حذرت دراسةٌ أجراها فريق من الباحثين بجامعات مختلفة -منها جامعتا "كاليفورنيا- لوس أنجلوس" و"ويسكونسن-ماديسون" الأمريكيتين- من خطورة "الحرمان من النوم"، مشددةً على أنه يُعَدُّ مصدرًا رئيسيًّا للإصابة بأمراض واسعة النطاق، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري والبدانة والنوبات القلبية والسكتة الدماغية.

وأشار الباحثون في دراستهم، التي نشرتها دورية "نيتشر ميديسن" الطبية، إلى أن "الحرمان من النوم يُضعِف الاتّصالات الحيوية بين الخلايا العصبية في الدماغ".

تقول الدراسة إن "الحرمان من النوم يُبْطئ الاتصالات بين خلايا الدماغ، ويؤدي إلى حدوث مشكلات ذهنية تؤثر على الذاكرة والإدراك البصري، بدايةً من نسيان مفاتيح السيارة في المنزل، وانتهاءً بتبِعات أكثر خطورةً مثل فقدان التركيز بصورة تشبه إلى حدٍّ كبير تأثيرات تعاطي الكحوليات، إذ إنه يوقف خلايا الدماغ عن التفاعل بشكل صحيح، ويؤثر سلبًا على كيفية رؤية الأشخاص للعالم من حولهم".

عينة البحث

عمل الفريق البحثي على دراسة 12 مريضًا "متطوعًا" من المصابين بـ"الصرع"، تتراوح أعمارهم بين 19 و52 عامًا، بينهم 5 إناث و7 ذكور، جميعهم كانوا في حاجة إلى إجراء عملية جراحية للعلاج من الصرع، وخضعوا بالفعل لتجهيزات ما قبل التدخل الجراحي، إذ تم زرع أقطاب كهربائيَّة بأدمغتهم في محاولة للكشف عن مواقع النوبات قبل إجراء العملية، كما حُرموا النومَ طيلة الليل لتحفيز الإصابة بالنوبة العصبية.

كان على كل متطوع أن يصنِّف سلسلةً من الصور بأقصى سرعةٍ ممكنة، في حين يقيس الباحثون إطلاق الدفعات العصبية للخلايا داخل الدماغ، وتم تسجيل نشاط نحو 1500 خلية دماغية لعينة البحث، مع التركيز بشكل خاص على الخلايا العصبيّة بالفص الصدغي المُتَحَكِّم بالإدراك البصري والذاكرة البصريَّة.

فرصة فريدة

يقول يوفال نير -أستاذ الطب النفسي والفارماكولوجي، والمشرف العام على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن البحوث الأخرى السابقة، التي تناولت نشاط الدماغ لدى البشر، اقتصرت على تقنيات مثل الرنين المغناطيسي الوظيفي، ولكننا في هذه الدراسة استطعنا دراسة أنشطة الخلايا العصبية الفردية في البشر، بفضل اختيار عينةٍ من مرضى الصرع وفرت لنا هذه الفرصة الفريدة".

وردًّا على سؤال حول قلة عدد عينة البحث، يشير "نير" إلى أن "النقطة الأساسية التي يركز عليها البحث هي كيفية استجابة "الخلايا العصبية الفردية" وليس "الأشخاص" للحرمان من النوم. وقد قمنا بتسجيل نشاط نحو 1500 من الخلايا العصبية، ما يُعَدُّ عينة جيدة جدًّا من حيث الحجم. ويكفي أن رحلة البحث عن هؤلاء المرضى الـ12 استغرقت 7 سنوات".

ويضيف أنَّ "قِلَّة النوم تترابط مع قدرة العصبون على ترجمة الأفكار المترابطة منطقيًّا، بنفس الطريقة التي يستجيب لها سائق السيارة المجهَد لاعتراض أحد المشاة طريقَه".

بدوره، يشيد حسام الدين عفيفي -مدرس طب المخ والأعصاب في كلية الطب بجامعة عين شمس- باختيار مرضى الصرع لإجراء هذه الدراسة، معتبرًا أنه اختيار موفَّق؛ لأن مرضى الصرع مؤهلون لتركيب أقطاب كهربائية عميقة قبل إجرائهم الجراحة، ما ساعد الباحثين على إجراء الدراسة على نحوٍ فعال.

ويوضح "عفيفي" لـ"للعلم أنّ "الموجات الكهربائية بالدماغ تكون أبطأ خلال النوم، ومن خلال الدراسة اكتشف الباحثون أن ما يحدث في هذه الموجات عند حرمانها النومَ يشبه ما يحدث في أثناء النوم، أي أنها تكون أبطأ، وبالتالي يحدث للمخ هفوات عند حرمانه النوم".

