصل إلى بعض خطابات الكراهية التي لا تنتمي ببساطة إلى أيٍّ من الفئات المحددة مسبقًا. وبعد فهم آلية العمل هذه، بدأنا ندرس كيف يؤثر موقع "فورتشان"، ومنصة الأخبار السياسية غير الصحيحة تحديدًا، على باقي المواقع على الشبكة.

ومن هنا جاء موضوع الورقة البحثية حول "غزو" موقع "فورتشان" للمواقع الأخرى، أليس كذلك؟ وهل كنت تظن من قبل أن هذا الأمر يحدث بالفعل؟

نعم، إن أوجه القصور فيما فعله أعضاء المجتمع البحثي حتى الآن هي أنهم كانوا ينظرون إلى الخدمات بمعزل عن بعضها. ثمة الكثير من الأعمال والأبحاث التي تسعى لفهم كيفية حدوث الهجمات على مواقع تويتر أو يوتيوب أو فيسبوك، ولكن لا تتوافر الكثير من الأبحاث حول مصدر هذه الهجمات أو أسبابها.

ونظرًا لأن منصة الأخبار السياسية غير الصحيحة هي منصة بغيضة للغاية، فقد رأينا عمليًّا أنه على الأرجح سيضع الأعضاء روابط تشعبية إلى مقاطع فيديو على موقع يوتيوب تعارض آراءهم. ربما تكون مقاطع فيديو تؤيد المساواة بين الجنسين أو الحركة النسوية أو التسامح، ثم سيطلبون من الأعضاء الآخرين مهاجمة هؤلاء الأشخاص الذين يدعمون هذه الآراء.

ومن ثَمَّ، ستكون لدينا إشارة على موقع "فورتشان" إلى أن هذا الرابط قد نُشر وأن الأعضاء الآخرين سيتحدثون عنه، ثم نرى ما إذا كان بإمكاننا ملاحظة التأثير على التعليقات على ذلك الفيديو على موقع يوتيوب. لقد استخدمنا في الأساس تقنيات معالجة الإشارات التي استُخدمت في إشارات الراديو لفهم مدى التزامُن بين هاتين الإشارتين. وقد وجدنا ارتباطًا قويًّا بين زيادة التعليقات على موقع يوتيوب في أثناء فترة وجود الرابط على موقع "فورتشان" وكذلك كم التعبيرات المفعمة بالكراهية في تلك التعليقات. وقد منحنا هذا دليلًا على أن هذه الهجمات أو هذا "الغزو" يحدث بالفعل، وستكون هذه الحقائق أساس بعض الأبحاث المستقبلية. والسؤال الذي يطرح نفسه أمامنا الآن هو: "ماذا بعد"؟ ماذا بوسعنا أن نفعل حيال هذا الأمر؟

وهل هناك ما يسعنا فعله؟

هذا يمنحنا فرصة تحديد مقاطع الفيديو المعرضة لخطر الهجوم. إذا كان موقع يوتيوب يستخدم فقط المنصة الخاصة به للتعرف على الهجمات، فلن يمكنه تحديدها إلا في أثناء وقوعها، ولكن إذا كان يضع في الاعتبار عوامل أخرى أيضًا –مؤشر أن هناك شخصًا ما يتحدث عن هذ الفيديو بأسلوب بغيض على منصة أخرى– فربما يمكن للموقع البدء في مراقبة التعليقات بحرص أكثر، أو ربما -نظرًا لكون عمر المنشورات على موقع "فورتشان" قصيرًا- يجب أن يقوم موقع يوتيوب بإيقاف التعليقات على الفيديو طوال مدة وجود المنشور على موقع "فورتشان".

في الورقة البحثية التي نشرتها على موقع "أركايف"، أوضحت أن منصات "فورتشان" يمكنها التأثير على مشاركة المصادر الإخبارية الأخرى.

لقد درسنا في هذه الورقة البحثية ما إذا كان في حالة وقوع حدث على إحدى منصات الإنترنت (على سبيل المثال، نشر رابط تشعبي لخبر ما)، فإن الحدث نفسه يقع على منصة أخرى. على سبيل المثال، هل يمكن لرابط الخبر نفسه بالضبط المنشور على منصة الأخبار السياسية غير الصحيحة على موقع "فورتشان" أن يشق طريقه إلى موقع تويتر مثلًا. واستخدمنا نهجًا رياضيًّا يُطلَق عليه "نمذجة عملية هوكس"، والذي يمكننا فيه القول بثقة إن حدثًا ما يرتبط بحدث سابق وقع بالفعل.

ولهذا أجرينا هذه الدراسة، وهي الدراسة الأولى من نوعها التي تتعقب العلاقات والروابط بين الخدمات. لقد كانت هناك بعض الأعمال بالفعل حول دراسة الأخبار المزيفة والبديلة، إذ يدرس الباحثون كيفية انتشار الأخبار البديلة على تويتر، على سبيل المثال، وكيف يقوم الناس بإعادة مشاركتها. غير أن هذه الخدمات لا تعمل بمعزل عن العالم الافتراضي حولها، بل هي جزء من الشبكة الكبرى. وهذه المواقع هي التي تُنشر عليها الأخبار البديلة وتتحدث عنها وتختلق هذه المؤامرات المجنونة وكل هذا، وقد أردنا أن نفهم ما إذا كان لهذا الأمر تأثير على الشبكة الأكبر فعليًّا.

وقد توصلنا إلى أن تويتر يؤثر بقوة على الخدمات الأخرى، وهو أمر منطقي. إذ يرى مستخدمو منصة الأخبار السياسية غير الصحيحة وموقع "ريديت" الأخبار على موقع تويتر، فينشرون الأخبار على المنصتين الأُخريين ويتحدثون عنها. غير أننا وجدنا أن العكس يحدث أيضًا. وكي أوضح لك بمثال، فقد وجدنا أن ما يقرب من 12% من الأخبار البديلة على منصة الأخبار العالمية Worldnews –واحدة من المنصات الإخبارية الرئيسية على موقع "ريديت"– مصدرها موقع "فورتشان"، وأكثر من 16% من الأخبار البديلة على المنصة نفسها مصدرها منتدى The_Donald، جزء محدد من موقع "ريديت" يستخدمه أنصار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

هل كانت قراءة كل تلك المنشورات تجربة بغيضة؟

لا شك أنها تجربة كريهة، وقراءة تلك المنشورات من الأمور البغيضة. ولكني وزملائي اعتدنا تطبيق أفضل الممارسات في هذا الشأن: فكنا ننصح أي شخص يعمل معنا بألا يقضي الكثير من وقته باستمرار على أحد تلك المواقع، وأن يأخذ أوقات استراحة، بل وكنا نمزح فيما بيننا ونخبر مَن يعمل على هذه المواقع أن يذهب من حين لآخر وينظر إلى صور القطط.

 

تم تحرير هذا الحديث لاختصاره وتوضيح بعض الأجزاء.

أُعيدَ نشر هذا المقال بعد الحصول على تصريح، وقد نُشر للمرة الأولى في 9 يونيو 2017.