مع الانتشار العالمي السريع لوسائل التواصل الاجتماعي، كان هناك اهتمام متزايد بشأن استخدام "البيانات الضخمة" التي توفرها منصات التواصل الاجتماعي -مثل التغريدات المنشورة على مواقع تويتر وفيسبوك- كأداة من أدوات البحث العلمي، وذلك في ظل ما توفره تلك المنصات من كمٍّ هائل من البيانات التي من السهل الوصول إليها، كما أن أحجام العينات الكبيرة للغاية التي توفرها تلك المنصات جعلتها مغرية جدًّا في بحوث الدراسات الاجتماعية.

وفي ظل الاندفاع بقوة نحو "ذهب البيانات الضخمة"، جرى تجاهُل القواعد التي يقوم عليها البحث العلمي في كثير من الأحيان، وذلك وفقًا للدراسة التي أعدها فريق من الباحثين بجامعة وارويك البريطانية، التي حذرت من خطورة الاندفاع وراء التغريدات المنشورة عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي والتعامُل معها باعتبارها مصدرًا بديًلا لتوفير البيانات والمعلومات التى تعتمد عليها الأبحاث في مجالات العلوم الاجتماعية.

وانتقدت الدراسة المنشورة في دورية "بلوس وان" -تحت عنوان "وضع ضوابط منهجية لقياس مفهوم السعادة عبر تويتر: الضوابط المنهجية لتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي"- دراسة أمريكية سابقة أجراها لويس ميشيل -الباحث بقسم الرياضيات والإحصائيات بجامعة فيرمونت- في مايو 2013، وجاءت تحت عنوان "جغرافيا السعادة: ربط مشاعر وتعبيرات تويتر بالديموغرافيات والخصائص الموضوعية للمكان"، وهي الدراسة التي اعتمد فيها ميشيل على استخدام 80 مليون كلمة جرى استخدامها من قِبَل مستخدمين بكافة الولايات المتحدة الأمريكية في 2011 على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" لقياس مدى الارتباط بين تعبيرات الأشخاص ومواقفهم ومدى سعادتهم.

حلل ميشيل وفريقه 10 ملايين تغريدة، وهو حجم عينة هائل. ولكن، وفقًا للدراسة الجديدة، فإن أحجام العينات الكبيرة لا يقابلها بالضرورة بحث جيد أو حتى دقيق، نظرًا إلى أن إجراء تعميمات واستنتاجات علمية صحيحة، يتطلب من الباحثين التأكد من أن البيانات تمثل السكان المستهدفين.

يقول إريك ألين جنسن -أستاذ علم الاجتماع المشارك بجامعة وارويك البريطانية، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسات القائمة على بيانات مواقع التواصل الاجتماعي كتويتر مغرية جدًّا للباحثين ولوسائل الإعلام المختلفة، لكنها بيانات لا تعكس الصورة الحقيقية لمستخدميها، باعتبارها قد تضم معلومات مغلوطة ومضللة ولا تتمتع بالشفافية"، وفق ما انتهى إليه بحثه.

وأضاف: على الرغم من كم البيانات والمعلومات الذي توفره وسائل التواصل الاجتماعي في ظل تكالُب المجتمع الدولي بشرائحه المختلفة على استخدامها، إلا أنه يجب عدم الاندفاع وراء هذا الكم الكبير من المعلومات المستقاة من تلك الوسائل، مؤكدًا أنه "من الصعوبة بمكان البحث عن محددات للربط بين مناهج البحث العلمي التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصةً وأنها مجال جديد للحياة الاجتماعية، ولم يتزايد البحث عنها إلا في السنوات القليلة الماضية".

السعادة على تويتر

وأوضح جنسن أن "تلك الوسائل مهما عبرت عن عواطف ومشاعر مستخدميها، فإنها لا تعكس الواقع الحقيقي للمستخدمين أنفسهم، فهناك فجوة حقيقية بين ما يجري في الواقع الحقيقي وما تعكسه لنا هذه المنصات".

يستشهد جنسن بدراسة سابقة أجراها "مركز بيو الأمريكي للأبحاث" حول مدى تعبير مستخدم "تويتر" عن مشاعره وعواطفه عبر "تغريداته"، انتهت نتائجها إلى صعوبة تحقيق هذا الأمر؛ نتيجة لعوامل اجتماعية واقتصادية مختلفة، تختلف باختلاف شرائح المجتمع ككل، وكذلك بسبب تبايُن الهُويات والجنسيات والقوميات، ومؤكدًا أن التعبير عن "مفهوم السعادة" لمستخدمي "تويتر" في الولايات الأمريكية -على سبيل المثال- كان متباينًا، ولم يعكس الصورة الحقيقية للواقع المَعيش، وفق الدراسة.

ويؤكد جنسن أن مستخدمي تويتر لا يمثلون عامة السكان، أو شرائح المجتمع، إذ إن الرجال أكثر استخدامًا لهذه الوسيلة مقارنة بالنساء، كما يُخفي كثير من المستخدمين مشاعرهم الحقيقية، فضلاً عن أن المحددين -الاجتماعي والاقتصادي- لهما تأثير واضح في عدد مستخدمي الوسائل الاجتماعية.

وبيَّن أن غالبية مستخدمي تويتر من الرجال مقارنة بالنساء، بنسبة تتخطى الـ71.8٪، معللًا ذلك بأن أنماط التواصل بين وسيلة التواصل الاجتماعي والنساء سيئة، ولا تناسبهن بشكل كبير، وأن الرجال يُقْدِمون على كتابة "التغريدات" أكثر من النساء، اللاتي لا يتمكَّنَّ من التعبير عن أنفسهن عبر هذه التغريدات إلا بجزء بسيط من مشاعرهن، ما يمثل مشكلة كبيرة في منهجية البحث العلمي في حال الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر أو مرجع معلوماتي، لكونه يفتقر إلى المصداقية والشفافية في ضرورة توفر المعلومات والبيانات الحقيقية.

