لسنوات طويلة، كان العلماء على قناعة بأن ضغوط الحياة قد تُسهم في ارتفاع الإصابة بأمراض المناعة الذاتية دون أن يتوافر لديهم فهم دقيق للكيفية التي يُمكن أن تؤثر بها الضغوط على المناعة.

إلا أن دراسة نشرتها دورية "إم ستيمس" (mStems)، التي تصدر عن "الجمعية الأمريكية لعلم الأحياء الدقيقة"، ذكرت أن تعرُّض مجموعة من فئران التجارب لمواقف مجهدة تؤدي إلى توترها، تَسبَّب في حدوث تغيُّرات في البكتيريا المعوية حفزت نشاط الخلايا المناعية وزادت من احتمالية مهاجمة الجسم لنفسه، عبر الخلايا المناعية المُحفزة، التي قامت بشن هجمات على الجسم.

وتحدث أمراض المناعة الذاتية نتيجة خلل في الجهاز المناعي يُفقده قدرته على تحديد الأجسام الغريبة وتمييزها عن الخلايا الجسدية، فيبدأ الجهاز المناعي بمهاجمة الجسم نفسه، مُسببًا عددًا كبيرًا من الأمراض يزيد عددها على الثمانين، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، والسكري من النوع الأول، والثعلبة، والبهاق، والتهاب القولون التقرحي، والتصلب المتعدد، والذئبة.

وإلى الآن، يصعب على العلماء تحديد العوامل الكامنة وراء أمراض المناعة الذاتية، لعدة أسباب، منها اختلاف الأمراض في شدتها وأعراضها، علاوةً على تعدُّد أسباب الإصابة بها.

يشير الباحثون إلى أن هناك تداخلًا قويًّا بين الجهاز المناعي والميكروبات المعوية، فحين تشتد الضغوط النفسية على الفئران، تبدأ تلك الكائنات في عمل استجابات قوية تُغير من خصائصها، وتؤدي إلى حدوث خلل بالجهاز المناعي، تجعله يُهاجم نفسه عوضًا عن مهاجمة الميكروبات والتهديدات الخارجية.

وتُظهر الدراسة أن الإجهاد أدى إلى تنشيط الجينات البكتيرية في الميكروبات المعوية المرتبطة بالسمات التي قد تكون عنيفة، بما في ذلك النمو باطراد ونشاط في الحركة، علاوة على نشاط في الإشارات المرسلة بين العامل المُمْرِض والمضيف، مشددةً على أن "الميكروبات المعوية يُمكن أن تنقل تلك الصفات إلى أجزاء أخرى في الجسم، تتضمن الغدد الليمفاوية، ما يُثير استجابات مناعية خطأ تؤدي إلى حدوث أمراض المناعة الذاتية".

قام الباحثون بتحليل الغدد الليمفاوية للفئران المجهدة، ووجدوا وفرةً في العديد من الأنواع البكتيرية المسببة للأمراض، كما وجدوا أيضًا نسبًا عالية من الخلايا التائية، مقارنةً بالفئران الطبيعية.

وتشير النتائج إلى أن الإجهاد يُسبب تغيرات في نشاط ميكروبات الأمعاء، التي تؤثر بدورها على الاستجابة المناعية بطريقة يُمكن أن تؤدي في النهاية إلى نوبات من مهاجمة الجسم.

وتوضح الدراسة أن بكتيريا الأمعاء يُمكنها استشعار الضغوط، والاستجابة لها، إلا أن الباحثين يؤكدون أنهم بحاجة إلى فهم أفضل لكيفية التفاعُل بين تلك البكتيريا والضغوط الاجتماعية.

تقول "أورلي آفني" –من كلية الطب في جامعة "بار إيلان"، والباحثة الأولى في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن أحداث الحياة المُجهدة تُعَد عامل خطر لاضطرابات المناعة الذاتية، ويُمكن أن يُعزز الإجهاد الاجتماعي المزمن التعبير عن الجينات الخبيثة في ميكروبات الأمعاء، وأن ينقلها إلى الغدد الليمفاوية".

وتضيف "آفني" أن "التوتر يُمكن أن يزيد من خطر الإصابة بأمراض المناعة، خاصةً لدى الأفراد المعرضين أصلًا للإصابة بتلك الأمراض نتيجة العوامل الوراثية، وتحدث أمراض المناعة الذاتية بنسبة 5% في جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من أن المسببات لها عنصر وراثي، إلا أن الدراسة تُشير إلى وجود تأثير كبير للبيئة على تطور تلك الأمراض، ويصل ذلك التأثير إلى حوالي 50% من حالات الإصابة".

وتدعم العديد من الدراسات العلمية فكرة أن أحداث الحياة المجهدة تؤدي دورًا في التسبب باضطرابات المناعة، إذ تؤدي إلى خلل في إفراز هرمونات العدد الصماء. لكن تلك الورقة تقول إن الخلل يُمكن أن يبدأ من محور الأمعاء الدقيقة، والبكتيريا المعوية، وهو أمر جديد تمامًا، وقد يُسلط الضوء على أساليب جديدة لعلاج أمراض المناعة الذاتية تبدأ من الأمعاء باعتبارها بيت الداء والدواء، وفق "آفني".