تواجه مصر أزمة كبيرة تتعلق بمصادر المياه في الوقت الذي يزيد فيه الطلب عليها. ويستهلك القطاع الزراعي وحده أكثر من 85٪ من إيراد مصر المائي المهدد بالتراجع، مع قرب نهاية إنشاء سد النهضة على منابع النيل في دولة إثيوبيا.

ومع دخول مصر ما يُعرف بمرحلة ندرة المياه، وفق ما أعلنه محمد عبد العاطي- وزير الري المصري- قبل أسبوعين، تبرز الحاجة إلى حلول غير تقليدية لمواجهة الطلب المتزايد على المياه، وبخاصة للأغراض الزراعية.

أحد هذه الحلول، هو ما تقترحه دراسة حديثة، أعدها باحثان مصريان، أحدهما من جامعة المنصورة، والآخر من مركز البحوث الزراعية، للتغلب على النقص المتوقع في المياه، باستخدام مجموعة من المركبات الكيميائية، مثل مركبات الشيتوزان والسيليكون، التي تندرج تحت مسمى المركبات المنشطة للنبات حيويًّا، والتي تعزز عملية انقسام الخلايا ونموها، والمضادة على الجانب الآخر لعملية النتح، التي تتسبب في فقدان النبات لكميات كبيرة من المياه.

ووفقًا لمنظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، يُقصد بندرة المياه وجود فجوة بين العرض المتاح والطلب على المياه العذبة في منطقة معينة. بينما يُعَد الشح أو الإجهاد المائي أحد مؤشرات التنمية المستدامة التي تختص بتحديد الدولة لمواردها المائية على مستوى الكميات المتاحة فعليًّا، والمطلوب الحصول عليها للأغراض المختلفة، وكيفية إدارتها لها.

مصدر حيوي

وفق نتائج الدراسة التي نشرتها مجلة "أجريكلتشرال ووتر مانجمنت"، فإن استخدام السيليكون أو الشيتوزان منفردين أو مختلطين معًا، تحت ظروف الري الطبيعية أو تحت ظروف الجفاف، أدى إلى زيادة نمو النبات وصبغات البناء الضوئي، مقارنةً بالنباتات غير المعاملة بهذه المركبات. وتنشِّط هذه المركبات عددًا كبيرًا من الإنزيمات داخل النبات، ما يعزز عملية البناء الضوئي، ويحافظ على المحتوى المائي للخلايا من خلال سد الثغور بين خلايا النبات، مع تخفيض درجة حرارة الأوراق النباتية، وبالتالي تقليل معدلات النتح وفقدان الماء، بالإضافة إلى دورها في تقليل الإجهاد البيئي الذي يتعرض له النبات نتيجةً لظروف نقص المياه.

أُجريت التطبيقات العملية لهذه الدراسة على محصول القمح المصري صنف "جميزة 9"، في أراضٍ رملية مستصلحة حديثًا في منطقة النوبارية (شمال مصر)، في الفترة من 2014 إلى 2016. ويمكن الحصول على الشيتوزان من مخلفات الحيوانات البحرية القشرية مثل الكابوريا والجمبري والإستاكوزا، كما يمكن استخلاصه معمليًّا من بعض الفطريات. أما عنصر السيليكون، فهو أحد العناصر المهمة في زيادة إنتاجية النباتات وتحمُّلها للظروف البيئية المختلفة، وبصفة خاصة مع العائلة النجيلية مثل الذرة والقمح والشعير، ويمكن الحصول عليه من المصادر الطبيعية مثل قش الأرز.

وتتفق دراسة نُشرت في يناير 2017 مع نتائج الدراسة الحالية في فوائد استخدام الشيتوزان لمساعدة النبات على تحمُّل ظروف الجفاف، ووفق الدراسة فإن مركبات الشيتوزان تُستخدم كمصدر حيوي جيد وفعال في زيادة إنتاجية النباتات ودفعها لتحمُّل الإجهاد البيئي، بشقيه الحيوي أي الأمراض والآفات الحشرية، وغير الحيوي مثل ظروف الجفاف والملوحة، والعناصر الثقيلة الموجودة في التربة.

ويؤدي استخدام السيليكون أو الشيتوزان منفردين أو مختلطين (والطريقة الأخيرة هي الأفضل من وجهة نظر الباحثين في الدراسة) تحت ظروف الري العادية أو تحت ظروف نقص المياه، إلي زيادة محصول النبات ومكوناته، وعدد من صفات جودته. 

