بعد نحو ثلاث سنوات من الهدوء، تجددت معركة دواء "السوفالدي"، وغيره من الأدوية التي تم اعتمادها في مصر لعلاج فيروس التهاب الكبد الوبائي المعروف باسم "فيروس سي"، وذلك على خلفية الاتهامات التي انتشرت عبر صفحات التواصل الاجتماعي حول "وجود علاقة بين التداوي بالسوفالدي والإصابة بالسرطان".

البداية كانت من نصيب "إسلام محمد"، وهو صيدلي اشتهر على مواقع التواصل الاجتماعي باسم (صيدلي السوفالدي)؛ إذ أعاد فتح ملف السوفالدي، مشددًا على أن "هناك دلائل كثيرة تؤكد وجود مخاطر كبيرة لاستخدام الأدوية التي أقرتها لجنة الفيروسات الكبدية، ومنها السوفالدي، لعلاج فيروس سي، وأن هناك تحورات تحدث للفيروس، وانتكاسات للمرضى الذين خضعوا لتلك البروتوكولات العلاجية إلى حد إصابتهم بالسرطان".

وأضاف أن "أنواع الأدوية التي أقرتها لجنة الفيروسات الكبدية التابعة لوزارة الصحة المصرية في عام ٢٠١٤  لعلاج "فيروس سي" تم  إلغاؤها عام ٢٠١٥؛ بسبب فشل تلك الأدوية في القضاء على الفيروس وتسبُّبها في حدوث انتكاسات لآلاف المرضى"، وفق وصفه.

وأشار إلى أنه جرى إحلال أدوية أخرى محل تلك الأدوية عام ٢٠١٥، ومنها "الهارفوني" و"الداكلنزا" و"الإيبكلوزا"  و"كيوريفو" وغيرها من الأدوية التي أقرتها لجنة الفيروسات الكبدية، إذ أثبتت التحليلات الخاصة بهؤلاء المرضى اكتساب "فيروس سي"  مناعةً ضد المواد الفعالة الموجودة في كل الأدوية الموجودة في السوق المصرية ومنها السوفالدي .

ولفت إلى أن الخطورة تتمثل في أن مرض فيروس سي المتحور سينتقل من مريض إلى مريض، وأنه حين توقيع الكشف الطبي على المريض لن يُعرَف هل الفيروس الموجود في جسده "فيروس سي" هو العادي أم المتحور، مطالبًا بـ"سرعة استيراد أدوية أخرى لعلاج الفيروس، ومنها زيباتير وماريفيت".

الصحة تنفي

في المقابل، نفت وزارة الصحة والسكان المصرية، في بيان حصل موقع "للعلم" على نسخة منه، أن يكون لاستخدام عقار "السوفالدي" أي تأثير سلبي على خلايا الكبد، أو أن ينتج عنه تكوين بؤر سرطانية، مؤكدة أن "هذه المعلومة عارية تمامًا عن الصحة، وأنه لا علاقة لعلاج "السوفالدي" بالإصابة بالسرطان، وأن السرطان يأتي بسبب التليف، الذي يكون في آخر مراحل الالتهاب الفيروسي الكبدي "F4"، سواء في وجود الفيروس أو اختفائه بالعلاج". وقالت: "إنه من المعروف في حالة الإصابة بفيروس سي أن 75 إلى 85% من المصابين يتحولون إلى التهاب كبدي مزمن نشط في الكبد، و20 إلى 30٪ من هؤلاء المرضى ينتهي بهم الحال خلال 20 إلى 30 سنة بأن يتحولوا إلى مرضى بالتليف من الدرجة الرابعة "F4"، وأن 5 إلى 10٪ من بين هؤلاء يصابون بالسرطان".

وأضافت أن "فيروس سي في حد ذاته لا يسبب السرطان، وإنما التليف هو الذي يسبب السرطان، سواء كان الفيروس موجودًا في الجسم أو اختفى باستخدام العلاج، ولذلك فإن أي مريض يُصاب بالتليف وكان سببه فيروس سي لا بد أن يخضع للمتابعة الطبية كل 3 إلى 4 شهور بعد شفائه من المرض؛ لأنه يصبح عرضةً لأن يتحول التليف إلى سرطان بغض النظر عن الشفاء من فيروس سي"، موضحةً أن "المصابين الذين بلغت مراحل الالتهاب الفيروسي الكبدي لديهم “f1,f2,f3,fo”، ولا يعانون من تليف، لا يحتاجون إلى متابعة بعد الشفاء من الفيروس، أما المرضى الذين بلغت مرحلة الالتهاب الفيروسي الكبدي لديهم “f4”, فإن التليف يستمر بعد الشفاء، ومن الممكن أن يؤدي إلى إصابة 5٪ من مرضى التليف بالسرطان سنويًّا بالرغم من شفائهم من الفيروس".

