في شتاء عام 1839، وبينما يقوم عالِم الفلزات الروسي النبيل «ليف بيروفسكي» بجولة بحثية اعتيادية في جبال الأورال الواقعة بين روسيا وكازاخستان، لاحظ وجود مجموعة من العروق اللامعة بين الصخور، تناول إحدى الشظايا الناجمة عن ضربات مطرقة صغيرة كان يحملها ضمن أدواته العلمية، تفحصها بعينيه، وتحسسها بكلتا يديه، وأنهى جولته البحثية على الفور، فقد أدرك أنه سيعود إلى موسكو حاملًا بُشرى جديدة لـ«نيكولاس الأول» امبراطور روسيا في ذلك الزمان.

المادة هي معدن البيروفسكايت الذي اكتسب اسمه من اسم مكتشفه، وفقًا لأوامر امبراطور روسيا، والذي كرم «بيروفسكي» وأسند إليه مهمة إدارة وزارة التعدين، وطيلة عشرات السنوات الماضية، لم يكتسب المعدن أي شهرة خاصة، غير أن الحال قد تبدل الآن،  بعدما تمكن باحثون من جامعة فرجينيا، بالتعاون مع مهندسين من جامعة كورنيل، من ابتكار طريقة جديدة تجعل معدن البيروفسكايت –الرخيص والموجود بوفرة في الطبيعة- بديلاً مميزًا للمواد التي تُستخدم الآن في الخلايا الشمسية.

بدأت أولى محاولات استخدام مادة البيروفسكايت في عام 2009، وقتها؛ أعلن الباحث الياباني المتخصص في الطاقة المتجددة بجامعة طوكيو «توسوتومو مياساكا» عن ابتكار أول خلية شمسية مصنوعة من تلك المادة، إلا أن عدم استقرار الخلية والتغيرات التي تطرأ على تركيبها الذري مع تغير الظروف المناخية وكفاءتها القليلة التي لا تتعدى نسبة الـ4% حالت دون استخدامها على نطاق تجاري. تواصلت الأبحاث لسنوات، حتى تمكن باحثو جامعتي فرجينيا وكورنيل من الوصول إلى مركب كيميائي يرفع من كفاءة الخلايا الشمسية المصنوعة من البيروفسكايت ويعزز من استقرارها في الظروف المناخية.

مصدر لا ينضب

وتُعَد الشمس مصدرًا غير ناضب للطاقة النظيفة، فكمية الإشعاع الذي تبثه الشمس في الساعة الواحدة مُحمَّلة بطاقة تكفي احتياجات البشر لعامٍ كامل. ومنذ ابتكار الخلايا الشمسية في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي، يسعى العلماء لتوفير وسيلة ذات كفاءة عالية ورخيصة لتحويل السطوع الشمسي إلى تيار كهربي، غير أن كُلفة إنتاج الكيلووات الواحد من الخلايا الشمسية تزيد بمقدار الضعف عن مثيله المستخرَج من حرق الفحم، «وحين نتحدث عن التكلفة.. لا مجال أمام حكومات العالم سوى اختيار الأرخص، ولتذهب البيئة إلى الجحيم»، على حد قول الدكتور محمد حسن، أستاذ الطاقات المتجددة بجامعتي ميدبرج الألمانية وحلوان المصرية.

في الوقت الحالي، يُستخدم سيلينيد النحاس والسيليكون في صناعة معظم الخلايا الشمسية التجارية، وهي مواد متوسطة التكلفة إلى حد ما، غير أن أقصى كفاءة تحويل لها لا تتعدى 25%، وهو ما يحد من استخدامها على نطاق واسع، خصوصًا مع التكلفة الإضافية التي يتحملها المستخدم لشراء بطاريات التخزين. وهناك أنواع أخرى من الخلايا المصنوعة من مادة «زرنيخ الجاليوم» تتعدى كفاءتها الـ30%، إلا أن سعرها الباهظ يحول دون انتشارها على مستويات واسعة. من هنا جاء التفكير في استخدام مادة البيروفسكايت المتوفرة في جميع أنحاء العالم، خصوصًا أنها تتمتع بمجموعة من الميزات الحصرية: منها خفة وزنها، ومرونتها الكبيرة، وتحملها لإجهادات الشد والسحب، مع ميزة إضافية تحفيزية؛ ألا وهي قدرتها على إنتاج طاقة بكفاءة تقترب من 25%.

«غير أن تلك الميزات تقترن بعيب خطير» على حد قول حسن، الذي يؤكد أن ثمة مشكلة خطيرة، لَطالما أعاقت الجهود الرامية لاستخدام الخلايا المصنوعة من البيروفسكايت، فعلاوة على وجود عنصر الرصاص السام ضمن الخلية، لا تستطيع تلك الخلايا مقاومة الرطوبة أو الأمطار. ويضيف حسن: «دعنا نتخيل خلية شمسية لا تعمل في الشتاء، أو في الأيام التي تزيد فيها نسبة الرطوبة عن 60%، هذا أمر يجعلها دون فائدة على الإطلاق» ويستطرد: «من هنا تأتي القيمة العلمية للبحث؛ فقد وضع الباحثون حلًّا لتلك المشكلة».