مخاطر كبيرة

يقسم "نير" مخاطر الحرمان من النوم إلى مستويين: الأول على المدى القصير، ويتسبب في القصور الإدراكي، والثاني على المدى الطويل، وينجم عنه مخاطر أكبر، كارتفاع ضغط الدم والسكتة الدماغية والسكري، وحتى تسريع تطوُّر الخلايا السرطانية، وفق قوله.

يقول "عفيفي": إن "الدراسة تفيد المتخصصين في علم الفسيولوجي والظواهر الطبيعية في المقام الأول. الجديد فيها -من وجهة نظري- أنها أعطتنا صورةً لرسم المخ للأشخاص المحرومين النومَ وهم يؤدون وظائف إدراكية، وكيف تحدث سقطات أو هفوات دماغية في أثناء أداء تلك الوظائف".

تحذيرات سابقة

في مايو الماضي، حذرت دراسة نشرتها دورية "جورنال أوف نيورو ساينس" من أن الدماغ البشري يتعرض للتآكل عندما لا يحصل الإنسان على قسطٍ كافٍ من النوم في أثناء الليل.

أجرى الدراسة فريق مشترك من الباحثين في علم الأعصاب بجامعتي "بوليتيكنيك وبادوفا" الإيطاليتين وجامعة "ويسكونسن" الأمريكية، إذ عملوا على متابعة عينات من الفئران، ورصدوا نشاطًا غير معتاد في الخلايا النجمية بالدماغ لدى الفئران التي حُرِمت النوم، بخلاف الفئران التي نامت بشكل طبيعي مدةً تتراوح بين 7 إلى 8 ساعات.

وتوصلت الدراسة أيضًا إلى أنّ قلة النوم تؤدي إلى تحفيز الخلايا الدبقية، كما أظهرت أن استمرار الخلايا في نشاطها، بوتيرة منخفضة، يؤدي إلى اضطرابات في الدماغ.

أقل جاذبية

كما خلصت دراسة نشرتها دورية "رويال سوسايتي أوبن ساينس" البريطانية إلى أن النوم ساعاتٍ قليلة يجعل الشخص أقل جاذبيةً بالنسبة للآخرين، كما يجعله يبدو "قبيحًا بدرجة كبيرة".

أجرى الباحثون تجارب النوم على 25 طالبًا جامعيًّا من الذكور والإناث، كان على كلٍّ منهم النوم جيدًا ليلتين متتاليتين، وبعد أسبوع، طُلب منهم النوم أربعَ ساعات فقط في الليلة الواحدة على مدار ليلتين متتاليتين، والتقط الباحثون صورًا لوجوههم دون وضع مساحيق تجميل بعد جلسات النوم الجيدة والسيئة.

وطلب الباحثون من 122 شخصًا (تتراوح أعمارهم بين 18 و65 عامًا، بينهم 65 من النساء) إبداءَ آرائهم في صور الطلاب الذين شاركوا في التجارب، وظهرت على وجوههم ملامح الإرهاق، وجاءت إجاباتهم بأن الصور الملتقَطة للطلاب بعد نومهم ساعاتٍ أقل كانوا يبدون فيها أقلَّ صحةً وأقلَّ جاذبيةً وأكثرَ مدعاةً للنفور.

هوس ومزاج سيئ

من جهتها، أكدت لبنى عزام -مدرس الطب النفسي المساعد بكلية الطب في جامعة عين شمس- أنّ الحرمان من النوم يجعل الإنسان سيئ المزاج، ويكون من السهل التأثير عليه، كما أن الحرمان الشديد من النوم مدةً طويلة يصيب الإنسان بالهوس، ويجعله في حالة نشاط زائد غير طبيعي.

وعلى عكس ما أشيع سابقًا من دراسات عن أن قلة النوم تؤدي إلى تقليل أعراض الاكتئاب، ترى "عزام" -في تصريحاتها لـ"للعلم"- أن مريض الاكتئاب يجب أن ينام جيدًا لتتحسن حالته، فكل وظائف الجسم تستعيد حيويتها في أثناء النوم، وبالتالي فإن النوم ساعاتٍ قليلة يقلل من كفاءة جميع أعضاء الجسم".

تضيف أن "اضطرابات النوم غالبًا ما تكون عرَضًا لمرض، سواء كان نفسيًّا أو عضويًّا، وإذ إن تخزين المعلومات يحدث في مرحلة من مراحل النوم، فإن اضطرابه يؤدي إلى مشكلات معرفية وإدراكية، تتعلق بالنسيان وفقدان الذاكرة ونقص القدرة على التركيز".

أمَّا "نير"، فينتهي إلى أن العالم ما زال بحاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات حول فوائد النوم، والآلية التي تقف خلف الاضطرابات الخلوية التي تسبق النوبات العصبية الدماغية، على حد وصفه.