الترشيد في استخدام أجهزة التكييف، وإطفاء الأضواء الإضافية، وفرز المخلفات القابلة لإعادة التدوير يمكن أن يجعل المرء يشعر أنه يؤدي الدور المنوط به في الحفاظ على البيئة. ولكن إذا كنت تقوم بالفعل ببعض هذه التضحيات، فقد تشعر بأنك أقل رغبة في القيام بالمزيد من التضحيات، على سبيل المثال، دعم بعض الإجراءات الحكومية للحد من التغيرات المناخية. توصل بحث جديد إلى أن الأفراد الذي يطبقون إجراءات تحقيق الاستدامة في المنزل تتطور لديهم مواقف عكسية تجاه وسائل التدخل الأكبر على المستوى الوطني، مثل فرض ضرائب كربون أعلى.

وتضيف هذه الدراسة إلى عدد متزايد من البحوث في العلوم الاجتماعية حول كيفية تأثير الاستجابات العاطفية والإدراكية للأشخاص على الطريقة التي يتعاملون بها مع القضايا البيئية. ومن خلال فهم هذه الاستجابات، يأمل العلماء في تحسين التواصل حول السياسات المتعلقة بالتغيرات المناخية وتأييدها. فيقول سيث ويرفل -المتخصص في العلوم السياسية بجامعة ستانفورد ومؤلف الدراسة-: "تقضي الحكومات والمنظمات البيئية وغيرها من المؤسسات غير الربحية الكثير من الوقت في محاولة لتشجيعنا على عمل هذه الأشياء في حياتنا اليومية. والافتراض القائم هو أن هذا الأسلوب قد يجعل منا نشطاء في مجال الحفاظ على البيئة، وربما يجعلنا أكثر تأييدًا ودعمًا للسياسات على المستوى الوطني، أو على الأقل لن يكون له تأثير على تفضيلاتنا السياسية. ولكن ما لم يوضع في الحسبان هو أن هذه الرسائل يمكنها في الواقع أن تستنزف إرادتنا السياسية".

ولفهم كيف يقوم الناس بمعالجة المعلومات المتعلقة بالحفاظ على الطاقة، عمل ويرفل على استطلاع آراء أكثر من 14 ألف شخص في اليابان، بعد أن أدى زلزال ضرب اليابان في عام 2011 وإعصار تسونامي إلى إغلاق محطة الطاقة النووية "فوكوشيما دايتشي". وفي أعقاب تلك الكارثة، أوقفت اليابان مؤقتًا العمليات في معظم مفاعلاتها النووية، والتي كانت آنذاك تولد أكثر من ربع الطاقة في اليابان، فظهرت حركة شعبية لتوفير الطاقة تسمى "ستسودن" Setsuden (والتي تعني توفير الطاقة) لتجنُّب انقطاع الكهرباء، وقد شجعت الحملة الأفراد على تبني سلوكيات للحفاظ على الطاقة مشابهة للتوصيات السائدة في مختلف أنحاء العالم: مثل تقليل استخدام أجهزة التكييف، ورفع درجة حرارة الثلاجات، وإزالة الأجهزة من القوابس الكهربائية عندما لا تكون قيد الاستخدام، وإطفاء الأنوار في أثناء النهار.

ويبدو أن هذه الخطوات المؤقتة كان لها تأثير طويل المدى. وبعد مرور أربع سنوات تقريبًا من نشأة حركة توفير الطاقة، أرسل ويرفل استطلاعًا للآراء حول استخدام الطاقة إلى 12 ألف شخص. وقد تلقى نصف المشاركين معلومات حول تلك الحملة وطُلب منهم وضع علامة أمام إجراءات توفير الطاقة التي وضعوها قيد التنفيذ في أثناء الحملة، أما باقي المشاركين فقد حصلوا إما على وصف البرنامج دون قائمة الإجراءات أو لم يتلقوا معلومات حول حملة توفير الطاقة على الإطلاق.

ثم طُرح على جميع المشاركين بعض الأسئلة الأخرى، مثل هل يؤيدون زيادة الحكومة للضرائب على انبعاثات الكربون. في المتوسط، كان الأشخاص الذين وضعوا علامات أمام الإجراءات المختلفة في القائمة أقل توجهًا لدعم الضريبة الحكومية بنسبة 13% من أولئك الذين لم يوضحوا بالتحديد سلوكيات توفير الطاقة التي اتبعوها. كما كانت المجموعة التي استخدمت قائمة الإجراءات أكثر ميلًا للإشارة إلى أن الإجراءات الفردية أكثر أهمية من الإجراءات التي تسعى الحكومها لاتخاذها، كما أنهم رأوا أن قضايا الطاقة والبيئة تتذيل قائمة الأولويات على المستوى الوطني.

وقد أوضحت استطلاعات إضافية أنه إذا قام أحد الأشخاص باتخاذ إجراء فردي واحد سهل غير ذي صلة بإجراءات حملة توفير الطاقة، على سبيل المثال إعادة تدوير شيء واحد على الأقل في الأسبوع، فإنه يصبح أيضًا أقل ميلًا لدعم ضريبة الكربون، على الرغم من أن الفارق كان غير مهم إحصائيًّا. وعلى أية حال، المشاركون الذين رأوا أن إعادة التدوير مهمة كانوا 15% أقل توجهًا لدعم الضريبة. وتوضح النتائج، التي نُشرت في عدد 12 يونيو من دورية "نيتشر كلايمت تشينج" Nature Climate Change، التباعُد بين سلوكيات الأفراد والمواقف تجاه إجراءات الاستدامة التي تتخذها الحكومة. فتقول سوزان كلايتون -المتخصصة في علم نفس الحفاظ على الطبيعة والموارد بكلية ووستر في أوهايو، والتي لم تشارك في الدراسة-: "ربما تظن أن الأشخاص سيتبنون سلوكيات متسقة، فإذا كانوا يغيرون من سلوكياتهم الفردية للحفاظ على استدامة الموارد، فإنهم سيؤيدون السياسات الحكومية التي تسعى للهدف نفسه".

