لم يكن يدور بخَلَد المخرج الأمريكي «جي ستيورات بلاكتون» أن يُدشن فيلمه المعروف "رجل آلي وخادم بارع" حُقبة جديدة في تاريخ السينما الأمريكية، فالفيلم الكوميدي الذي يحكي عن نحات قام بصناعة رجل آلي ونجح في تسويقه للاستخدام كخادم في المنازل، فتح الباب أمام صناعة عدد كبير من الأفلام تسلط الضوء وباستفاضة على العلاقة بين البشر والإنسان الآلي أو الروبوت.

ومنذ تاريخ عرض الفيلم في عام 1907 وحتى الآن، شهدت ساحات السينما مئات الأفلام التي تتحدث عن الفوائد المرجوة التي يُمكن أن يجنيها البشر من صناعة الروبوتات، وأيضًا عن الشرور والآثام التي تستطيع تلك الآلات ارتكابها حال وصلت -في المستقبل- إلى مستويات من الذكاء الصناعي الفائق.

وفي طريقٍ موازٍ للدراما، يعمل العلماء على ابتكار روبوتات لتأدية معظم المهام الحياتية، بل والتقنية في أحيان كثيرة. تشمل المهام التي يوكلها الباحثون للروبوتات قطاعًا كبيرًا من المهام كالخدمة في المنازل، وأعمال التمريض، وقيادة السيارات والطائرات، وإصلاح المركبات الفضائية، وغيرها من المهام، التي وصلت مؤخرًا إلى حد ابتكار روبوت جديد يحاكي عضلة قلب الإنسان، وذلك لمساعدة مرضى فشل القلب Heart failure.

فقد تمكن علماء من جامعة هارفارد الأمريكية بالتعاوُن مع فريق طبي من مستشفى بوسطن للأطفال من ابتكار روبوت من ذلك النوع المعروف بالروبوتات اللينة soft robots يمكنه أن يفتح خيارات جديدة لعلاج الأشخاص الذين يُعانون قصورًا في عضلة القلب.

وعلى عكس الصور الشائعة في الأذهان، والمستقاة في معظم الوقت من أفلام السينما التي تصوِّر أن الروبوت يتألف من معادن صلبة لامعة وعقول ذكية، فإن الروبوت الجديد جرى تصنيعه من مواد لينة، عبارة عن مصفوفات مرنة متوافرة في البيئة مثل القماش، والورق، والألياف والسيليكون، ويتمتع بخواص فريدة مثل خفة الوزن وكُلفة التصنيع المعقولة.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الروبوت الجديد له خواص فيزيائية مميزة؛ منها القدرة على الانكماش والانحناء والالتواء عبر استخدام مُدخَلات تحكُّم بسيطة مثل السوائل المضغوطة، ما يُعطي أداءً جيدًا في تطبيقات طبية عديدة، مثل مساعدة عضلة القلب على الخفقان في أثناء العمليات الجراحية الكبرى، والتي يحتاجها المرضى المُصابون بفشل عضلة القلب.

وتنجم الإصابة بقصور في عضلة القلب عندما يفقد أيٌّ من البطينين القدرة على ضخ الدم بكفاءة إلى جميع أنحاء الجسم، ويواجه كثيرٌ من المرضى خطر الموت متأثرين بالمرض أو في أثناء انتظار الخضوع لعملية زرع قلب.

 تَوافُق مدهش

ووفق البحث المنشور في مجلة العلوم (ساينس)، يناير الماضي، فإن الروبوت يتوافق مع القلب بشكل مدهش؛ إذ يجعله قادرًا على الانقباض والانبساط بشكل يتوافق مع طبيعة القلب النابض، ويعزز عمله، وكذلك عمل الأوعية الدموية (الشرايين والشعيرات الدموية والأوردة).

وتُعَد الميزة الرئيسية لذلك الروبوت هي عدم وجود احتكاك مباشر مع مجري الدم، على عكس القسطرة الجراحية المعتادة، والمستخدمة إلى الآن في عمليات القلب المفتوح، والتي تسبب عددًا من المشكلات من ضمنها احتمالية تخثُّر الدم ما يُسبب الجلطات، أو تلوُّث الدماء البكتيري، وهو ما قد يؤدي إلى وفاة المريض.

