كشفت دراسة علمية حديثة أن عدم انتظام النوم يؤثر سلبًا على الذاكرة النسائية بصورة أكبر من الرجال، ما يمكن أن يؤدي إلى تعرُّضهن لحوادث خطيرة في أثناء القيادة في طرق مزدحمة، أو الوقوع في أخطاء بسبب عدم التركيز، أو العجز عن اتخاذ القرارات الصحيحة.

أجرى الدراسة فريق من الباحثين بجامعة أوبسالا السويدية، ونشرتها دورية "سليب ريسيرش" Sleep Research.

واستهدفت الدراسة معرفة الآثار السلبية لعدم النوم لليلة واحدة على وظائف الذاكرة العاملة في الرجال والنساء، وما إذا كانت هناك فروق فردية تؤثر على هذا التفاعل، خاصة أن فقدان النوم أصبح "أمرًا شائعًا"، وفق "فريدا رانجتل"، باحثة الدكتوراة في قسم علم الأعصاب بجامعة أوبسالا، والباحثة الرئيسية للدراسة، في تصريحاتها لـ"للعلم".

ويشير مصطلح "الذاكرة العاملة" إلى القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات لفترة قصيرة من الوقت، وهي المعلومات التي تساعد على اتخاذ القرار أو إكمال المهمَّات، مثل إضافة رقم شخص ما إلى هاتفك المحمول، إذ تقوم بتخزين سلسلة من الأرقام في ذهنك ثم تقوم بتسجيلها في الهاتف.

أُجري "اختبار الذاكرة" لجميع أفراد العينة (12 شابًّا و12 فتاة)؛ إذ عُرضت عليهم سلسلة من ثمانية أرقام، ثم طُلب منهم تذكُّرها لاختبار الذاكرة العاملة، وتمت هذه الاختبارات لنصف عدد المجموعة في هدوء، واختبار الجزء الآخر في جو من "الإلهاء السمعي"، وكان بعض المشاركين ينامون خلال الليل، في حين يسهر الآخرون، وفق الدراسة.

وكانت النتيجة أن الشبان لم تتأثر ذاكرتهم بفقدان النوم، على عكس الفتيات اللاتي لم يتمكن أغلبهن من استعادة المعلومات مرة أخرى، بالإضافة إلى إصابتهن بعدم التركيز، كما انتابهن الشعور بالتوتر.

حوادث خطيرة

تقول رانجتل: "إن عينة البحث من الذكور والإناث كانت متشابهة جدًّا في جوانب مهمة مثل السن، ومؤشر كتلة الجسم، وميل الشخص إلى العمل المسائي أو الصباحي"، مضيفةً: حاولنا السيطرة على أكبر عدد ممكن من العوامل التي يمكن أن تؤثر على النوم وتتأثر بالحرمان منه، ومعترفةً -في الوقت ذاته- بأن "ضعف حجم العينة يؤكد ضرورة التحقُّق من صحتها في الدراسات المستقبلية مع أحجام عينات أكبر".

وتوضح أن "عدم الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم، أو الحصول على قسطٍ زائدٍ جدًّا منه، يمكن أن يؤثر على المزاج الشخصي، ويزيد من خطر تعرُّض الشخص للإصابة بأمراض القلب والسكري، إذ حددت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية أن الشخص البالغ يحتاج إلى حوالي 7 ساعات من النوم، فضلاً عن أن قلة النوم لا تجعل الشخص يشعر بأنه تعيس أو هزيل فقط، وإنما يمكن أن تؤثر على ذاكرته.

تستطرد: اكتشفنا أن الذاكرة العاملة للنساء تتأثر بفقدانهن النوم، فيصبحن غيرَ قادرات على تذكُّر العديد من الأرقام، كما قد يتعرضن لحوادث خطيرة نتيجة أخطاء في أثناء القيادة.

وتشدد رانجتل على أن "الذاكرة العاملة عنصر مركزي في الوظائف المعرفية ومفتاح الأداء بكفاءة وفاعلية في الأوساط الأكاديمية والمهنية والاجتماعية"، قائلةً: على النساء التركيز في الأنشطة اليومية التي يؤدينها في اليوم التالي للسهر، كما يجب أن نضع في اعتبارنا أن فقدان النوم أمر سيئ للجميع، بغض النظر عن نوع الجنس.

 وتشير نتائج الدراسة إلى أن النساء والرجال يتأثرون بفقدان النوم بطرق مختلفة، وإن كان التأثير أكبر بالنسبة للمرأة مقارنة بالرجل، ما يستوجب اهتمامًا خاصًّا بالنساء الشابات اللاتي يواجهن صعوبات في النوم، وذلك لكي يتحملن العبء الثقيل على الذاكرة الذي يخلِّفه ذلك.

من جهته، يوضح "كامل مرسي" -أستاذ المخ والأعصاب بكلية طب قصر العيني- أن الذاكرة العاملة مثل الذاكرة المخبأة الخاصة بالكمبيوتر، وتكون حاضرةً في أي وقت بحيث يستطيع الشخص استدعاء أي معلومات يحتاجها خلال اليوم، سواء على مستوى الكلام أو الممارسة".

