رغم أن رفاهية الجميع تأثرت بجائحة "كوفيد-19" حول العالم، لكن دراسة جديدة كشفت أن بعض الأفراد قد تحملوا ضغوط الوباء وأعباءه بشكل أفضل من غيرهم، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى جيناتهم.

وتعتمد كيفية إدراك الأشخاص لنوعية حياتهم على مجموعة من العوامل التي تشمل الجينات التي ورثوها عن والديهم وبيئاتهم، وهي مزيج بين الطبيعة والتنشئة.

وقد تكون دراسة الجينات المتعلقة بنوعية الحياة معقدة، لكن جائحة "كوفيد-19" ساعدت فريقًا بحثيًّا هولنديًّا على التحقُّق من كيفية تفاعُل هذا الحدث العالمي المُجهد مع جينات الشخص للتأثير على صحته العامة.

وخلال الدراسة التي نشرتها دورية "بلوس جينيتكس" (PLOS Genetics) اليوم "الخميس"، 12 مايو، فحص الفريق جينات أكثر من 27 ألف مشارك في هولندا تبرعوا بمواد وراثية لبنك حيوي، ثم بحثوا عن روابط بين المتغيرات الجينية واستجابات المشاركين لسلسلة من الاستبانات حول المعايير الاجتماعية والديموغرافية والأمراض المزمنة وعدوى "كوفيد-19" والصحة العامة واستخدام الأدوية والصحة العقلية والرفاهية والحياة الاجتماعية ونمط الحياة، على مدى 10 أشهر، بدءًا من مارس 2020.

ووجد الباحثون أن بعض الأفراد لديهم ميلٌ وراثي نحو الاستمتاع برفاهية أفضل من غيرهم في أثناء الوباء، بالإضافة إلى ذلك، ومع ازدياد انتشار الوباء، وجدوا أن العوامل الوراثية لها تأثيرٌ قوي ومتزايد على كيفية إدراك هؤلاء الأشخاص لنوعية حياتهم، وربما يرجع ذلك إلى العزلة الاجتماعية التي تتطلبها تدابير احتواء "كوفيد-19" الصارمة.

من جهته، يشير "لود فرانك" -أستاذ علم الجينوم الوظيفي بجامعة جرونينجن في هولندا، وقائد فريق البحث- إلى أن "جائحة كوفيد-19 أثرت على رفاهيتنا على مستوى العالم، ومع ذلك، قد لا يكون التأثير هو ذاته بالنسبة للجميع".

يقول "فرانك" في تصريحات لـ"للعلم": نحن نعلم أن الصحة البدنية والصحة العقلية يتأثران جزئيًّا بالطبيعة (علم الوراثة) وجزئيًّا بالعوامل البيئية مثل جائحة كوفيد-19، لقد وفرت تلك الجائحة فرصةً فريدةً للباحثين؛ إذ تعرضت مجتمعات بكاملها -فجأة، وفي الوقت نفسه- لكلٍّ من الفيروس والتغيرات المجتمعية المطلوبة لمكافحة الفيروس، لقد أتاح لنا ذلك الفرصة للتحقيق في التفاعُل بين علم الوراثة وتأثير الجائحة على رفاهية الأفراد بمرور الوقت.

وتابع: في تحليلاتنا، استخدمنا إشاراتٍ جينيةً معروفة مرتبطة بصفات سلوكية ونفسية مختلفة، هناك العديد من المؤثرات الجينية المختلفة لكلٍّ من هذه السمات والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات كبيرة أو صغيرة، لكل سمة، قمنا بدمج كل هذه الإشارات الجينية فيما أطلقنا عليه النتيجة متعددة الجينات، وتعكس هذه الدرجة الميل الفردي نحو سمة، وعلى الرغم من أنه لا يمكن استخدام مثل هذه النتائج للتنبؤ بسلوك الأفراد، إلا أنه يمكن استخدامها لمعرفة ما إذا كانت مجموعات الأشخاص الذين لديهم ميول وراثية مختلفة تستجيب على نحوٍ مختلف في حالة الشدائد.

فعلى سبيل المثال، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين حصلوا على درجة عالية من تعدد الجينات فيما يتعلق بنوعية الحياة المتصورة، كما هو متوقع، أبلغوا عن جودة حياة أعلى في الاستبانات، وقام الباحثون بحساب الدرجات متعددة الجينات للسمات السلوكية والنفسية الأخرى وربطوا هذه الدرجات بمجموعة متنوعة من الأسئلة.

وفي المجمل، وجد الفريق البحثي أن هناك 288 عنصرًا من عناصر الاستبانة تم شرحها جزئيًّا بواسطة الدرجات متعددة الجينات للمشاركين، العديد من هذه النتائج التي تتأثر بالدرجات متعددة الجينات يرتبط بالثقة بالحكومة والاستعداد للالتزام بإجراءات احتواء "كوفيد-19".

يقول "فرانك": أرسلنا استبانات مرارًا وتكرارًا إلى الأشخاص أنفسهم، بدأنا ذلك بعد أسابيع فقط من ملاحظة كوفيد-19 لأول مرة في هولندا، وواصلنا تكرار هذه الأسئلة نفسها طوال الوباء على نحوٍ منتظم، وأتاح لنا هذا مقارنة تأثيرات الدرجات متعددة الجينات في نقاط زمنية مختلفة، ووجدنا أن الإسهام الجيني في الرفاهية ليس ثابتًا، ولكنه في الواقع يمكن أن يتغير بمرور الوقت، والتأثير الأكثر وضوحًا كان نوعية الحياة المتصورة؛ إذ وجدنا أنه على مدار الجائحة زاد الإسهام النسبي للمحدِّدات الجينية، ما يجعل العوامل الأخرى أقل أهمية، وبصياغة مختلفة، أصبحت الجينات أكثر أهميةً لسعادة الناس.

وعن تفسير تلك النتائج، يقول "فرانك": هناك العديد من التفسيرات المحتملة لهذا التأثير؛ فمن المحتمل أنه بسبب العزلة الاجتماعية التي تفرضها تدابير احتواء "كوفيد-19"، كان لدى الناس ببساطة تفاعلات أقل يمكن أن تؤثر على نوعية حياتهم، كما أن بعض العوامل الوراثية قد يؤدي إلى مقاومة الإجهاد، مما يسمح لبعض الأشخاص بالتعامل على نحوٍ أفضل مع الآثار النفسية المطولة للوباء.