لا يكاد يمر يوم دون أن تكون هناك زيادة في عدد المصابين بداء "السكري"؛ إذ تشير التقديرات إلى أن عدد المصابين بالمرض ارتفع من 108 ملايين شخص حول العالم في عام 1980 إلى 463 مليون مصاب في عام 2019، أي ما يعادل 9.3% من إجمالي عدد سكان العالم البالغين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20 إلى 79 عامًا، في حين تشير التوقعات إلى ارتفاع عدد المصابين بالمرض إلى 578 مليون شخص في عام 2030، ثم إلى 700 مليون مصاب في عام 2045.

ووفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية، كان داء السكري سببًا مباشرًا في حدوث حوالي 1.5 مليون حالة وفاة في عام 2019، وكان أحد الأسباب الرئيسية للإصابة بالعمى والفشل الكلوي والنوبات القلبية والسكتات الدماغية وبتر الأطراف السفلى.

ومن بين مضاعفات السكري تبرز الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية لتحتل موقع الصدارة؛ إذ يزيد السكري من تصلب الشرايين ويؤدي إلى حدوث مشكلات في الشرايين التاجية، وقد يتسبب في حدوث الجلطات القلبية والسكتات الدماغية.

اعتلال عضلة القلب

يتسبب مرض "السكري" أيضًا في حدوث اعتلال عضلة القلب، وهي حالة مرضية تصيب عضلة القلب وتؤدي إلى صعوبة ضخ الدم من القلب إلى باقي أجزاء الجسم، ويمكن أن يؤدي اعتلال عضلة القلب إلى فشل القلب، وتشمل الأنواع الرئيسية لاعتلال عضلة القلب "اعتلال عضلة القلب المتوسِّع"، و"الضخامي"، و"المقيد".

وفي سياق المحاولات العلمية المتواصلة التي تستهدف فهم آلية عمل الأدوية التي تقلل من اعتلال عضلة القلب في مرضى السكري، أجرى فريق بحثي إيطالي دراسة نشرتها دورية "ميتابوليزم كلينيكال آند إكسبريمنتال" (Metabolism Clinical and Experimental).

توضح الدراسة أن "اعتلال عضلة القلب في مرضى السكري قد يرتبط بوجود نوع من الجينات يسمى JunD، وهو جين يؤثر على وظيفة عضلة القلب، سواء في الفئران المعملية المصابة بالسكري أو في المرضى المصابين بالسكري من البشر".

في البحث الجديد، سعى الباحثون للتوصل إلى فهم أعمق لوظيفة هذا الجين والأدوية التي يمكنها التأثير عليه، خاصةً في بدايات تأثير السكري على القلب، واستخدم الباحثون عينات من القلب من المرضى الذين خضعوا لعمليات زرع القلب لأسباب مختلفة (بعضهم كان مصابًا بالسكري والآخرون لم يكونوا كذلك).

ودرس الباحثون تأثير ارتفاع مستوى الجلوكوز ومقاومة الأنسولين على التعبير الجيني لهذا الجين على مدى سنة كاملة بعد إجراء هؤلاء المرضى لعملية زرع قلب؛ إذ تم أخذ العينات في أول شهر بعد زراعة القلب، ثم بين الشهر الثاني والثالث، ثم بعد قرابة سنة من نقل القلب، ثم عملوا على دراسة تأثير الأدوية المعروفة بمثبطات الناقل المشارك للصوديوم/الجلوكوز 2SGLT2i على هذا الجين.

وتُعد "مثبطات الناقل المشارك للصوديوم/الجلوكوز 2" (SGLT2) من أحدث أنواع الأدوية التي تمت الموافقة عليها من قِبل الهيئات المختصة لعلاج مرض السكري من النوع الثاني (وهو النوع الذي يحدث بشكل عام لدى البالغين)؛ هذه الأدوية تساعد الكلى على إفراز الجلوكوز في البول، وبالتالي تقلل مستواه في الدم، وأثبتت الأبحاث فائدة استخدام هذه الأدوية وحدها -أو مع أدوية أخرى- ليس فقط في تقليل مستوى الجلوكوز في الدم، لكن أيضًا في تقليل الوزن وضغط الدم، وكذلك إبطاء حدوث مشكلات القلب والكلى في مرضى السكري.

