قالوا قديمًا إن "الزوجة أول من يعلم"، وهي مقولة ربما لم تعد صحيحة تمامًا، خاصةً في ظل تنامي نفوذ مواقع التواصل الاجتماعي في حياتنا؛ إذ باتت وسيلةً لحظيةً للتعبير عن المشاعر على الملأ، وربما لتقاسُم الكثير من أسرار الحياة الخاصة مع الآخرين، دون مراعاة للعواقب التي قد تؤثر سلبًا على العلاقة مع "شركاء الحياة"، وربما أدت إلى تدمير الحياة الزوجية والاجتماعية معًا، وربما في ضربة واحدة.

الأمر الذي حذرت منه دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعتي "كارنيجي ميلون" و"كانساس" الأمريكيتين، مشيرةً إلى أن "نشر المعلومات الشخصية على الإنترنت من شأنه أن يلحق الضرر بالعلاقات الرومانسية بصورة تفوق ما يمكن أن يُحدثه من أمور إيجابية بخصوص هذه العلاقة".

اتبعت الدراسة الرئيسية ما يُعرف بالمنهج متعدد الدراسات، لرصد الظاهرة وآثارها وكيفية مواجهة تداعياتها على العلاقة بين شريكي الحياة، من جرَّاء تنامي العلاقة بين العالمين الحقيقي والافتراضي؛ إذ تألفت من خمس دراسات مختلفة. وباستخدام النتائج التي تحاكي الجداول الزمنية والرسائل على موقع فيسبوك، قارنت الدراسة آثار التعبير عن المشاعر علانيةً على العلاقات الحميمة ومدى الشعور بالرضا في سياقات الإنترنت (أونلاين)، مقابل التعبير عن ذلك في غياب الإنترنت (أوف لاين) أي بعيدًا عن الإنترنت، كما عقدت المقارنات على مستوى العلاقات العاطفية والرومانسية في مقابل علاقات الصداقة فقط.

تكشف نتائج الدراسة أنه عندما يشارك شخص ما المعلومات الشخصية مع مجموعة كبيرة من الأصدقاء الرقميين على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل متكرر، فإن ذلك يؤثر سلبًا على رضا شريكه، وقد يضر بمشاعر العلاقة الحميمة التي تربط بينهما. وأضافوا أن "نشر الشخص لمعلومات شخصية (أو مهمة) لا يعلمها شريك الحياة على مواقع التواصل الاجتماعي من المحتمل أن يجعل شريكه يشعر بأنه مستبعد، أو بأن خصوصية العلاقة التي تجمعهما قد لحق بها ضرر، أو أن تفرد العلاقة التي تجمعهما لم يعد كالسابق وأن شريكه أصبح يهمله".

واوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية "بلوس 1" (PLOS ONE)، أنه يمكن للشخص تجنُّب العواقب السلبية التي يؤدي إليها نشر تفاصيل حياته الخاصة (قبل إخبار شريك حياته بها) عن طريق إضافة "نصفه الآخر" إلى قائمة الأصدقاء الذين تم إرسال تلك التفاصيل إليهم.

وذهبت إلى أنه "عندما يضيف الشخص شريك الحياة إلى قوائم مَن تصلهم رسائله (أو ينشر صورةً تجمعه بشريك حياته في المنشور)، فإن هذا يعمل على زيادة المشاعر الحميمة والرضا بينهما، إذ يتيح ذلك رؤية الشريك للمنشور، ما يعمل على تقوية صحة العلاقة بينهما في ظل ما يحمله ذلك من مظاهر الرعاية والاهتمام بشريك الحياة".

أما على مستوى الصداقات، فقد ذكر الباحثون أن "النتائج كانت مختلفة بعض الشيء؛ إذ لم يُظهر الأشخاص النتائج السلبية نفسها عندما أفصح الصديق عن نفسه عبر السوشيال ميديا. ورأوا أن هذا له علاقة بمفهوم خصوصية العلاقة الرومانسية التي تجمع بين الطرفين مقارنةً بالعلاقات الأخرى مثل الصداقة.

منهج متعدد الدراسات

وتُعَد الدراسة هي الأولى من نوعها التي تسعى بصورة منهجية إلى تحديد ما إذا كانت معرفة شريك الحياة للتفاصيل الخاصة بنصفه الآخر عن طريق الإنترنت أمرًا إيجابيًّا أم سلبيًّا. وكانت معظم الأبحاث السابقة فيما يتعلق بتأثيرات كشف الأشخاص عن طبيعة العلاقات الوثيقة (الحميمية) قد تم إجراؤها في الواقع، أي بعيدًا عن الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. مع ملاحظة أن الإتيان بهذا الفعل عبر الإنترنت له سمات وخصائص وتأثيرات أخرى متباينة، وبالتالي تختلف آثاره على طبيعة هذه العلاقات.

