في نهايات التسعينيات من القرن الماضي، تخلى كثيرون عن حقائب الخصر، لكنهم سرعان ما عادوا لاستخدامها من جديد، حتى تحول ارتداء هذا النوع من الحقائب، في الوقت الراهن، إلى توجُّه عام، وبات كثير من الناس يفضلون حملها على الكتف عوضًا عن ربطها على مستوى الخصر.

فما الذي أعاد حقائب الخصر إلى الساحة من جديد؟ وهل بادر ثلاثة أشخاص أم 100 فرد أم 1000 شخص بإخراج حقائبهم القديمة لاستخدامها من جديد؟ وكم عدد التوجهات التي نحتاج إليها لتشكيل توجُّه عام؟ وكم شخصًا نحتاج لتغيير الموقف السائد حول قضية مثل الإجهاض أو الزواج المثلي في بلد ما؟ وكم شخصًا نحتاج لتغيير الانتماء الديني لمجموعة عرقية كاملة؟ ومتى يمكن أن تكون أقليةٌ ما كبيرةَ التأثير بشكل يجعلها قادرةً على إحداث تغييرات اجتماعية؟ وما مقدار الكتلة الحرجة اللازمة لإحداث تغيير سلوكي وفكري وثقافي في المجتمعات المختلفة؟ وما النسبة الكافية لتغيير سلوكيات مثل التحرش الجنسي في مكان العمل أو العنصرية والتنمر داخل المؤسسات، بحيث يمكن اعتبار مثل تلك السلوكيات مرفوضةً وغير مقبولة؟

تلك الأسئلة وغيرها كانت مدخلًا لدراسة حديثة، أجراها فريق من الباحثين المتخصصين في علم الاجتماع بجامعة "بنسلفانيا" الأمريكية، مشيرةً إلى أن فكرةً يتقاسمها 25% من الأشخاص قد تتحول إلى فكرة تؤمن بها الأغلبية.

يقول الفيلسوف اليوناني الشهير "أرسطو" إن "التغيير في كل شيء جميل"، ويقول أيضًا إنه "عندما تُكتب القوانين، فإنها لا يجب أن تظل دائمًا دون تغيير".

وخلال الـ50 عامًا الماضية، كانت قضية التغيير محل اهتمام كثير من الباحثين، الذين رجحوا أن "الوصول إلى الكتلة الحرجة اللازمة لإحداث تغيير يصطدم برواسخ أو ثوابت اجتماعية يتطلب إيمان نسبة تتراوح بين 10% و40% بهذا التغيير"، لكن تلك الترجيحات لم تخرج عن دائرة الملاحظة والتكهنات.

لكن الدراسة التي نشرتها مجلة "ساينس" مؤخرًا، حددت نسبة الكتلة الحرجة للتغيير بـ25% من المجموع الكلي للكتلة المراد إحداث تغيير فيها، سواء كانت مكان العمل أو المجتمع ككل الأقليات، بشرط أن تكون "أقلية ملتزمة" بالتغيير الذي تؤمن به".

ووفق الدراسة، فإنه "عندما تكون نسبة الأقلية الملتزمة التي تدفع باتجاه التغيير أقل من 25٪ من إجمالي المجموعة، فإن جهودها تفشل، لكن ارتفاع نسبة الأقلية الملتزمة إلى 25٪ يساعد على حدوث تغيير مفاجئ في ديناميكية المجموعة؛ إذ تتبنى غالبية المجموعة -وبسرعة كبيرة- التغييرات التي تقترحها الأقلية"، موضحةً أن "انضمام شخصٍ واحد إلى الأقلية الملتزمة قد يصنع الفارق فيما يتعلق بنجاح تلك الأقلية في إحداث التغيير أو فشلها".