ويضيف أن "النوم يؤثر على الوظائف الحيوية للإنسان، وخاصة النوم بالليل الذي يدعم الهرمونات التي يتم إفرازها مثل هرمون "الميلاتونين" المسؤول عن تنظيم الإيقاع الحيوي عند الإنسان والحيوان واستعادة نشاط العضلات، كما أن النوم راحة للعقل وتثبيت للأحداث والمعلومات التي تدخل للمخ خلال اليوم، كما يساعد على ترتيب المعلومات التي لها علاقة ببعضها والتي تم استقبالها داخل الدماغ.

ويؤثر عدم النوم على عدم التذكُّر بشكل جيد حتى لو كانت السن صغيرة، بجانب الأعراض الجسمانية الأخرى مثل الصداع وارتفاع ضغط الدم، وفق مرسي.

ظاهرة منتشرة

تشير إحصائية لمراكز مكافحة الأمراض واتقائها (وهي وكالة تابعة لوزارة الصحة والخدمات البشرية في الولايات المتحدة الأمريكية تأسست في الأول من يوليو 1946) إلى أن "75% من الأمريكيين بين عمر 20 و59  لديهم صعوبة في النوم بشكل منتظم".

كما حذرت دراسة أمريكية من أن الحرمان من النوم يُبْطئ الاتصالات بين خلايا الدماغ، ويؤدي إلى حدوث مشكلات ذهنية تؤثر على الذاكرة والإدراك البصري، بدايةً من نسيان مفاتيح السيارة في المنزل، وانتهاءً بتبِعات أكثر خطورةً، مثل فقدان التركيز بصورة تشبه إلى حدٍّ كبير تأثيرات تعاطي الكحوليات، إذ إنه يوقف خلايا الدماغ عن التفاعل بشكل صحيح، ويؤثر سلبًا على كيفية رؤية الأشخاص للعالم من حولهم.

الظروف الاجتماعية

وأوضحت دراسة نشرتها دورية "إسكاندينفيان جورنال أوف ورك إنفيرونمنت آند هيلث" أن النساء يتعرضن أكثر من الرجال للإرهاق في العمل بسبب تغيير جداول عملهن، ويعود ذلك إلى العوامل الاجتماعية مثل المسؤوليات الأسرية؛ إذ يعملن لفترات طويلة، ويحصلن على أوقات قليلة للراحة والنوم في أيام الإجازات، وذلك على عكس الرجال.

وهناك أيضًا اختلاف متأصل في أدمغة الرجال والنساء كشفته دراسة للباحث "روتجر ويفر"، وأشار فيها إلى أن ساعات عقارب الساعة عند النساء تعمل أسرع من الرجال، وأنهن يملن إلى النوم لفترة أطول.

وأظهرت دراسة نشرتها دورية "بروسيدينج أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينس" أن العديد من جوانب أداء اليقظة تتأثر بالساعة البيولوجية، وأن قدرة النساء على أداء المهمَّات المنوطة بهن انخفضت بصورة أكبر من الرجال.

جرى خلال تلك الدراسة مقارنة وظائف الدماغ بين 16 رجلًا و18 امرأة خلال فترة 10 أيام، إذ تم إبقاء المشاركين في بيئة خالية من الساعة ومن دون أي ضوء خارجي يسمح لهم بمعرفة الوقت، وهو التقليد الذى وصفه باحث النوم الأمريكي "ناثانيال كلايتمان" لأول مرة في ثلاثينيات القرن العشرين.

تم اختبار المشاركين لمدة 28 ساعة، وكانت أوقات نومهم واستيقاظهم تتناقض مع ساعتهم البيولوجية، بحيث طُلب ممن يعملن في الليل العمل بالنهار والعكس، وكان يتم اختبار انتباه المشاركين ومهارات الذاكرة لديهم كل ثلاث ساعات، كما طُلب منهم تقييم الجهد الذي يحتاجونه لإنجاز المهمَّات.

التعرُّض للأمراض

ترصد دراسة لـ"برنامج كرونوبيولوجي الطبي" وجود علاقة بين انخفاض مدة النوم المبلغ عنها ذاتيًّا وزيادة معدل الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني (T2D) والسمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية، إذ أظهرت الدراسات المختبرية التجريبية أن خفض كمية النوم أو نوعيته يقلل حساسية الإنسولين ويقلل من تحمُّل الجلوكوز (اختبار لقياس معدل الجلوكوز بالدم)، كما يسبب أيضًا تغيُّرات فسيولوجية وسلوكية تؤثر على توازن الطاقة الإيجابية وتؤدي إلى انخفاض في النشاط البدني، وزيادة الوزن.

وينصح مراكز مكافحة الأمراض واتقائها باتباع مجموعة من العادات للحصول على نوم هادئ وعميق، ومنها الذهاب إلى النوم والاستيقاظ في مواعيد ثابتة، بما في ذلك عطلة نهاية الأسبوع، والتأكد من أن غرفة النوم هادئة، ومظلمة، ودرجة حرارتها مريحة، وإزالة الأجهزة الإلكترونية -مثل التلفاز والكمبيوتر والهواتف الذكية- من غرفة النوم، وتجنُّب الوجبات الكبيرة والكافيين والتدخين قبل النوم، وممارسة بعض التمارين الرياضية خلال النهار.