وتقول كلايتون إن أحد التفسيرات المحتملة لهذا هو أن الناس يصبح لديهم إحساس بأنهم قد أدوا دورهم بالفعل. وتُشبِّه هذا المنطق بالذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية أو الركض قليلًا ثم إعلان أنه لا حاجة للتقليل في تناول الحلوى إذًا، وتضيف: "إن سلوكًا واحدًا يجعل السلوك الآخر يبدو غير ضروري". كما تشير كلايتون إلى أنه من الأسهل ملاحظة الآثار الفورية لإجراءات الحفاظ على الطاقة الفردية مقارنة بالتدخلات الحكومية طويلة المدى التي تهدف إلى الحول دون حدوث التغيرات المناخية. فاستخدام مروحة بدلًا من التكييف يؤدي إلى انخفاض فاتورة الكهرباء التي تسددها ويمكن أن يجعلك تشعر أنك أحدثت فارقًا ملحوظًا، وإذا ما اتبعت المزيد من الإجراءات الموجودة في تلك القائمة، فقد يزداد شعورك بعدم أهمية الإجراءات الحكومية الإضافية. فتقول كلايتون: "يريد الأشخاص عمل ما يرون أنه المقدار المناسب اجتماعيًّا، وهذا يعني أنه لا يريد أي شخص القيام بأكثر من دوره؛ لأنه لا يريد أن يشعر أن الآخرين يعتمدون مجانًا على مجهوداته".

يتوخى بعض الخبراء الحذر حول افتراض أن هذه السلوكيات دائمًا هي السائدة. وبالفعل توصلت بعض الدراسات إلى أن السلوكيات الموجهة للحفاظ على البيئة تطلق سلسلة من الآثار الإيجابية؛ بعبارة أخرى الأشخاص الذين يحاولون الحفاظ على الطاقة على الأرجح يشاركون في أنشطة من قبيل مشاركة المركبات، وإعادة التدوير، وترشيد استهلاك المياه، وغيرها من السلوكيات الموجهة للحفاظ على البيئة. وحتى في حالة التأثيرات الجانبية السلبية، مثل تلك التي ظهرت في دراسة ويرفل، فإن الرسائل العامة الموجهة للحفاظ على البيئة قد تؤثر فقط على إحدى الأولويات المتعددة لدى الأشخاص.

كما أن الأفراد لديهم أيضًا دوافع مختلفة عند حثهم لاتخاذ الإجراءات الصحيحة، وليس جميعها نابعًا من الإيثار المحض. فيقول ستيفن كوهين -الباحث في علوم وسياسات البيئة بجامعة كولومبيا، والذي لم يشارك في الدراسة-: "إن الاعتقاد بأن السلوكيات الموجهة لحماية البيئة تمثل تضحية، وأنها شيء تفعله لأنك شخص لديه إحساس بالمسؤولية ويهتم بأمر الكوكب، اعتقاد مبالغ فيه". ويرى كوهين أن الناس قد تشارك في المجهودات الهادفة لتحقيق الاستدامة لأن تثبيت الألواح الشمسية على الأسطح -على سبيل المثال- قد يؤدي إلى توفير كهرباء أقل تكلفة، أو لأن قيادة المركبات الكهربائية قد يكون أكثر جاذبية، ويشير إلى أن الآخرين ربما يشاركون في مجهودات الحفاظ على الطاقة لأن الأجهزة الموفرة للطاقة في المتناول أكثر، أو ببساطة لأنه الأمر المتوقع من شخص مثله.

إذًا، ما الطريقة المُثلى للتواصل مع الآخرين حول تبنِّي الإجراءات التي تساعد على تحقيق الاستدامة دون أن تأتي رسائل الخدمة العامة بنتائج عكسية؟ وفقًا لما تقوله كلايتون، فإن وضع المعلومات في السياق المناسب عنصر أساسي؛ فعند تقديم معلومات أو حث الأشخاص على اتخاذ قرارات مستنيرة، فإن المحفزات على تغيير السلوكيات ليست كافية. فيجب أن تقترن الرسائل الخاصة بالحاجة إلى الحفاظ على الطاقة أو عدم تلويث البيئة بالعديد من عوامل التحفيز، على سبيل المثال توفير النقود، أو الاستفادة من النزعات الفردية للإتيان بالأفعال الصحيحة أو غيرها من الدوافع المحفزة. وتؤكد كلايتون أن توضيح كيف تتسق الإجراءات الحكومية مع السلوكيات والهويات الفردية وتُكمّلها يمكن أن يشجع الناس على اتخاذ المزيد من الخطوات، وتشرح قائلة: "إن التواصل مع الجمهور بشأن التغيرات المناخية قضية نفسية أكثر كثيرًا مما يدرك الأشخاص؛ إننا بحاجة إلى قضاء بعض الوقت لفهم الدوافع وراء سلوكيات الأفراد؛ حتى نتوصل إلى حلول أفضل على مستوى الأفراد والسياسات".