استخدم الباحثون تقنيات علوم النانوتكنولوجي لتوسيع نطاق استقرار مادة البيروفسكايت، عبر إعادة ترتيب الذرات داخل المادة باستخدام المحاكاة الحاسوبية، ليكتشفوا أن عمليات إعادة الترتيب أسهمت في رفع قدرة الخلايا الشمسية على تحويل الشعاع الشمسي إلى طاقة كهربية، وساعدت في الآن ذاته على مقاومة الظروف المناخية.

قدرات فائقة

تمتص الخلايا الشمسية التقليدية فوتونات ضوء الشمس عن طريق جزيئات أشباه الموصلات، لتنتج إلكترونات سالبة الشحنة الكهربائية وفجوات holes موجبة الشحنة، ثم يقوم شبه الموصل –السيليكون غالبًا- بفصل الجسيمات الموجبة لعمل تدفق يُنتج فرق جهد مستمر داخل الخلية، ما يؤدي إلى سريان تيار كهربي في الأسلاك النحاسية. غير أن كفاءة تلك الخلايا مُحددة ضمن نسبة الـ20%، بسبب عدم قدرة شبه الموصل على امتصاص كل الأطوال الموجية للضوء، على عكس خلايا البيروفسكايت التي تمتص الضوء بصورة أكبر وأفضل، ما يجعل كفاءتها تقترب من حدود الـ25% في الوقت الحالي، مع توقعات مستقبلية للوصول إلى نحو 40%، ما يجعلها الوسيط الأمثل لتحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية، بكفاءة عالية، وسعر معقول للغاية ينافس سعر الكهرباء المستخرجة من حرق الوقود الأحفوري.

وكانت دراسة سابقة أجراها فريق من معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة وكلية ترينتي الإيرلندية على مادة البيروفسكايت في محاولة لفهم أكبر لخواصها، أظهرت أن مكوني المادة –العضوي وغير العضوي- يسهمان في جمع الطاقة الشمسية وتحويلها إلى كهرباء؛ «فالجزء غير العضوي من البيروفسكايت -الرصاص ثلاثي اليوديد- هو المسؤول عن الاحتفاظ بالضوء. وفي نفس الوقت، يطيل الجزء العضوي من المركب من عمر الإلكترونات المفعّلة ضوئيًّا، مساندًا جمعها ككهرباء، ورافعًا من الكفاءة الفوتوفولتية للبيروفسكايت الهجين» حسبما ورد في الدراسة. وهو ما يعني إمكانية تصميم مركبات جديدة لعمل خلايا تجمع الطاقة الشمسية بتكلفة أقل من تصنيع الخلايا السيليكونية وبقدرات أكبر.

ووفق تصريح الفيزيائي «سيونغ هون لي» الذي قاد الدراسة المنشورة في مجلة ساينس أدفنس  نوفمبر الماضي، فإن الطريقة الجديدة «تفتح الفرص الكاملة للخلايا الشمسية المصنوعة من البيروفسكايت لإطلاق الإمكانات الكاملة لها»، مشيرًا إلى أن تحسين استقرار الخلايا على نطاقات واسعة من درجات الحرارة يجعلها مثالية للاستخدام في الظروف القاسية، «مثل المركبات الفضائية والطائرات» على حد قوله.

ومرونة الخلايا المصنوعة من مادة «البيروفسكايت» وخفة وزنها تجعل تطبيقاتها لا محدودة، إذ يُمكن استخدامها كزجاج نوافذ يعزل الضوء ويولد الطاقة في الآن ذاته، أو على سطح سيارة تعمل بالطاقة الشمسية، أو حتى كوسيلة عامة لشحن الهواتف المحمولة، أو على أعمدة الإنارة، أما سعرها الزهيد فسيعطي بُعدًا اجتماعيًّا للأمر، إذ سيتمكن الفقراء في المناطق النائية من اقتناء خلاياهم الخاصة التي ستولد الطاقة بأرخص الأسعار.

تفاؤل يشوبه حذر

يتفاءل الدكتور «محمد حسن» بنتائج الدراسة الجديدة، إلا أن التفاؤل يشوبه حذر، فالباحثون لم يذكروا في ورقتهم البحثية مقدار الانهيار في الخلية عند زيادة الحمل، «في المعتاد، يتسبب ارتفاع درجة حرارة سطح الخلية في الحد من كفاءتها.. أعتقد أن الأمر بحاجة إلى مزيد من الأبحاث».

ويتفق الفيزيائي «مايكل جرستيل»، العامل في معهد التكنولوجيا السويسري، مع محمد حسن في تلك النقطة، إلا أنه يؤكد أن الضجة المُثارة حول البحث الجديد "مبررة"، مشيرًا في تصريح خاص لـ"للعلم" إلى أن «الخلايا الجديدة تعمل بكفاءة غير مسبوقة، ما سيوسع النطاق التجاري لاستخدام الطاقة الشمسية، ويجعل كوكبنا أكثر حيوية.. ونظافة».