مع إطلاق منظمة الصحة العالمية أسبوعها العالمي الثاني للتوعية بمخاطر الاستخدام غير الآمن للمضادات الحيوية، 14- 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، يجري طرح ملف «مقاومة المضادات الحيوية» وضعف فاعليتها، من جديد، كقضية "قديمة حديثة" تنذر كل عام باستفحال المشكلة دوليًّا، خاصة مع تضاؤل عدد العلاجات الدوائية الفعالة. ورغم حالة الخوف والترقب المسيطرة على المعنيين بالتصدي للمخاطر المحتملة الناجمة عن ذلك، كان لبعض المراكز البحثية، في هذا الإطار، نتائج جديرة بالاهتمام.

فمؤخرًا، نشرت الباحثة المصرية <هبة عبد الوهاب> -في كلية الزراعة وعلوم الحياة بالولايات المتحدة- نتائج دراسة أُجريت حول آلية عمل إنزيم يقف وراء ضعف فاعلية أحد المضادات الحيوية المهمة المدرجة على القوائم الأساسية لعلاج الأمراض البكتيرية. الدراسة التي نُشرت أوائل أكتوبر الماضي بمجلة الكيمياء البيولوجية Journal of Biological Chemistry  ودورية بلوس وان PLOS One، أفادت توصل هبة عبد الوهاب -بالاشتراك مع الفريق البحثي للبروفيسور <بابلو سوبرادو>، بكلية الزراعة وعلوم الحياة، والفريق البحثي للبروفيسور <جاك تانر> بجامعة ميسوري- إلى التعرُّف على الإنزيم المسبب لضعف فاعلية أحد المضادات الحيوية الشهيرة والمعروف باسم Rifampicin ريفامبيسين، وتحديد بنيته.

وفي حوار خاص لـ«للعلم» أوضحت هبة عبد الوهاب -الباحث الرئيسي للدارسة- أن هذا المضاد الحيوي الذي يُعَد من العلاجات الفعالة لمكافحة العدوى البكتيرية جرى استخدامه على مدار 40 عامًا ضمن بروتوكولات علاجية لأمراض مختلفة، مثل السل والجذام، وأحد أنواع الالتهابات الرئوية المعروف باسم مرض المحاربين القدماء Legionnaire disease.

تضيف: يعمل العقار المشار إليه على منع البكتيريا من إنتاج الحمض النووي الريبوزي RNA، والتي تُعَد إحدى أهم الخطوات الضرورية للنمو والتكاثر البكتيري. ووفق الباحثة فإن العقار مدرج على قائمة منظمة الصحة العالمية ضمن الأدوية الأساسية، وهو من العلاجات الموصى بها ويعطى عن طريق الفم أو الوريد. إلا أنه في السنوات الأخيرة ظهرت عدة دراسات تؤكد ضعف فاعلية هذا النوع من المضادات الحيوية.

ووفقًا لما هو متعارف عليه فإن انخفاض فاعلية المضادات الحيوية تحدث بسبب تحوُّر بعض الجينات بالشريط الوراثي للبكتيريا، مما يزيد من قدرتها على مقاومة الدواء. ومن الممكن أن تقاوم البكتيريا المضاد الحيوي دون أن يحدث تحوُّر بالشريط الوراثي، وذلك بإنتاج إنزيمات محددة تعمل على تغيير التركيب الكيميائي للمضاد الحيوي، مما يعوق تفاعله وتأثيره على البكتيريا.

هذا المسار البحثي بالرغم من طرحه من قبل في العديد من الأوراق البحثية -كما تؤكد هبة- لم تجر دراسته بصورة كافية، وهو ما عملت عليه في دراستها، إذ استخدم الفريق البحثي تقنية X-ray crystallography للوصول إلى التركيب البلوري لإنزيم ريفامبيسين مونو أكسيجينيز، المسبب لضعف فاعلية الدواء. ومن خلال دراسات أخرى جرت بالاشتراك مع الفرق البحثية المشاركة تم تحديد آلية عمل الإنزيم في إضعاف فاعلية ريفامبيسين.

وحول جدوى النتائج البحثية التي جرى التوصل لها، أشارت الباحثة إلى أن معرفتنا لتركيبة الإنزيم العائق للدواء وآلية عمله تتيح لنا مسارات مختلفة وجديدة للتعامل مع المشكلة الراهنة، منها ابتكار مثبط موجه للتعامل مع هذا الإنزيم، مما يسهم في عودة المضاد الحيوي بالفاعلية ذاتها، كما أنه من الممكن أيضًا تطوير التركيب الكيميائي للمضاد الحيوي، بما يحد من حدوث أي تفاعل مع الإنزيم الذي يُضعف من فاعليته.

عشوائية استخدام الأدوية

وتعليقًا على الدراسة، أوضحت الدكتورة <رنا أحمد الحجة> -مديرة قسم الأمراض المعدية بالمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالقاهرة- أن ريفامبيسين من العلاجات الأساسية لمرض السل، كما أنه مدرج في العديد من البروتوكولات العلاجية لأمراض أخرى. قائلة: "إن فائدة الدراسة المطروحة هي أنها تفسر آلية مقاومة البكتيريا للدواء، وهو أمر بالغ الأهمية إذا أردنا أن نغير من خطط العلاج في مهاجمة البكتيريا، سواء بتطوير الدواء أو إضافة علاجات مكملة".