وتتناقض نتائج الدراسة بصورة صارخة مع النموذج الاقتصادي الكلاسيكي المؤمن بأن إحداث التغيير يتطلب وجود 51% أو أكثر من الأشخاص القادرين على إقناع الآخرين بأمرٍ ما، وأنه من دون توافر تلك النسبة، لن يكون هناك تغيير حقيقي"؛ إذ خلصت الدراسة، نظريًّا وتجريبيًّا، إلى أن "التغيير ليس حكرًا على الأغلبية، وأن العديد من المجموعات الصغيرة يمكنها إحداث تغيُّرات جذرية".

طريقة البحث

اختار الباحثون مسارًا يقوم على إنشاء قاعدة افتراضية على شبكات الإنترنت، ثم محاولة تغييرها عن طريق أقلية.

وأجروا 10 تجارب، ضم كلٌّ منها ما بين 20 إلى 30 مشاركًا، إضافةً إلى مجموعة تمثل أقليةً ملتزمة اختلف حجم تمثيلها في كل تجربة لتتراوح بين (17٪ إلى 31٪) من إجمالي عدد المشاركين في كل تجربة لقياس قوة تأثير هذه الأقلية.

يقول "دايمون سينتولا" -المشرف على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "طورنا نموذجًا نظريًّا يساعدنا على التكهن بعدد الأشخاص الضروريين لتغيير قاعدة جماعية. واختبرنا هذا النموذج عن طريق إطلاق لعبة على شبكة الإنترنت. وقسمنا الأشخاص إلى 20 مجموعة، وأحيانًا 30 مجموعة في بعض التجارب، ثم عرضنا عليهم صورة امرأة. وطلبنا من كل شخص اقتراح اسم لهذه المرأة. وسمحنا لكل شخص بالاطلاع على الاسم الذي اقترحه زميله في المجموعة، ووجدنا أنه عندما تكون الأقلية صغيرة العدد، فإنها يمكنها إقناع 6% من الأشخاص من داخل المجموعة كحد أقصى".

وفي الجولة التالية، طلب الباحثون من المشاركين التوافق حول اسم محدد. وأكدوا لهم أن مجموعتهم ستحصل على مكافأة في حالة نجاحهم في التوافق حول هذا الاسم.

يضيف "سينتولا" أنه "اتفقت الأغلبية على اسم مثل "سيمونا" بعد 10 جولات، وفي بعض الأحيان تطلَّب الأمر إجراء 30 جولة للتوافق على الاسم. وفي الوقت نفسه، تشكلت لدينا أقليةٌ تقترح اسمًا آخر مثل "ماري". وقد تمكنَّا من خلق أقليات تتكون من 15% إلى حدود 35% من الأشخاص ضمن المجموعات العشر".

وبمجرد التوافق على إجماع بشأن الاسم، تم إقحام "أقلية ملتزمة" إلى التجربة، لتعمل على تغيير الاتفاق القائم على الاسم الذي يمثله الوجه، وإحلال اسم جديد محلَّه. واستمرت التفاعلات العشوائية حتى انتهاء اللعبة بعد تفاعل اللاعبين بين 30 و55 مرة.

وقام الباحثون بتغيير حجم "الأقلية الملتزمة" في المجتمعات الخمسة الأُوَل؛ إذ تراوحت نسبة الأقلية الملتزمة بين 17٪ و22% من إجمالي عدد المشاركين، ووجدوا أن الأقلية الملتزمة لم تنجح في تغيير المعايير الاجتماعية بتلك المجتمعات.

وفي النصف الآخر من المجموعات، لجأ الباحثون إلى زيادة نسبة "الأقلية الملتزمة" تدريجيًّا، وبالفعل، نجحت تلك الأقلية في تغيير المعايير الاجتماعية عندما بلغت نسبة الكتلة الحرجة 25% من إجمالي المشاركين في التجارب.

كما اختبر الباحثون قوة نتائجهم بزيادة المكافآت التي وعدوا أفراد عينة التجربة بالحصول عليها في حالة التزامهم بالمعايير الاجتماعية السائدة، وعلى الرغم من مضاعفة قيمة المكافأة، بل زيادتها بنحو ثلاث مرات لحث المشاركين على الالتزام بتلك المعايير، وجد الباحثون أن المجموعة التي تمثل الأقلية الملتزمة ظلت قادرةً على إسقاط المعايير السائدة لدى المجموعة المستهدف إحداث التغيير فيها.