على سبيل المثال، تحت الظروف الطبيعية، يؤدي رش النبات بالسيليكون مع الشيتوزان إلى زيادة محصول الحبوب بنسبة تتراوح بين 64 و74%، ومحصول القش بنسب تتراوح بين 41 و49٪، كما يزيد محتوى الحبوب من الكربوهيدرات بنسب تتراوح بين 12 و16٪، ومحتوى الحبوب من البروتين بنسب تتراوح بين 24 و40٪ في كلا موسمي الزراعة مقارنة بالنباتات غير المعاملة أي التي تُروى طبيعيًّا. والقمح في مصر من النوع الربيعي الذي يُزرع في شهري أكتوبر ونوفمبر، كما يمكن زراعته بنسبة قليلة جدًّا في بداية ديسمبر.

أما في حالة الجفاف، فيمكن استخدام المعاملة نفسها على النباتات التي تُروى بـ40% فقط من الاحتياجات المائية للنبات، ما يؤدي إلى زيادة محصول الحبوب بنسب تتراوح بين 44 و67٪، وزيادة إنتاج القش بنسب تتراوح بين 31 و75٪، كما يزيد محتوى الحبوب من الكربوهيدرات بنسب تتراوح بين 14 و24٪، ومحتوى الحبوب من البروتين بنسب تتراوح بين 32 و45٪ في موسمي الزراعة، مقارنة بالنباتات غير المعاملة المتأثرة بالجفاف.

ويُعَد النصف الأول من شهر نوفمبر هو أفضل ميعاد لزراعة القمح في الوجه القبلي، أما النصف الثاني من شهر نوفمبر فهو أفضل ميعاد لزراعته في الوجه البحري.

عملية الرش

يقول سعد فاروق -أستاذ النبات الزراعي بكلية الزراعة في جامعة المنصورة، والمؤلف الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن نقص المياه والجفاف من أهم العوامل البيئية المحددة لنمو المحاصيل وإنتاجيتها، والتي تؤثر على حوالي 40 إلى 60٪ من الأراضي القابلة للزراعة على مستوى العالم. ويؤدي نقص المياه إلى نقص في إنتاجية المحاصيل المختلفة بنسبة تتراوح بين 17 و70٪ نتيجةً لإحداث العديد من التغيرات المورفولوجية والتشريحية والبيوكيميائية في النباتات"، موضحًا أنه "وفقًا للطريقة المتبعة في الدراسة، يتم رش نبات القمح بخليط الشيتوزان والسيليكون مرتين على عمري 50 و70 يومًا من الزراعة، بعد إضافة مادة تسهل انتشار الخليط بمعدل 0.01% من حجم الخليط".

يضيف "فاروق" أن "عملية الرش تجري في الصباح الباكر أو بعد الغروب ليلًا. ويشمل الخليط السيليكون بتركيز 125 ملليجرامًا لكل لتر، والشيتوزان بتركيز 250 ملليجرامًا لكل لتر، أو الرش بكلٍّ من 125 ملليجرامًا لكل لتر سيليكون مع 250 ملليجرامًا لكل لتر شيتوزان".

ويستطرد أن الدور المنشط لتلك المواد في تحسين نمو نبات القمح وإنتاجيته تحت ظروف الري الطبيعية أو ظروف الجفاف يرجع إلى قدرتها على تحسين الحالة المائية والمحتوى المائي، نتيجة زيادة تراكم المواد التي تحافظ على ضغط امتلاء الخلية النباتية، وبالتالي زيادة قدرتها على امتصاص الماء والاحتفاظ به؛ لضمان كفاءة العمليات الحيوية داخل الخلية النباتية، وبصفة خاصة كفاءة عملية البناء الضوئي.

ووفق الباحث الرئيسي في الدراسة، فإن استخدام السيليكون أو الشيتوزان منفردين أو مختلطين تحت ظروف الري العادية أو ظروف نقص المياه، يؤدي إلى تعظيم الاستفادة من مياه الري، من خلال زيادة كفاءة استخدام الماء بنسبة تتراوح بين 59 و79٪ في كلا موسمي الزراعة تحت ظروف الري الطبيعية، وبنسبة تتراوح بين 89 و119٪ تحت ظروف نقص المياه في كلا موسمي الزراعة.