فحوص متنوعة

شملت الدراسة 77 مريضًا (40 مصابًا بالسكري و37 من غير المصابين)، وتلقى 17 مصابًا بالسكري علاجًا بمثبطات الناقل المشارك للصوديوم/الجلوكوز2، وبعدها تم تقييم المرضى من خلال الفحص السريري والأشعة وعينات القلب، وباستخدام فحص "تفاعل سلسلة البوليميراز" (PCR)، وتقنية "التألق المناعي"، التي تُستعمل للتعامل مع عينات علم الأحياء الدقيقة، تبيَّن أن التعبير الجيني لجين JunD ارتفع لدى مرضى السكري دون غيرهم، وهو ما تأكد من خلال دراسة عينات القلب المختلفة.

وأظهرت الدراسة أن التعبير الجيني للمستقبِل المسمى "مستقبل منشط البيروكسيسوم" (YPPAR-Y)، والذي يعمل كمنظم رئيسي لتشكيل الأنسجة الدهنية وإعادة تشكيلها وعملية التمثيل الغذائي، ارتفع أيضًا في مرضى السكري، لكن المثير للاهتمام أن هذه التأثيرات كانت محدودةً في المرضى الذين كانوا يتناولون مثبطات الناقل المشارك للصوديوم/الجلوكوز2، واستنتج الباحثون من ذلك أن التغيرات المبكرة التي تحدث في قلوب مرضى السكري ترتبط بزيادة التعبير الجيني لكلٍّ من "مستقبل منشط البيروكسيسوم" وجين JunD، وتراكُم الدهون داخل القلب، وهو التأثير الذي يمكن منعه باستخدام مثبطات الناقل المشارك للصوديوم/الجلوكوز2.

تخزين الدهون

يرتبط جين JunD بمستقبِل منشط البيروكسيسوم، ويعملان معًا على تنشيط الجينات التي تساعد على تصنيع الدهون وتخزينها، ويؤدي حدوث هذا التأثير داخل عضلات القلب إلى خلل في تركيبها ووظيفتها، وبالتالي إلى حدوث اعتلال عضلات القلب.

يشير رافاييل مارفيلا -الأستاذ بقسم العلوم الطبية والجراحية المتقدمة بجامعة ديجلي ستودي ديلا كامبانيا الإيطالية، والباحث الرئيسي في الدراسة- إلى أن فريقه البحثي استخدم نموذجًا فريدًا من خلال دراسة تأثير السكري على القلوب السليمة التي تمت زراعتها في هؤلاء المرضى من خلال فحص عدة عينات من هذه القلوب على مدى 12 شهرًا.

يقول "مارفيلا" في تصريحات لـ"للعلم": يُعد البحث دليلًا واضحًا على تأثير مثبطات الناقل المشارك للصوديوم/الجلوكوز2 المباشر والإيجابي على قلب هؤلاء المرضى من البشر؛ إذ كانت معظم الدراسات السابقة تدرس دور مثبطات الناقل المشارك للصوديوم/الجلوكوز2 لدى المرضى المصابين بالفعل بهبوط أو مشكلات في القلب، لكن دراستنا هي الأولى من نوعها التي تثبت دور هذه الأدوية في منع تأثيرات التمثيل الغذائي السلبية في بدايتها، وبالتالي منع حدوث اعتلال عضلة القلب.

تراكم الدهون

تمت دراسة دور جين JunD في اعتلال عضلة القلب في أبحاث سابقة؛ إذ أشارت دراسة نشرتها دورية "يوروبيان هارت جورنال" إلى الدور الذي يؤديه هذا الجين أيضًا في اعتلال عضلة القلب الناتج عن السمنة عن طريق تراكم الدهون داخل القلب.

فمن خلال دراسة عينات من قلوب بعض المرضى والفئران من المصابين بالسمنة، تبيَّن أن تنظيم مستوى جين JunD يتم من خلال حمض نووي ريبوزي متناهي الصغر يسمى miR-494-3p، إذ يقل مستوى هذا الحمض في قلوب المصابين بالسمنة، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى JunD، وحين ارتفع مستوى هذا الحمض النووي، انخفض مستوى جين JunD، وبالتالي قل أيضًا التأثير السام لتراكم الدهون داخل عضلات القلب، وبعبارة أخرى، يمكننا القول إن هذا الحمض النووي الريبوزي متناهي الصغر يؤدي دور الحارس الذي يحمي القلب من التأثيرات السلبية والقاتلة لجين JunD.