وخلال اختبار اللعبة على شبكة الإنترنت، حاول الباحثون فرض اسم "ماري" على 25% من أعضاء المجموعة. وقد نجحوا في تحقيق ذلك في غضون مدة قصيرة.

يقول "سينتولا": في نهاية المطاف، تبنَّى ما بين (72% إلى نحو الـ100%) من المشاركين اسم "ماري" بدلًا من الأسماء التي اقترحوها في البداية، ما يعكس حجم تأثُّرهم بـ"الأقلية الملتزمة"، على حد وصفه.

ويضيف: منذ نصف قرن، بذل الباحثون قصارى جهدهم لتحديد حجم قوة التأثير التي يجب أن تتمتع بها الأقلية لإحداث تغييرٍ ما. ولوقت طويل، رجحوا أن الكتلة الحرجة اللازمة لإقناع الآخرين بأمرٍ ما تبلغ 51%. لكن التاريخ كشف أن التغيير ليس حكرًا على الأغلبية، وأن العديد من المجموعات الصغيرة تمكنت من إحداث تحولات تاريخية. لقد انتهينا في دراستنا إلى أن مجموعات صغيرة للغاية تبادر غالبًا بعمل أشياء عظيمة.

واقع أكثر تعقيدًا

يقر "سينتولا" بأن "مواقف الحياة الواقعية يمكن أن تكون أكثر تعقيدًا من النموذج النظري الذي جرى التوصُّل إليه"، مضيفًا أن "الناس في الواقع يرتبطون بروابط نفسية وشعورية ودينية، لكن يبقى أن النموذج الذي توصلت إليه الدراسة يشير إلى أن النقطة الحرجة للتغيير تقدر بـ25%، وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أن القناعات التي يؤمن بها الشخص ويتفاعل معها لفترات طويلة تحتاج من الأقلية الملتزمة إلى جهدٍ أكبر لتغييرها، فعلى سبيل المثال، نجد أن الشخص الذي تستند معتقداته إلى مئات التفاعلات والتجارب السابقة قد يكون أقل تأثرًا بعامل التغيير، في حين أن الشخص الذي كوَّن معتقداته عن طريق تفاعلات أكثر حداثةً سيكون أكثر سهولةً فيما يتعلق بتقبُّل تأثير الأقلية الملتزمة عليه، ما يعني أنه كلما كانت التقاليد والرواسخ الاجتماعية ضاربةً في الجذور والتاريخ، ازدادت صعوبة الوصول إلى التغيير المنشود".

انعكاسات مباشرة

وتشير الدراسة إلى أن تلك النتائج سيكون لها انعكاسات مباشرة على النشاط السياسي والاجتماعي؛ إذ يمكن تصميم "منصات" لدفع الناس في اتجاهات مطوِّرة للمجتمع. كما توفر رؤى جديدة حول النشاط السياسي والاجتماعي عبر الإنترنت، وهو ما يفسر مثلًا كيفية استخدام الحكومة الصينية للدعاية الموالية للحكومة على الشبكات الاجتماعية مثل منصة "ويبو" بديلًا لشبكة "تويتر" للتواصل الاجتماعي، لتحويل انتباه الناس بفاعلية بعيدًا عن القصص السلبية التي يمكن أن تثير اضطرابات اجتماعية، وذلك عبر استخدام أقليات ملتزمة لتبنِّي رؤى تساند رؤية الحكومة هناك، وفق الدراسة.