وأضافت أن المشكلة ذاتها يواجهها المجتمع الدولي مع المضادات الحيوية من مجموعة beta lactam  والتي منها عقار بنسيلين؛ إذ جرى رصد انخفاض فاعلية العقاقير بنسب متفاوتة في مختلِف دول العالم.

وتفسر الحجة ذلك بقولها: يعود ذلك إلى عدم التزام المرضى بالبرنامج العلاجي، وعشوائية استخدام الأدوية دون الرجوع للطبيب.

وتشير الحجة إلى أنه بالرغم من أهمية الدراسة التي أجرتها د. هبة، فالوصول إلى مسارات علاجية فعالة قد يستغرق سنوات كثيرة، وهو ما قد يعني تضرر الملايين حول العالم من عدم توافر مضادات حيوية بديلة وفعالة. وتنصح د. رنا بأهمية زيادة الوعي المجتمعي بسبل استخدام المضادات الحيوية.

وكانت تقارير دولية قد أظهرت خروج بعض المضادات الحيوية من دائرة العلاجات الفعالة خلال الشهور القليلة الماضية، أبرزها عقار كوليستين المستخدَم لعلاج التهابات المسالك البولية، إذ كشفت دراسات أجريت في الصين وهولندا والدنمارك حدوث تحور جيني بالبكتيريا مكنها من مقاومة العقار.

ووفقًا للدراسات المجمعة والتقارير الصادرة عن مركز دراسات ديناميكية الأمراض والاقتصاد والسياسات بالولايات المتحدة CDDEP، فإن نسب المقاومة لفاعلية المضادات الحيوية في تصاعد مستمر من عام 2000، خاصة للبكتيريا التي تهاجم الجهازين التنفسي والهضمي مثل بكتيريا الكليبسيلة الرئويةKlebsellia pneumonia  وإي- كولاي E.coli، إذ جرى رصد تراجع فاعلية العديد من المضادات الحيوية في عديد من الدول المتقدمة والنامية على السواء، وإن اختصت الأخيرة بالسيناريوهات الأسوأ بسبب غياب السياسات الرقابية في استخدام المضادات الحيوية.

وفي مقالة سابقة نُشرت على موقع Nature في ديسمبر 2015، ذكرت المحررة سارة ريردون أنه بالرغم من اعتماد هيئة الغذاء والدواء الأمريكية قائمة مضادات حيوية جديدة، بالإضافة إلى وجود أكثر من 30 عقارًا في المراحل الأخيرة قبل الاعتماد، فأغلب هذه الأدوية شبيهة بما هو متاح حاليًّا. توضح ريردون، وبالتالي فإنها لن تكون بالفاعلية المأمولة للتغلب على البكتيريا المحورة، لذلك تسعى المراكز البحثية إلى طَرق مسارات أخرى لمحاربتها، كانتقاء أنواع من الفيروسات يمكنها القضاء على البكتيريا أو الأحماض الأمينية التي تنتجها بعض الحيوانات للتغلب على البكتيريا، لكن لا يزال أغلب هذه الدراسات في طي البحث والتجريب.

خريطة طريق

ويقول الدكتور علاء الدين العلوان -مدير منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط-: "إن مقاومة المضادات الحيوية تهدد ما حققه الطب الحديث من إنجازات؛ إذ إنها تزيد من حجم التكاليف الطبية وتطيل فترات الإقامة في المستشفيات، كما أنها تزيد من التعرض لخطر الوفاة".

ولذلك تعمل منظمة الصحة العالمية على إلقاء الضوء على المشكلة؛ أملًا في تعزيز المسؤولية المشتركة بين أوساط واضعي السياسات والعاملين بالمجال الصحي ودوائر صناعة الرعاية الصحية وقطاع الزراعة والأفراد بوجه عام، للعمل معًا من أجل الحد من مقاومة المضادات الحيوية.

وفي ظل انخفاض عدد المضادات الحيوية الفعالة وقلة عدد العقاقيرالجديدة، من المتوقع أن تصبح التدخلات الطبية -مثل عمليات زرع الأعضاء والعلاج الكيميائي والعمليات الجراحية كالولادة القيصرية- على درجات عالية من الخطورة؛ نظرًا لانخفاض فاعلية المضادات الحيوية.

ودعت منظمة الصحة العالمية المجتمع الدولي إلى التعقُّل في إدارة استخدام المضادات، سواء على المستوى الطبي أو البيطري، وأن تتم إدارة هذه القضايا بقدر كبير من التنسيق الدولي، مثلما يتم تناول قضايا تغير المناخ وأهداف التنمية المستدامة، وذلك في إطار حملة هذا العام التي جاءت تحت شعار: "المضادات الحيوية- التعامل بحرص".

وتأتي الحملة الدولة للتوعية بمخاطر الإفراط في استخدام المضادات الحيوية تفعيلًا لتقرير منظمة الصحة العالمية، التي أصدرته في إطار جهود التصدي لمشكلة ضعف فاعلية المضادات الحيوية، ويُعَد التقرير الذي صدر بالتعاون مع عدة منظمات دولية -مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO  ومنظمة الصحة الحيوانية OIE- بمنزلة خريطة طريق لإشراك كافة الجهات المعنية بتداول المضادات الحيوية واستخدامها، وسن القوانين التي تعوق من الإفراط في المضادات الحيوية؛ فكلنا خاسرون من ضعف فاعلية المضادات الحيوية.