أظهرت دراسة أجراها فريق من الباحثين الألمان أن عمق المياه ومدى توافر الغذاء يؤثران على تشكيل السلالات التي تعيش في قاع المحيط المتجمد الشمالي من حيث الكثافة والكتلة الحيوية.

ووفق الدراسة، التي نشرتها دورية "بلوس 1" (PLOS ONE)، فقد تأكد الباحثون –للمرة الأولى- من أن تنوُّع الكائنات الموجودة في المحيط المتجمد الشمالي يتماثل مع تلك الموجودة في المياه المعتدلة على نفس العمق.

ونظرًا لطول فصل الشتاء واستمرار الغطاء الجليدي، فإن الحياة وسط المحيط المتجمد الشمالي تُعَد أكثر ضآلةً مقارنة بالمحيطات المعتدلة، رغم أن الخصائص الأساسية لمجتمعات القاع لم يتم تحديدها بشكل دقيق.

وللتغلُّب على تلك المشكلة، قام الباحثون تحت قيادة "إنتجي بويشس" -أستاذة الأحياء الدقيقة الجيولوجية بمعهد "ماكس بلانك" للأحياء الدقيقة البحرية بألمانيا- بجمع بيانات عمليات مسح سابقة خاصة بقاع المحيط المتجمد الشمالي، والتي جرت أعوام 1993 و2012 (العام الذي شهد أسوأ تراجُع للجليد في التاريخ الحديث) و2015. وتضمنت عمليات المسح 27 محطة بطول بحر "بارنتس" الواقع في الشمال الشرقي من النرويج، وبحر "لابتيف" في المحيط المتجمد الشمالي، و"بحر أموندسن". وتتراوح الأعماق التي تعيش بها الكائنات البحرية التي شملتها عمليات المسح بين 38 إلى 4381 مترًا.

ووجد الباحثون -كما تنبأوا قبل بدء الدراسة- أن الكتلة الحيوية للحيوانات البحرية تتناقص مع زيادة العمق وبالتوافق مع ما تتناوله من مدخلات غذائية، وأن هذا النقص يتزايد في المحيط المتجمد الشمالي كلما كان العمق أكبر بالمقارنة بالمحيطات المعتدلة.

يقول "أندريه فيدينين" –الباحث بمعهد شيرشوف الروسي لعلوم المحيطات، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إنه جرى تحديد خمسة أنواع من السلالات تختلف فيما بينها من حيث التركيب وعمق المياه التي تعيش داخلها بداية، النوع الأول هو "ذوات الصدفتين" أو "ثنائيات الصدفة"، وهو أحد أنواع رخويات البحر والماء العذب، التي تعيش على أعماق أكبر من 60 مترًا، والثاني "نجم البحر الهش"، الذي يُعرف أيضًا بـ"نجم البحر الثعباني"، وهو أحد الكائنات البحرية اللافقارية التي تنتمي إلى شعبة شوكيات الجلد، أما النوعين الثالث والرابع فينتميان إلى شعبة "الديدان الحلقية" عديدة الأشواك، والتي تُعرف أيضًا باسم "كثيرات الأهداب"؛ وقد جرت الاستعانة بنوعين منها، أحدهما يعيش على أعماق متوسطة والآخر يعيش على أعماق منخفضة، والخامس "الإسفنجيات"، وهي حيوانات تشكِّل شعبةً مستقلةً تدعى شعبة المساميات وتعيش على عمق 3 آلاف متر أو أكثر".

 ويضيف أن "كثافة تلك الأنواع وكتلتها الحيوية اختلفت عند تنقُّلها بين الجرف السيبيري والمناطق الأكثر عمقًا في المحيط المتجمد الشمالي".

ورغم أن المعلومات عن هذا المحيط البعيد غير كافية لتتبُّع التنوع البيولوجي أو تغيرات الكتلة الحيوية، يأمل الباحثون أن توفر هذه الدراسة أساسًا راسخًا للإجابة عن التساؤلات المهمة في المستقبل حول الآثار السريعة التي يلحقها التغير المناخي بمياه المحيط المتجمد الشمالي، وبالحيوانات البحرية التي تعيش فيه".

وعن فائدة هذه الدراسة في تخفيف أثر التغير المناخي على تلك الكائنات، يقول "فيدينين": "إن الأمر يحتاج إلى تتبُّع التغيرات في مجتمعات القاع أولًا، وهذا الأمر جرت دراسته بالنسبة للمياه الضحلة، بينما لم تتم دراسته في البحار العميقة حتى الآن".