اعتمد الباحثون على منهج متعدد الدراسات؛ إذ انقسمت الدراسة الرئيسية إلى خمس دراسات: الأولى منها كانت استقصائية استهدفت قياس مدى مشاركة الفرد للمعلومات الشخصية (مثل التعبير عن عمق مشاعره، وما يحبه، وما يكرهه، والأشياء التي تهمه في حياته) عبر منصات التواصل الاجتماعي، وضمت 189 مشاركًا (83 عازبًا و106 يرتبطون بعلاقات رومانسية لأكثر من 3 شهور)؛ إذ تنوعت إجابات المشاركين حول أحقيتهم في نشر معلوماتهم الشخصية على الإنترنت بين 7 مستويات بدأت بـ"ليس صحيحًا مني على الإطلاق" وحتى "صحيح بالنسبة لي بالتأكيد". كما بحثت الدراسة الاستقصائية أيضًا احتمالات إفشاء المعلومات الشخصية ذاتها من دون استخدام الإنترنت من خلال 7 مستويات بدأت بـ"لا تناقش على الإطلاق" وحتى "يتم مناقشتها بالكامل".

واعتمدت الدراسة الثانية على جمع بيانات من المشاركين وشركائهم لقياس مدى تأثير نشر المعلومات الشخصية على الإنترنت (دون علم مسبق من شريك الحياة) على حميمية العلاقة، وبلغ عدد المشاركين في تلك الدراسة 72 طالبًا جامعيًّا (22 رجلًا و50 سيدة).

دراسات مختبرية

يقول "جيو ون لي" -باحث ما بعد الدكتوراة بكلية "ديتريش" للعلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة "كارنيجي ميلون"، المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسات الثالثة والرابعة والخامسة كانت على قدر خاص من الأهمية؛ لأنها كانت دراسات مختبرية تضمنت استخدام رسائل وهمية تم بثها عبر فيسبوك".

ويضيف أنه "كلما صرح أفراد العينة بأنهم أفصحوا عن معلومات وتجارب شخصية عبر الإنترنت، قلت وتيرة إبلاغهم عن حميمية العلاقة التي تربطهم بشركائهم، ومع ذلك، فإن الأمر يختلف بالنسبة للصداقات؛ إذ لم يكن هناك ارتباط بين كشف المعلومات الشخصية عبر الإنترنت ومستويات الرضا عن العلاقة. وبالنسبة للإفصاح دون الاتصال بالإنترنت، وجدنا أنه كلما زاد عدد الأشخاص الذين كشفوا معلومات أو تفاصيل شخصية بعيدًا عن الإنترنت، أعربوا عن حميمية العلاقة التي تربطهم بشركائهم".

يقول "لي": وجدنا أنه عندما يكشف الشخص عن معلومات ذات قيمة شخصية عالية عبر الإنترنت (مع تضمين شريك الحياة في المنشور)، فإن الشريك لن يشعر وقتها بأنه مهجور أو مهمَل، أو أن خصوصيته انتُهكت، ولن يكون لتلك المنشورات "تأثير ضار على حميمية العلاقة بين الطرفين".

انقسمت الدراسة الثالثة إلى نمطين بمشاركة 132 شخصًا يرتبطون بعلاقات رومانسية لأكثر من 3 أشهر (55 رجلًا و77 امرأة تتراوح أعمارهم بين 18 و69 عامًا)، تضمَّن النمط الأول نشر المشاركين لمعلومات تحدثوا فيها عما فعلوه في العمل، وما الذي فعلوه في الليلة السابقة، ومشاعرهم تجاه حياتهم اليومية، كما نشروا صورًا لهم، أما النمط الثاني، فاتسم بدرجة منخفضة من الإفصاح، وتحدث من خلاله المشاركون عن الطقس ونشر روابط لمقالات إخبارية، لكنه لم يكشف كثيرًا من المعلومات عنه أو عن شريكه. وجد الباحثون أنه كلما تضمنت المعلومات أمورًا عن شريك الحياة ولا يُعلمه بها، كان ذلك مؤشرًا عن ضعف حميمية العلاقة، وقل رضا شريك الحياة عن طبيعة العلاقة التي تجمعه بنصفه الآخر.