وتقر الدراسة بأنه في حين أن تحويل معتقدات الناس الأساسية قد يكون تحديًا إيجابيًّا كما هو الحال بالنسبة لسلوكيات مثل تقليل استهلاك الطاقة، وتراجُع معدلات المضايقات الجنسية في مكان العمل، فإن هناك وجهًا آخر للعملة؛ إذ يمكن استخدام نتائج الدراسة لدفع المجتمع نحو تبنِّي سلوكيات سلبية، مثل إثارة العنصرية عن طريق أقليات ملتزمة بنشر سلوكيات ضارة بالمجتمع.

يضيف "سينتولا": رأينا مؤخرًا كيف يمكن تحويل وتبديل المواقف العامة في قضايا تصطدم بثوابت اجتماعية راسخة مثل قضايا العنصرية أو العرق والمساواة بين الجنسين، والمعتقدات غير المقبول التعبير عنها بشكل عام.

ويشير "سينتولا" إلى حقيقة مهمة اختبرتها الدراسة، موضحًا أنه "عندما يقترب المجتمع من نقطة تحوُّل لإحداث تغيير اجتماعي واسع النطاق، فإن الكتلة السائدة التي تمثل المعيار الراسخ لا تكون على دراية بأنها تشهد حدوث ذلك التحول".

نقطة التحول

من جهتها، ترى سحر حساني -أستاذ علم الاجتماع بجامعة قناة السويس- في تصريحات لـ"للعلم"، أن "هناك العديد من المسارات لتغيير المواثيق الاجتماعية، مثل الابتكار في التكنولوجيا والحركات الاجتماعية. وتتبنى هذه الدراسة نظرية الكتلة الحرجة في إحداث التغيير، ومفادها أنه عندما تصل أقلية ملتزمة إلى حجم الكتلة الحرجة، فإن النظام الاجتماعي يتجاوز نقطة التحول، ما يؤدي إلى حدوث تغيُّرات في السلوك وارتفاع في معدل قبول الأغلبية لوجهة نظر الأقلية".

وتشرح "حساني" نظرية الكتلة الحرجة، موضحةً أنها "مأخوذة في الأساس من العلوم الطبيعية، وتعني ببساطة أن مجموعات صغيرة من الأفراد يمكنها تغيير المواثيق الاجتماعية، ليس لأن لديهم سلطة أو ثروة، ولكن بسبب التزامها بالقضية".

بدورها، ترى نوران فؤاد، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة عين شمس، أن "الدراسة استعانت بأساليب بحثية جديدة، تمثلت في انتقاء عينة بحثية مقصودة (إلكترونية)، مما أعطى فرصة لزيادة مصداقية الدراسة بتطبيقها على مجموعة أكبر من المشاركين".

وتضيف في تصريحات لـ"للعلم" أن "الدراسة الراهنة تختلف عما سبقها من دراسات في مجال العلوم السياسية؛ إذ لم تتَّبِع الأدوات المتعارف عليها في العلوم السياسية، وتحديدًا المنهجية التاريخية، كما لم تستخدم الأداة الأكثر شيوعًا المعروفة بكرة الثلج، ولم تلجأ حتى إلى استخدام الاستبانات الورقية، كما قسم الباحثون المجموعات المدروسة عدديًّا إلى عدة مجموعات تزيد عن الخمس، بحيث تتكون كل مجموعة من عددٍ ما بين 20 و30 فردًا، إضافة الى تقسيمها وفق النوع إلى مستقلة وتابعة، وهو أسلوب يعكس فهم الباحثين الدقيق لموضوع البحث فيما يخص ديناميات التغيير المجتمعي في إدارة الأنشطة السياسية وتنميط المعاير المجتمعية الواصفة لها".

سلاح ذو حدين

ويؤكد "سينتولا" أن نتائج الدراسة ليست بالضرورة إيجابيةً بالكامل، مضيفًا: "يجب أن ندرك مدى سهولة التأثير على الجمهور من قِبَل أشخاص أو جهات لديها أجندات، فعلى سبيل المثال اشترت حسابات فيسبوك المرتبطة بروسيا عددًا كبيرًا من الإعلانات التي استهدفت الناخبين الأمريكيين خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2016"، وفق قوله.