ويشدد جنسن على أنه "في المستقبل القريب، لا يمكن الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصادر للبحث العلمي وكبديل عن الطرق التقليدية، مثل الاستبانات".

وتتفق هذه الدراسة مع بحث آخر يرى أن وسائل التواصل الاجتماعي ربما تحتاج إلى مراجعة نقدية كإحدى أدوات البحث العلمي ، بدعوى أن ثمة ثوابت لمناهج البحث العلمي التي تشدد على وجوب العودة إلى المصادر والمراجع التي يعتمد عليها الباحث باعتبارها "مصادر موثوقة"، وهو ما لم يتوفر حتى اللحظة الراهنة.

وتختلف هذه الرؤى مع ما انتهت إليه دراسة كندية من أن ثمة ضرورة لتكامُل وسائل الإعلام التقليدية، مثل التليفزيون والراديو، مع الوسائل الحديثة، مثل "تويتر"، بدعوى أنه يضم بيانات وتحليلات مهمة للباحثين، خاصة علماء الاجتماع، الذين باتوا في حاجة إلى البحث عن مصادر أخرى للمعلومات ولتوثيقها، وإن احتاج هؤلاء العلماء إلى آليات أخرى لتحليل البيانات التي تتضمنها "تغريدات" تويتر.

البيانات الضخمة

يقول الدكتور عيسى السيد الدسوقي -مدير وحدة المكتبة الرقمية بجامعة الزقازيق- لـ"للعلم": "تمثل البيانات الضخمة (Big Data) مرحلة مهمة من مراحل تطور نظم المعلومات والاتصالات". ويضيف: ساد اعتقاد في بداية ظهور هذا النوع من البيانات أن فيضانه بهذا الشكل الضخم سيجعل قواعد المنهج العلمي كمًّا مهمَلًا، وهو اعتقاد خطأ، وفق رأيه؛ لأن العلاقة بين البيانات الضخمة ومنهجية البحث العلمي هي علاقة متوازية، فالبيانات الضخمة لن تلغي منهج الاختبار العلمي القائم على اكتشاف السببية، بل ستسهم في تفسير عدد أكبر من علاقات الترابط، وفي الوقت ذاته توفر مجالًا للاستفادة من مجرد الترابط.

ويعبِّر هذا المفهوم عن كمية هائلة من البيانات الضخمة جدًّا والمعقدة لدرجة أنه يُصبح من الصعب معالجتها باستخدام أداة واحدة فقط من أدوات إدارة قواعد البيانات أو باستخدام تطبيقات معالجة البيانات التقليدية؛ إذ تعتمد على الاستفادة منها في اكتشاف علاقات الترابُط بين الإحصاءات والبيانات المختلفة دون التطرُّق إلى دراسة سبب هذا الترابُط ومحاولة فهمه.

آراء تويتر "أيديولوجية"

من جهته، يتفق كمال مغيث -الخبير التربوي والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية- مع رؤية جنسن في عدم الارتكان إلى شبكات التواصل الاجتماعي كأداة من أدوات البحث العلمي؛ بدعوى أن ثمة منهجية علمية واجبة يتبعها الباحث في عمله الأكاديمي، مستثنيًا من ذلك فرضية الاعتماد على هذه الشبكات ضمن منهجية دراسة بعينها، مثل الدراسات التي تجريها كليات الإعلام، وتتمثل في استطلاعات رأي أو استبانات حول قضية ما، مؤكدًا -في الوقت نفسه- أن منهجية هذه الدراسات سوف تطبق البحث العلمي أيضًا، بدعوى أن الآراء التي أُجري الاستطلاع عليها لا تُعَد آراءً علمية، ولكنها أيديولوجية.

ويقول مغيث في تصريحات لـ"للعلم": "إن غالبية مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من المتعلمين والمثقفين، وهي شريحة واحدة من المجتمع، ولا يستخدمها بقية شرائح هذا المجتمع، بمعنى أنه لا يمكن قياس نتائج تلك الوسائل أو بياناتها على كل شرائح وطبقات المجتمع المراد قياس الاستطلاع عليه".

عالم افتراضي

بدوره، يشدد الدكتور عاطف الحطيبي -أستاذ الصحافة الإلكترونية السابق بالجامعة الأمريكية- في تصريحات لـ"للعلم" على وجوب اعتماد الرسائل الجامعية على مصادر ومراجع موثوقة، وألا ترتكن للأبحاث المأخوذة من شبكات التواصل الاجتماعي أو العالم الافتراضي"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أنه "في حال تمكنت هذه الشبكات من الإضافة إلى المصادر والمراجع الثبوتية يمكن الرجوع إليها، لكن بشروط، وليس على نحو دائم، فهناك مواقع لا يمكن الاعتماد عليها في منهجية البحث، خاصة وأنها تتيح إضافة المعلومات على نحو دوري، ما يُفقدها الشروط اللازمة لمنهجية البحث العلمي، وأهمها توفر المعلومات الحقيقية غير المنقوصة، وأن تكون البيانات واقعية، مع اتسام الدراسة بالأمانة العلمية، عبر العودة للمصادر العلمية الرصينة".

ويرى الحطيبي أن "شبكات التواصل الاجتماعي تنشر معلومات مغلوطة ومضلِّلة أو منقوصة، مما يُفقدها مصداقيتها بمرور الوقت، في حين تقوم منهجية البحث العلمي على جدية توثيق المعلومات وثبوتيتها".