ويتفق سعيد سليمان -أستاذ الوراثة بكلية الزراعة في جامعة الزقازيق- مع نتائج الدراسة في كفاءة استخدام الشيتوزان والسيليكون في الزراعة كمركبات مقاومة للجفاف، بالإضافة إلى أهمية استخدام المنشطات الحيوية المساعِدة على انقسام الخلايا ونموها.

لكن "سليمان" يرى، في الوقت ذاته، أن الفكرة رغم كفاءتها قد تكون مكلفة بعض الشيء، خاصة بالنسبة للمزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة"؛ وهو الأمر الذي رد عليه الباحث الأول في الدراسة بقوله إنه وزميله استخدما مركبات عالية الجودة، وهي قد لا تكون رخيصة، لكنه يعود ويشرح أن المنتجات التجارية المستخدمة في الأسواق أرخص كثيرًا؛ إذ يتراوح سعر عبوة السيليكون سعة 250 جرامًا، ما بين 90 إلى 100 جنيه مصري (الدولار الأمريكي يعادل 16.26 جنيهًا مصريًّا)، في حين يبلغ سعر عبوة الشيتوزان 100 جرام ما بين 150 إلى 200 جنيه مصري.

نتائج مهمة

يقول خالد غانم -أستاذ الزراعة العضوية ورئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر- إن هناك العديد من المواد التي تُستخدم في خفض معدلات عملية النتح للنباتات، ومنها الكاولين، والسيليكون، والشيتوزان، لكن هذه النباتات تختلف وفقًا للكميات التي تفقدها بالنتح طيلة حياتها، مثلًا يفقد نبات الكرنب كمياتٍ كبيرةً من المياه، في حين يفقد نبات القمح كميات أقل، وكلما ارتفعت درجات الحرارة زادت كميات المياه المفقودة من النبات من جَرَّاء قيامه بعملية النتح.

ويوضح "غانم" في تصريحات لـ"للعلم" أن نتائج الدراسة الحالية "مهمة جدًّا في ظل تغيرات المناخ وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة وزيادة موجات الجفاف، إذ يمكن لهذه المنهجية -المتبعة في الدراسة- أن تحد من نقص المياه داخل النبات، وبالتالي يمكن له أداء وظائفه الفسيولوجية بشكل جيد، مما ينعكس في النهاية على محصول القمح، وهو محصول إستراتيجي مهم في مصر".

ويشرح أستاذ الزراعة العضوية آلية عمل ذلك قائلًا: "هذ المواد المستخدمة في الدراسة تعمل من خلال ثلاث آليات: الأولى عكس أشعة الشمس، والثانية غلق الثغور في النبات، والثالثة عمل طبقة غير محبة للماء فوق سطح النبات وعزله عن المحيط الخارجي". "ورغم ذلك فبعض الدراسات قللت من أهمية استخدام هذه المركبات، واعتبرت أنها توفر كميات مياه ليست كبيرة" وفق قول "غانم".

أما محمد عابدين -الباحث في تربية النبات والوراثة الكمية في مركز البحوث الزراعية- فيشير إلى أهمية النتائج التي قدمتها الدراسة من حيث استخدام الشيتوزان والسيليكون، اللذين يؤديان دورًا مهمًّا في عمليات التمثيل الغذائي في النباتات في ظل الظروف العادية أو ظروف الإجهاد البيئي. 

ويضيف "عابدين" في تصريح لـ"للعلم" أن المنهجية التي اتبعها الباحثان في الدراسة سمحت للشيتوزان والسيليكون معًا بتحقيق زيادة في المحصول الكلي من الحبوب، مع الحفاظ على المحتوى المائي داخل النبات، بالإضافة إلى تحسين الحالة الفسيولوجية للنبات (العمليات الحيوية التي يقوم بها النبات، كعملية التمثيل الضوئي مثلًا) في ظل أنظمة الري المختلفة. 

"بالإضافة إلى ذلك، أظهرت معاملة الشيتوزان والسيليكون معًا تحت ظروف الجفاف الشديد تأثيرًا محسنًا على البنية التحتية للخلايا، مقارنةً بالنباتات المتأثرة بالجفاف، بما في ذلك البلاستيدات الخضراء، ومع الحفاظ على النواة والميتوكوندريا اللتين تعَدان مركز توليد الطاقة للخلية النباتية" كما يقول "عابدين".

ويشير المؤلف الرئيسي في الدراسة إلى أن هذه المركبات تمت تجربتها بالفعل على العديد من النباتات والأشجار لزيادة الإنتاجية وزيادة تحمُّل النباتات للإجهاد المائي.