في ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة في مختلف أنحاء العالم، يلجأ العديد من الكائنات إلى الهرب من موجات الحر عن طريق الهجرة إلى مناطق أكثر ارتفاعًا.. ولكن يبقى السؤال: ماذا سيحدث للأنواع الأخرى التي تعيش بالفعل في أكثر المناطق ارتفاعًا والتي يمكن أن تصل إليها؟

في السياق، تنبأت دراسة نشرتها دورية "فرونتيرز إن إيكولوجي آند إيفولوشن" (Frontiers in Ecology and Evolution)، اليوم "الخميس"، 24 سبتمبر، بتدهور النظم البيئية في جبال الأنديز، أعلى سلسلة جبلية في أمريكا الجنوبية؛ بسبب التغيرات المناخية والأنشطة البشرية.

ركز فريق الدراسة على النقاط الساخنة للتنوع البيولوجي في نظم إيكولوجية، يُطلق عليها اسم "باراموس"، أو "جزر السماء"، وأنواع النباتات الأكثر تنوعًا في تلك النظم، وهي شجيرات استوائية معروفة باسم "إيزبيليتا" (Espeltia)، وهي من عائلة "دوار الشمس" نفسها، تنتشر في كولومبيا وفنزويلا والإكوادور.

وتتنبأ النماذج، التي استند إليها الباحثون، بأن هذه الموائل ستتقلص مساحاتها بشكل كبير خلال 30 عامًا، إذا لم يتم بذل مزيد من الجهود للحفاظ عليها، وأن الآثار المحتملة لهذا التدهور لن تقتصر على التنوع البيولوجي فقط، بل ستمتد إلى التأثير سلبًا على السكان الذين يعتمدون على تلك النظم البيئية بشكل أساسي.

من جهته، يؤكد أندريس كورتيس -الباحث بمؤسسة البحوث الزراعية في كولومبيا، والمؤلف المشارك في الدراسة- أن "باراموس واحدة من أسرع النقاط الساخنة للتنوع البيولوجي تطورًا على الأرض، كما أنها من النظم البيئية المهددة".

يقول "كورتيس" في تصريحات لـ"للعلم": باراموس، التي تُعرف أيضًا بجزر السماء، هي أيضًا المورد الرئيسي للمياه للنظم الإيكولوجية للأراضي الرطبة والمناطق المأهولة بالسكان، وبالتالي فإن تجاهُل مستقبل باراموس قد يعرض سلامة الغذاء والمياه في جبال الأنديز الشمالية بشكل عام للخطر.

وشارك "كورتيس" في إجراء هذه الدراسة، إلى جانب سانتياغو مادرينان، خبير في نظم "باراموس" البيئية، وأستاذ النبات في جامعة لوس أنديز في كولومبيا.

و"باراموس"، أو "جزر السماء"، هي نظم إيكولوجية عالية الارتفاع فوق خط الأشجار أعلى الجبال الاستوائية، ترتفع فوق سطح البحر بما يتراوح بين 2800 و5000 متر، ولكنها تبقى تحت قمم الجبال المتجمدة بشكل دائم، وعلى مدار ملايين السنين، استطاعت الأنواع التي تعيش في تلك المناطق أن تكيِّف نفسها للتعايش مع التغيرات الشديدة في درجات الحرارة، وتوافر المياه، والتعرُّض لضوء الشمس.

ونتيجةً لهذه الظروف، يوجد حاليًّا أكثر من 3 آلاف نوع من النباتات في نظم "باراموس" في جميع أنحاء قارة أمريكا الجنوبية، وما زالت هذه المناطق ضمن أسرع النظم الإيكولوجية تطورًا في العالم، ومع ذلك فإن العلماء بدأوا، قبل وقت قريب، في دراسة ما إذا كانت هذه الأنواع يمكنها أن تتطور بسرعة كافية تواكب التغيرات المناخية أم لا.

وعن طرق تطور الأنواع النباتية للتكيف مع تغيُّر المناخ، أوضح كورتيس لـ"للعلم" أن استجابة النبات للتغيرات المناخية تختلف على نطاق واسع، كما أن مصيرها عادةً ما يكون غير مؤكد، فقد ينقرض بعضها، كما يتضح من سجلات الحفريات، وقد ينتقل بعض الأنواع إلى مناطق تكون حرارتها أكثر ملاءمةً لها.

وتابع: الأحداث الماضية للتغيرات المناخية خلال العصر الجليدي تُظهر لنا أن نظم باراموس تنقلت بين مناطق أكثر ارتفاعًا أو انخفاضًا، للتكيف مع الفترات الأكثر دفئًا أو الأكثر برودةً، لكن لجوء الأنواع النباتية إلى الانتقال من موائلها الطبيعية خيارٌ محفوفٌ بالمخاطر، مما يعرِّضها للاندثار.

ويضيف: التكيُّف والمرونة من البدائل التي يلجأ إليها العديد من الأنواع النباتية، للتعايش ضمن نظامها الإيكولوجي، دون تغيير نطاقات توزيعها.

وجاء اختيار فريق الدراسة لنباتات "إيزبيليتا" باعتباره أحد أكثر الأنواع النباتية تنوعًا في "جزر السماء"، واستخدم الباحثون نماذج حاسوبية للتنبؤ بالشكل الذي سيبدو عليه توزيع 28 نوعًا من هذه الشجيرات المعمرة، بحلول عام 2050.

ومع وضع عدة عوامل أخرى في الاعتبار، مثل إجراءات الحماية الطبيعية، والغابات المحيطة، والكثافة السكانية، وأنشطة الزراعة والتعدين، خلصت الدراسة -من خلال تلك النماذج- إلى أن بعض نظم بارامواس معرضٌ لخطر الاندثار، كما تبيَّن أن نباتات "إيزبيليتا" لها فرصة محدودة سواء للهجرة أو التكيف.