ويؤثر فشل القلب على نحو 41 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، وحتى اليوم؛ الخيارات محدودة جدًّا أمام هؤلاء المرضى، من ضمنها استخدام القساطر الطبية والدعامات، إلا أن تلك الوسائل توضع داخل الشرايين وتتماس مع الدماء، ما يجعل هؤلاء المرضى عُرضةً للجلطات والسكتات الدماغية.

ويوضح البحث أن المجال المتنامي للروبوتات اللينة سيفتح المجال أمام توظيف تطبيقاتها للوفاء بالاحتياجات الطبية -وبخاصة الجراحية- للتقليل من عبء أمراض القلب وتحسين نوعية الحياة للمرضى. وفي ظل وجود كل هذه الميزات، قد يؤدي هذا الجهاز يومًا ما دورًا مهمًّا نحو إنجاز جراحات زراعة القلب، أو في المساعدة على إعادة تأهيله وإنعاشه.

خيارات محدودة

ويعمل الروبوت الجديد كعضلة اصطناعية للقلب؛ إذ يلتف حوله، ويحاكي عمل البطينين، ويجري توصيله بأنابيب رقيقة من السيليكون تستخدم الهواء لتشغيل محركات الروبوت، التي تنقبض وتنبسط بصورة تحاكي القلب الطبيعي عبر تغيُّر الضغط داخل الأنابيب، وهو الأمر المفيد في حالة العمليات الجراحية لمرضى الفشل القلبي؛ إذ سيستمر عمل قلب المريض بصورة مثالية في أثناء العملية حتى تمام إعادة تأهيل العضلة القلبية.

يقول إلين T. روش -المؤلف الرئيسي للبحث- لموقع جامعة هارفارد على الإنترنت: إن هذا الروبوت يعطي نتائج مثيرة للاهتمام عن كيفية تفاعُل الروبوتات اللينة مع الأنسجة الحية، مشيرًا إلى أن الروبوت الجديد يفتح المجال أمام العديد من التطبيقات المستقبلية الأخرى، إذ يُثبت أن المعالجة الميكانيكية للأعضاء الحيوية –سواء من داخل الجسم أو خارجه- يُمكن أن تنقذ عددًا كبيرًا من البشر. وروش هو طالب دكتوراة سابق في كلية هارفارد بولسون للهندسة والعلوم التطبيقية ومعهد ويس للهندسة البيولوجية، وهو الآن زميل ما بعد الدكتوراة في جامعة إيرلندا الوطنية.

يقول روش إن إحدى الميزات الحصرية لذلك الروبوت هو كونه «شخصيًّا» لكل مريض، فالطبيب -على سبيل المثال- سيستطيع إعادة ضبط إعدادات الروبوت للمرضى المُصابين بمزيد من الضعف في الناحية اليسرى من القلب وتوجيه مزيد من الضغط على تلك الجهة التي تعاني ضعفًا أكثر، كما أن ضغط المحركات الروبوتية يُمكن أن يزيد أو يقل مع مرور الوقت، ومع تطوُّر حالة المريض، على عكس الأنظمة الحالية، والتي لا تتوافر فيها مثل تلك الميزات الحصرية.

جهود بحثية

ولا يُعد ذلك الروبوت أول الروبوتات المصنوعة من مواد لينة، فقد تمكن باحثون من نفس الجامعة –هارفارد- قبل نحو 4 أعوام من صناعة روبوت على شكل سمكة، يتكون من هيكل من طبقات السيليكون، مُغطى بخلايا مأخوذة من فئران جرت هندستها وراثيًّا لتتحرك عند تعرُّضها للضوء، إلا أن ذلك الروبوت كان مُخصصًا للسباحة في السوائل –مثل الماء والدم- ويختلف بشكل كلي عن الروبوت الجديد الذي لا يتحرك بناءً على إشارات الضغط المختلفة التي تأتيه عبر أنابيب سيليكونية متصلة بمضخة تعمل بالهواء.

