توصل فريق من الباحثين بجامعة مينيسوتا الأمريكية إلى اختراع جزيئات نوع جديد من الصابون، باستخدام مصادر طبيعية متجددة، الأمر الذي يساعد في الحد من استخدام المواد الكيميائية في صناعة المنظفات، ويحد بالتالي من تأثيراتها على النظم البيئية.

وتتميز هذه الجزيئات بقدرتها على العمل بشكل أفضل من بعض أنواع الصابون التقليدية، وسط تحديات بيئية صعبة؛ إذ تعطي نتائج جيدة في حالة استخدامها مع الماء البارد والماء العسر. وجرى تسجيل هذه التقنية من قِبَل جامعة مينيسوتا، وحصلت شركة "سيرونيكس" -وهي شركة معنية بـ"الكيمياء الخضراء"، أُنشئت مؤخرًا في مينيسوتا- على ترخيص ببدء إنتاج هذه الجزيئات على نطاق تجاري.

الدراسة الخاصة بهذه التقنية متاحة الآن على شبكة الإنترنت، كما نُشرت في العدد الأخير من مجلة "الجمعية الكيميائية الأمريكية"، وهي مجلة رائدة في العلوم الكيميائية، ويضم الفريق الذي قام بإعداد الدراسة باحثين من جامعات مينيسوتا، وديلاور، وماساتشوستس أمهرست، ومن شركة "سيرونيكس"، ومن مركز "تحفيز الابتكار"، التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، إضافة إلى باحثين من مختبر "أرجون" الوطني، أحد أكبر وأقدم مختبرات العلوم والهندسة في الولايات المتحدة.

"لقد توصل فريقنا إلى تخليق جزيء صابون باستخدام منتجات طبيعية، مثل فول الصويا، وجوز الهند، والذرة، إنه يعمل على نحو أكثر كفاءة من الصابون العادي، كما أنه أفضل للبيئة"، هذا ما قاله بول داينهاور، أستاذ الهندسة الكيميائية وعلوم المواد المشارك بجامعة مينيسوتا، وأحد المشاركين في الدراسة، وتابع: "هذا البحث يمكن أن يكون له تأثير كبير على مستقبل صناعة منتجات التنظيف، والتي تُقدر بمليارات الدولارات".

عملية كيميائية جديدة

ويُنظر إلى الصابون التقليدي والمنظفات العادية الأخرى على أنها "غير صديقة للبيئة"، نظرًا لأنه يتم إنتاجها باستخدام وقود أحفوري، وعند تصنيعها في شكل شامبو أو صابون لليدين، أو مسحوق لغسيل الملابس والأطباق، فإن كل هذه المنتجات يجري خلطها مع العديد من المواد الكيميائية الضارة، والتي لا يُعلَن عنها في كثير من الأحيان، وينتهي بها الأمر مع المياه الناتجة عن عملية الغسيل، إلى شبكات الصرف الصحي.

وبتمويل من وزارة الطاقة الأمريكية، تمكن باحثون بمركز "تحفيز الابتكار" من تطوير عملية كيميائية جديدة، يمكن من خلالها تجميع الأحماض الدهنية من فول الصويا أو جوز الهند، مع مشتقات سكرية حلقية من الذرة، لتصنيع جزيء صابون قابل للتجدد، يُطلق عليه اسم "أوليو -فوران -سرفاكتانت"، Oleo-Furan-Surfactant، أو "المهدئ السطحي". واكتشف الباحثون أن الجزيء المعروف اختصارًا باسم OFS، يعمل بكفاءة عالية في المياه الباردة، والتي تتسبب في تكوين مادة لزجة على سطح الصابون العادي تجعله غير قابل للاستخدام. كما أظهر صابون OFS قدرة على تشكيل جزيئات "المزيلات"، وهي ضرورية لإتمام عملية النظافة، بتركيزات أقل من مواد التنظيف العادية، مما يعني تقليص الآثار البيئية على الأنهار والبحيرات إلى حد كبير.

التفاعل مع الماء العسر

وهذا الصابون الجديد OFS أظهر كفاءة في الظروف الصعبة مثل الماء العسر، إذ إنه في مختلِف المناطق بكافة أنحاء العالم، يتسبب تفاعل المعادن، التي تحتوي عليها المياه، مع الصابون التقليدي، في تحوله إلى كتلة صلبة، وقال داينهاور: "أعتقد أن الجميع مروا بمشكلة عند محاولتهم الحصول على رغوة في أثناء غسيل شعرهم بماء عسر".

وللتغلب على هذه المشكلة، تُضاف مجموعة مواد كيميائية إلى معظم أنواع الصابون والمنظفات، تتفاعل مع تلك المعادن، وتمنعها من التداخل مع جزيئات الصابون، ونتج عن ذلك قائمة طويلة من المكونات الكيميائية الإضافية، في معظم المنظفات التقليدية، غالبيتها تسبب أضرارًا بالغة بالنظم البيئية.

أما الصابون الجديد فيقضي على مشكلة الماء العسر من خلال استخدام مشتقات من مصادر طبيعية، لا تتفاعل بقوة مع المعادن الموجودة في المياه، ووجد الباحثون أن جزيئات OFS يمكنها تكوين "المزيلات" أكثر 100 مرة من الصابون العادي في الماء العسر، ونتيجة لذلك، فإن قائمة مكوِّنات منتجات التنظيف يمكن أن تكون مبسطة إلى حد كبير.