آليات مركبة

من جهته، يرى عبد الله يوسف -مدرس طب الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني- في تصريحات لـ"للعلم" أن "هذه الدراسة تم تصميمها بعناية من أجل فهم آلية حدوث اعتلال عضلة القلب ودور مثبطات الناقل المشارك للصوديوم/الجلوكوز2 في منع مشكلات اعتلال عضلة القلب في مرضى السكري أو علاجها، ونتائج الدراسة مثيرة للاهتمام بالفعل، لكنني أعتقد أن آلية حدوث اعتلال عضلة القلب في هؤلاء المرضى لا تقتصر فقط على الآليات الموصوفة في الدراسة، بل تحدث نتيجة آليات مركبة ومتداخلة ومعقدة تعمل معًا، ما يؤدي إلى حدوث هذه المضاعفات".

يضيف "يوسف": الدور الذي تؤديه مثبطات الناقل المشارك للصوديوم/الجلوكوز2 في حماية القلب لدى مرضى السكري تم إثباته في العديد من الدراسات والتجارب السريرية السابقة، وهو ما انعكس على استخدامه بشكل واضح لعلاج هؤلاء المرضى.

طريقة فريدة

بدوره، يؤكد أحمد عثمان داود -مدرس أمراض الباطنة والكلى في كلية الطب بجامعة القاهرة- أن "مثبطات الناقل المشارك للصوديوم/الجلوكوز2 تعمل بطريقة فريدة تختلف إلى حدٍّ كبير عن طريقة عمل الأدوية الأخرى التي تُستخدم لعلاج السكري".

يقول "داود" في تصريحات لـ"للعلم": يعمل الجسم على إعادة امتصاص الجلوكوز عند مرور الدم في الكلى للتخلص من المواد الضارة، وهي الآلية التي يستخدمها الجسم بشكل طبيعي للحفاظ على مستوى السكر داخل الدم، ويعاني مرضى السكري من ارتفاع مستوى الجلوكوز في الدم، لذا تعمل هذه الأدوية على تقليل إعادة امتصاص الجلوكوز من خلال الكلى دون حث خلايا البنكرياس على زيادة إفراز الأنسولين، واستخدام هذه الأدوية مفيد بشكل خاص لمرضى القلب والكلى، وربما تساعد الدراسة الحالية على زيادة استخدامها.

بعض التحفظات

وبالرغم من أهمية الدراسة، لم تخلُ من بعض التحفظات؛ إذ يقول "يوسف": العدد المحدود من الحالات التي جرت دراستها في هذا البحث يُعد أحد أوجه القصور فيها، لكن نظرًا لطبيعة المرضى الذين تم اختيارهم (مرضى السكري الذين أُصيبوا بأمراض قلب استدعت زراعة أو نقل قلب لهم)، يمكنني القول إن العدد مقبول تمامًا، بل مناسب للغاية.

بدوره، يرى "داود" أن هناك أوجه قصور أخرى، أهمها أن "الدراسة لم توضح علاقة سببية مباشرة بين تأثير المرض والأدوية من جهة، والنتائج الجزيئية من جهة أخرى، كما أن التأثيرات التي أظهرتها الدراسة للأدوية المذكورة قد تتأثر بأدوية أخرى يتناولها هؤلاء المرضى، وهو ما يتطلب فهمًا أفضل لتفاعلات الأدوية معًا"، وفق قوله.

يعلق "مارفيلا" قائلًا: على الرغم من تفهُّمنا لمثل هذه التحفظات، إلا أننا نعتقد أن نتائجنا ذات قيمة كبيرة في تفسير حدوث اعتلال عضلة القلب بالنسبة لمرضى السكري، وما زلنا نسعى من أجل فهم أفضل لتأثير هذه الأدوية وتحسين استخدامها بغية تقليل هذا النوع من المضاعفات لدى مرضى السكري.