وفي مايو من العام الماضي، وفق دورية نيتشر العلمية الشهيرة، قامت مجموعة من العلماء بتطوير روبوت مجهري مصنوع من مواد مطاطية ويُمكن أن يتحرك بواسطة مجالات كهربية أو مغناطيسية خارجية أو حتى عن طريق شعاع ليزري عبر مجرى الدم، بهدف استخدامه لإزالة انسداد الشرايين أو في تحريك الحيوانات المنوية لتخصيب البويضات، وهو أيضًا يختلف عن نظيره الحديث الذي ابتكره علماء هارفارد في كونه يحتاج إلى مائع للتحرك عبره.

وقبل نحو شهرين؛ تمكن باحثون من معهد ماكس بلانك الألماني من تصميم روبوت متناهي الصغر، يستطيع توصيل الأدوية عبر السباحة في الدماء، فيما تمكن علماء آخرون من كوريا الجنوبية من تطوير روبوت آخر يستطيع الكشف عن أمراض السرطان من خلال تحليل بضعة بروتينات تنمو بتركيزات كبيرة عندما توجَد بالقرب من الخلايا السرطانية.

فرصة كاملة للجراح

"قطع العلماء شوطًا كبيرًا في تصميم الروبوتات الطبية"، كما يقول الدكتور عادل الإتربي، رئيس جمعية أمراض القلب المصرية وأستاذ القلب بجامعة عين شمس، لـ"للعلم".

ويوضح الإتربي أن هناك عدة طرق لعلاج هبوط عضلة القلب، منها استخدام أجهزة مساعدة لمساندة القلب في أثناء الهبوط تمهيدًا لزرع القلب أو تركيب الدعامات، مشيرًا إلى أن "الأجهزة الموجودة حاليًّا تستخدم القسطرة كوسيلة للدخول إلى داخل تجويف عضلة القلب للعمل كمضخة بديلاً عن القلب، قد تسبب تلك الأجهزة حدوث تجلطات داخل الدم مع طول المدة"، أما الابتكار الجديد فهو يشبه "غطاءً للقلب من الخارج، الغرض منه ضخ الدم من الخارج عن طريق الضغط على العضلة وإجبارها على الانقباض"، على حد قوله.

ويستطرد قائلاً: "هذا يعني أن وقت استخدام ذلك الروبوت قد يطول، وهو ما يعطي الفرصة الكاملة للجرَّاح".

وحتى هذه اللحظة لا يزال في مراحل الاختبار ولم يُستخدَم على البشر، إلا أنه حال استخدامه سيحل العديد من المشكلات في أثناء تحضير المريض المُصاب بعضلة القلب للعمليات، وفق رئيس جمعية القلب المصرية الذي يرى أن ثمة مشكلات في الابتكار الجديد، إذ يعتمد الروبوت على جهاز خارجي -يتصل الجهاز بأسلاك خارج القلب- وهو ما يعني أن المريض لن يكون قادرًا على الحركة في أثناء تركيبه، على عكس القسطرة الطبية التي يستطيع المريض التحرك بها بحرية، ويلفت الإتربي الانتباه إلى أن الروبوت يحتاج أيضًا إلى فتح الصدر –وهو نوع من العمليات- على خلاف القسطرة التي لا تحتاج إلى شق الصدر.

سيساعد الابتكار أطباء الرعاية الحرجة وجراحي القلب بكل تأكيد. يقول الدكتور تامر فهمي، أستاذ طب الحالات الحرجة بجامعة القاهرة، والذي يرى أن الروبوت الجديد يعمل بنفس "سينكرونية القلب" ليقوي من ضخ الدماء، مشيرًا إلى أن ذلك الروبوت –حال الموافقة على استخدامه- سيساعد كثيرًا في علاج الفشل القلبي دون الحاجة لملامسة الدماء، وهو ما يقلل احتمالية الإصابة بالعدوى أو التخثر، "لن نحتاج لأدوية سيولة حال استخدام ذلك الروبوت؛ فاحتمالات التجلط ستنخفض أو تنعدم بالنسبة لأولئك المرضى، وبالتالي ستنخفض الكلفة الناجمة عن علاج الجلطات داخل أقسام الرعايات الحرجة، وهو أمر رائع".