وتعني درجة تليف الكبد f4 أن التليف في المرحلة الرابعة، والتي تكون فيها أغلب خلايا الكبد قد حلت محلها كتل ليفية تجعل الكبد ضعيفًا وغير قادر على أداء وظائفه الحيوية التي تنقي الدم من السموم التي توجد فيه أو تحتفظ بالجلوكوز أو تصنع البروتينات.

آراء متباينة

وما بين اتهامات "السوشيال ميديا" ونفي وزارة الصحة المصرية، ظهرت آراء طبية متباينة؛ إذ حذر البعض من أن استخدام السوفالدي في علاج فيروس سي عند المرضى المصابين بمرحلة متأخرة من تليف الكبد قد يؤدي إلى إصابتهم بالسرطان، في حين رأى فريق آخر أن السوفالدي -وغيره من أدوية فيروس سي- بريء تمامًا من تهمة إصابة مريض فيروس سي بالسرطان، مشددةً على أن مخاطر إصابة مستخدمي السوفالدي بالسرطان تشمل نحو ٤ أو ٥٪ فقط من مرضى التليف، وهي نسبة تصيب الأشخاص الذين وصلوا إلى مرحلة متأخرة من تليف الكبد.

من جهته، يقول "علاء عوض" -أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي بكلية طب القصر العيني-  في تصريحات لـ"للعلم": "إن السوفالدي وغيره من أدوية علاج فيروس سي آمنة تمامًا إذا وُصفت بطريقة صحيحة من قِبَل أطباء الكبد والأطباء المعالجين، بمعنى أن كل مريض قد يحتاج إلى نوع معين من تلك الأدوية وفقًا لحالته، ومن غير الوارد أن تكون حالة كل المرضى متماثلة، لذلك لا يجوز أن يعالَج جميع المرضى بالسوفالدي، ولكن يتم وصف الدواء الصحيح وفق كل حالة، وقضية الربط بين علاج فيروس سي والإصابة بالسرطان قضية قديمة؛ إذ سبقت إثارتها عام ٢٠١٦ خلال اجتماع الجمعية الأوروبية لأمراض الكبد، وذهب البعض آنذاك إلى وجود ارتفاع طفيف في معدل الإصابة بالسرطان بين مرضى التليف الذين يتلقون علاجات فيروس سي، لكنهم كما قلت كانوا يتحدثون عن ارتفاع طفيف، ولم يربطوا الإصابة بالسوفالدي على وجه الخصوص، فضلًا عما أكدته دراسة إيطالية وقتها من أن الأدوية المستخدمة في علاج فيروس سي آمنة، وأن الحديث عن أي تداعيات من جرّاء استخدامها يحتاج إلى مزيد من الدراسات المستقبلية".

الوضع في مصر

وبالنسبة للحال في مصر يقول "عوض": "إن هناك ملحوظات إكلينيكية -وليست إحصائيات أو دراسات- تشير إلى وجود ارتفاع طفيف في معدلات الإصابة بالسرطان بين مَن يتلقون علاج فيروس سي، ولكن من الثابت علميًّا أيضًا أن نسبة لا تتجاوز الـ٥٪ من مرضى تليف الكبد يصابون بالسرطان، سواء كانوا يتلقون علاج فيروس سي أم لا، ولذلك يجب أن يخضع مريض تليف الكبد لفحوصات دورية؛ للكشف عن السرطان".

ويرى "عوض" أن "أدوية علاج فيروس سي، ومنها السوفالدي، آمنة، ولكن يجب تشخيص الحالة جيدًا لتحديد نوع العلاج الذي يناسبها".

تصريحات "عوض" اتفقت مع بيان أصدره المركز المصري للحق في الدواء (ابن سينا)، وهو مركز حقوقي أهلي تأسس عام ٢٠٠٦  ويقدم عشرات الأبحاث المتعلقة بالأدوية ويصدر تقارير شهرية يقدمها لوزارة الصحة المصرية حول  الأدوية التي يحتاجها السوق المصري؛ إذ نفى المركز الاتهامات التي طالت السوفالدي.