وقالت كريستين جوزيف -طالبة الدراسات العليا بقسم الهندسة الكيمائية وعلوم المواد بجامعة مينيسوتا-: إن "تأثير صابون OFS سوف يكون أكبر بكثير من مجرد أداء مواد النظافة"، وأضافت: "تم إنتاج OFS من سلسلة كربونية مشتقة من فول الصويا أو جوز الهند يمكن أن تتحلل بسهولة، هذه في الواقع هي جزيئات الصابون الأكثر مثالية للبيئة"، وفق رأيها.

كما استخدم الباحثون محفِّزات متناهية الصغر، لتحسين قدرة الصابون على إنتاج الرغاوي وغيرها من القدرات اللازمة لعملية التنظيف، بالإضافة إلى تعزيز قدرته على التحلل البيولوجي، وأظهر OFS قدرته على إنتاج رغوة كغيره من المنظفات، مما يعني أنه يمكن أن يحل محل منتجات التنظيف المستخدمة حاليًّا في غسالات الملابس والأطباق والمنتجات الاستهلاكية.

ويُعَد اختراع تكنولوجيا نوع جديد من الصابون، جزءًا من مهمة أكبر لمركز "تحفيز الابتكار في الطاقة CCEI"، التابع لوزارة الطاقة، بالاشتراك مع مركز أبحاث حدود الطاقة، التابع لجامعة ديلاور، وتعتمد مهمة CCEI، التي بدأ تنفيذها عام 2009، على استخدام تكنولوجيا تحويلية محفزة في إنتاج مواد كيميائية متجددة ووقود حيوي من مصادر الكتلة الحيوية الطبيعية.

تأثيرات بيئية خطيرة

ونظرًا لاعتماد جزيء OFS في تكوينه على مشتقات طبيعية، فإن تأثيراته على البيئة محدودة، إن لم تكن معدومة، على عكس مواد التنظيف التقليدية، التي تحتوي على مشتقات الفوسفات أو الصوديوم، وغيرها من المركبات الكيميائية، التي تؤثر على النظم البيئية، بل وتدمرها.

وأوضح خبير البيئة المصري الدولي، الدكتور محمد الزرقا، أن مركبات الفوسفات، التي تدخل في تركيب المنظفات العادية، من أكثر المواد إضرارًا بنُظُم البيئة الرطبة، كالأنهار والبحيرات؛ إذ تساعد على نمو الطحالب وبعض النباتات على سطح المياه، مما يؤدي إلى حجب أشعة الشمس وامتصاص الأكسجين، وهو ما ينتج عنه نفوق الأسماك والكائنات البحرية الأخرى.

أما مركبات الصوديوم، والتي تدخل في تركيب مساحيق الغسيل، فتمتد تأثيراتها إلى التربة الزراعية، إلى جانب الأضرار التي تسببها للبيئة الرطبة أيضًا، لصعوبة التخلُّص منها وإزالتها من مياه الصرف الصحي، عند إعادة معالجتها، في حين أن بعض المكونات الكيميائية الأخرى، تكون لها تأثيرات ضارة بالبيئة، تتمثل في بطء تحللها، وتأثيرها على الكائنات الثديية والدقيقة، وعادةً ما تكون هذه التأثيرات محدودة، نتيجة استخدامها في صناعة المنظفات بكميات ضئيلة.

التأثيرات الضارة على البشرة

بعض مكونات مساحيق الغسيل التقليدية لها تأثيرات ضارة بالصحة البشرية، وفق ما أكد الدكتور الزرقا لمجلة "للعلم"، أهمها "المبيضات البصرية" و"المواد المعطرة"، والتي تعلق أجزاء منها في الملابس بعد عملية الغسيل، فتنقلها بدورها إلى جسم الإنسان، من خلال الجلد، وعادةً ما تسبب تلك المواد "حساسية" للأنف والعينين والجلد.

ورغم أن صابون OFS يوصف بأنه "الأمثل"، إلا أن هناك العديد من التجارب الناجحة، التي عرفها العالم في السابق، لإنتاج مواد تنظيف "صديقة للبيئة"، وأكدت الدكتورة هدى يسي، رئيس اتحاد المستثمرات العرب، ومالكة إحدى مؤسسات إنتاج المنظفات الصناعية، أنه يجري إنتاج صابون صديق للبيئة في مصر منذ 10 سنوات، بتكنولوجيا ألمانية، إلا أن مثل هذه المنتجات لم تستطع الانتشار على نطاق واسع طوال تلك الفترة، إذ أكدت يسي أن ذلك يتطلب حملات تسويقية ضخمة، بالإضافة إلى توعية، لتعريف المستهلكين بسلامة تلك المنتجات، مشيرةً إلى أن معظم إنتاج المصنع المملوك لمؤسستها، والذي يعمل وفق التكنولوجيا الألمانية، يصدَّر إلى الخارج، كما يجري توريد كميات منه لبعض المستشفيات والفنادق والقرى السياحية، مشيرةً إلى أن المصنع حصل على العديد من شهادات "الأيزو"، كما حصل على شهادات رسمية من وزارة البيئة، بأن منتجاته صديقة للبيئة.