أما الدراسة الرابعة، فاستهدفت الكشف عن آثار زيادة عدد مَن يخبرهم الشخص بمعلومات شخصية عنه على العلاقة الحميمية؛ إذ أعد المشاركون رسائل وهمية، وتم إخبار شركائهم تارةً بأنهم وحدهم هم الذين تلقوا هذه الرسائل، وتارة أخرى بأن الرسائل نفسها تم إرسالها إلى "شخص آخر، ثم أربعة أشخاص، ثم 19 شخصًا آخرين، ثم 21 شخصًا آخرين" على الترتيب، وتبيَّن أن شعور شريك الحياة بأن هناك أعدادًا أكبر من الأشخاص يشاركونه المعلومات الشخصية مع نصفه الآخر يؤدي إلى تراجُع حميمية العلاقة معه، وأن تزايُد عدد مَن يعلمون بتفاصيل المعلومات الشخصية من أهم عوامل الحسم التي تؤثر سلبًا على طبيعة العلاقة بين الطرفين.

يقول "لي": عندما تظن أن شريكك يكشف معلومات شخصية لك ولمجموعة من الأشخاص الآخرين، فإنك تشعر بأنك أقل خصوصية، ويُعَد هذا أمرًا منطقيًّا؛ لأنه من المفترض أن تكون العلاقة بين الطرفين حصريةً وخاصة.

وسائل الحماية

استهدفت الدراسة الخامسة البحث عن وسائل حماية من الآثار السلبية التي قد يجلبها نشر الشخص لمعلومات شخصية على الإنترنت؛ إذ نشر المشاركون رسائل تضمنت صورًا تجمعهم بشركاء الحياة مصحوبة بعبارات من نوع "استمتعت مع شريك حياتي برحلة رائعة في القارب"، ووجد الباحثون أن نشر مثل هذه الصورة والتعليقات يجعل شريك الحياة يشعر بأنه ليس كمًّا مهملًا، وبأنه يمثِّل قيمةً لشريك حياته.

يضيف "لي": من المهم التصدي لمثل هذه الدراسات، خاصةً أن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي يزداد يومًا بعد يوم، وبالتالي فإن هذه المعرفة ستكون ذات صلة وثيقة بعامة البشر وحياتهم الشخصية والنفسية والاجتماعية.

وكانت دراسة سابقة أجراها باحثون من جامعة "بوسطن" الأمريكية قد ذكرت أن استخدام مواقع مثل "فيسبوك" و"تويتر" يمكن أن يضر بالزواج أكثر مما يعتقد كثير من الناس، مضيفةً أن "واحدة من القضايا المحتملة التي تنشأ عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ويمكن أن تتسبب في انهيار الزواج هي قضية الخصوصية؛ ففي بعض الأحيان، ينشر الأفراد المتزوجون معلومات عن حياتهم مثل عدم رضاهم عن علاقتهم، الأمر الذي قد يزعج شريك الحياة". وذهبت الدراسة إلى أنه "حتى إذا جرت كتابة منشور على سبيل المزاح، فإن ذلك يمكن تفسيره من جانب شريك الحياة على أنه سلوك غير مناسب، وأنه يُعَد انتهاكًا للخصوصية".

من جهتها، تقول "ليندسي هان" -باحثة ما بعد الدكتوراة في مجال علم السلوكيات بجامعة جورجيا، وغير المشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "من المثير للفضول معرفة مدى تأثير نشر المعلومات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي على الحياة الأسرية والعلاقات الحميمية، ومن المهم أيضًا معرفة سبل تجنُّب الآثار السلبية لنشر مثل هذه المعلومات في ظل تنامي دور مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية على حياتنا الشخصية".

وتضيف "هان" أن "تلك الأهمية دفعت الباحثين لاتباع منهج متعدد الدراسات لرصد الظاهرة وآثارها وكيفية مواجهة تداعياتها على العلاقة بين شريكي الحياة من جرَّاء تنامي العلاقة بين العالمين الحقيقي والافتراضي".

العلاقات والإنترنت

من جهتها، تقول "نهال لطفي" -أستاذة علم النفس بجامعة قناة السويس- في تصريحات لـ"للعلم": "إن "الدراسات السابقة كانت تستهدف عملية المصارحة والبوح التي تتم وجهًا لوجه، وتحدث في وضع غير متصل بالإنترنت، ما يجعلها غير دقيقة، أما الآن، فإن عملية البوح والإفصاح تتضمن إمكانية معرفة أطراف أخرى لتلك المعلومات بصورة تمكِّنها من قراءتها والرد عليها".

وتضيف "لطفي" أن "الباحثين استخدموا عينات عشوائية، وهو ما يجعلها ممثلةً لمجتمعات أخرى، كما كان هناك عامل تدرُّج في الوسائل الإحصائية وليس فقط عوامل الارتباط. كما أن الدراسة استخدمت وسائل مختلفة ومتنوعة للقياس، ما يجعلها بمنزلة ثورة في هذا المجال ومحرضةً على تحديث كامل للدراسات السابقة في مجال دراسة العلاقات وتأثير الإنترنت عليها".