وذكر المركز، في بيان حصل موقع "للعلم" على نسخة منه، أنه تواصل مع ١٥ طبيبًا من أساتذة الكبد والاستشاريين، وأكدوا كلهم أن ما جرى تداوله يفتقر إلى أي دليل علمي، مضيفًا أن "المعلومات المغلوطة التي جرى تداولها عبر صفحات السوشيال ميديا حول خطورة السوفالدي هدفها التأثير على برنامج مصر في علاج الفيروسات الكبدية، الذي نجح في فترة بسيطة في علاج مليون و٧٠٠ ألف مصري"، وفق البيان.

وأشار المركز إلى أن السوفالدي من أهم الأدوية التي ظهرت في العالم خلال الـ٢٥ سنة الماضية، وأنه تم اعتماده من هيئة الدواء الأمريكية عام ٢٠١٣، ويجري تداوله في ٦٨ دولة في العالم.

وأوضح بيان المركز أنه من المعروف علميًّا أن ما بين ٣ إلى ٧٪ من مرضى تليف الكبد يصابون بالأورام وهي نسبة عالمية، وأن المرضى الذين يعالَجون من فيروس سي تقل نسبة إصابتهم بالسرطان من ٣ إلى 5%.

علاقة موجودة

يقول  "يحيي الشاذلي" -أستاذ أمراض الكبد ونائب رئيس اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية ومساعد وزير الصحة لأمراض الكبد- إنه ما من علاقة بين سرطان الكبد واستخدام السوفالدي، مضيفًا -في تصريحات صحفية- أن "هناك ما بين ٧٥ إلى ٨٥% من المصابين بفيروس سي يتحول المرض لديهم إلى التهاب كبدي مزمن، ونسبة أخرى تتراوح بين ٢٠ إلى ٣٠٪  يصابون بتليف الكبد f4، فضلًا عن أن حوالي ٥٪ من مرضى تليف الكبد معرضون للإصابة بالسرطان كل عام، ما خلق انطباعًا خطأً بأن الدواء الذي يتلقاه المريض هو السبب في إصابة المريض بالسرطان وغيره من الأمراض، وهذا اعتقاد خطأ تمامًا؛ إذ إن نسبة من المرضى الذين تم شفاؤهم من فيروس سي معرضون للإصابة بالسرطان".

وأضاف أن "فيروس سي بمفرده لا يسبب السرطان، ولكن إذا كان المريض مصابًا بفيروس سي مصحوبًا بتليف، فإن التليف قد يتحور إلى سرطان، وهو ما أحدث لبسًا عند بعض الأطباء"، موضحًا أن "الخطورة كلها تحدث عندما يصل  التليف للمرحلة f4 أو المرحلة الرابعة؛ لأن المراحل الثلاث الأولى ليس فيها أي خطورة تتعلق بتحول التليف إلى سرطان".

ولفت "الشاذلي" إلى أن فيروس  b أخطر من  فيروس  c ؛ لأن الأول يؤدي إلى الإصابة بسرطان الكبد حينما يصل عدد فيروس  b في الدم إلى ٢٠٠٠، وحينما يصل فيروس بي إلى هذا العدد فإن المريض يحصل على علاج طوال حياته لمنع إصابته بسرطان الكبد.

الأشعة تتحدث

من جهته، يقول "محمد أشرف زيتون" -أستاذ الأشعة الداخلية بكلية طب جامعة الزقازيق- في تصريحات لـ"للعلم": "إن السوفالدي آمن تمامًا في علاج فيروس سي؛ إذ حقق نتائج ممتازة في مصر، ولكن الخطورة تأتي من تناول السوفالدي من قِبَل مرضى مصابين بسرطان الكبد، إذ تشدد تعليمات وصف الدواء على منع تناوله نهائيًّا لمرضى سرطان الكبد".

وتابع: "الأزمة في مصر تكمن في اعتماد بعض أطباء الكبد السوفالدي علاجًا دون التأكد أو محاولة التأكد مما إذا كان المريض مصابًا بسرطان الكبد أم لا؛ إذ يعتمد الأطباء على فحص مريض فيروس سي بجهاز أشعة تلفزيونية ضعيف الإمكانيات على يد طبيب غير متخصص، وبعدها يبدأ العلاج دون التأكد من إصابته بأورام الكبد أو عدمها".

ويرى "زيتون" أنه يجب إخضاع مريض فيروس سي لأشعة مقطعية ثلاثية المراحل على الكبد للتأكد من عدم إصابته بأورام، مشيرًا إلى أن "تكلفة هذه الأشعة زهيدة، ولكنها في غاية الأهمية لتقرير مصير المريض وهل يجب أن يتعاطى السوفالدي أم لا".