رغم أن بعض أنواع الكائنات تعيش في بيئة واحدة، وتعاني ظروفًا مماثلة، إلا أن استجابتها لارتفاع درجات الحرارة تباينت فيما بينها، وفق دراسة أجراها فريق بحثي من عدة جامعات ومؤسسات أمريكية.

وأظهرت الدراسة التي نشرتها دورية "ساينس" اليوم "الخميس"، 4 فبراير، أن "استجابة الثدييات والطيور الأصلية التي تعيش في المنطقة نفسها من صحراء موهافي لارتفاع درجات الحرارة تباينت على مدى المئة سنة الأخيرة، وأن مجتمعات الثدييات الصغيرة كانت أكثر استقرارًا من الطيور في مواجهة تأثيرات التغيرات المناخية المحلية".

وتقع صحراء موهافي في جنوب غرب الولايات المتحدة، وتمتد على مساحة حوالي 44 ألف ميل مربع، وتتميز بطبيعتها القاحلة المطيرة والجافة، وشهدت أعلى درجة حرارة مسجلة على سطح الأرض.

تقدم الدراسة نهجًا تكامليًّا لفهم طبيعة تأثر التنوع البيولوجي بعوامل المناخ في مناطق الاحترار السريع؛ إذ يُعَدُّ فهم كيفية استجابة الأنواع للاحترار المتزايد أحد الأمور بالغة الأهمية للتنبؤ بالمخاطر والحفاظ على التنوع البيولوجي، خاصةً أن التعرُّض لارتفاعات قصوى في درجات الحرارة يهدد الكائنات الحية في جميع أنحاء العالم، ومن المتوقع أن يدفع بالعديد من الأنواع إلى حافة الانقراض.

وعن أهمية فهم كيفية استجابة الكائنات المختلفة لدرجات الحرارة المرتفعة في الحفاظ على التنوع البيولوجي، يوضح إريك ريدل -الأستاذ المساعد بقسم البيئة والتطور والبيولوجيا العضوية في جامعة ولاية آيوا، والباحث الرئيسي في الدراسة- أن التأثيرات الناجمة عن التغيرات المناخية تهدد نوعًا واحدًا على الأقل، من بين كل 6 أنواع، بالتعرُّض لخطر الانقراض.

يضيف "ريدل" في تصريحات لـ"للعلم": نفتقر إلى القدرة على التنبؤ بالأنواع الأكثر تعرُّضًا للاحترار السريع على وجه أكثر دقة، ومن خلال فهم كيفية استجابة الكائنات الحية لدرجات الحرارة المرتفعة على مدار القرن الماضي، نأمل تقديم تنبؤات أفضل حول كيفية استجابة الأنواع الحيوانية لتداعيات تغيُّر المناخ خلال القرن المقبل، في ظل استمرار تسارع الاحترار العالمي.

تفترض التنبؤات الخاصة بقابلية تأثر الأنواع التي تعيش في بيئة مشتركة بالعوامل المناخية، أنها تواجه مستوياتٍ ومعدلاتٍ متشابهةً من التعرُّض للحرارة المرتفعة، وأنها تستجيب للعوامل المناخية المشتركة بطرق مماثلة، إلا أنه مع ذلك، تبدو الأنواع أكثر تعقيدًا في كيفية استجابتها لتلك التداعيات، إذ تتبع إستراتيجيات تكيفية سلوكية وفسيولوجية متنوعة، للوقاية من التغيرات البيئية، حتى عبر الأنواع المشتركة في البيئة الطبيعية نفسها.

ومن خلال تحليل مجموعة بيانات تاريخية حول ثراء الأنواع الحية، على مدار القرن الماضي، ومسوحات سابقة للمواقع نفسها التي جرى مسحها مجددًا، بالإضافة إلى الاستفادة من نماذج بيئية تفصيلية، حاول الباحثون عقد مقارنة بين كيفية استجابة مجتمعات الطيور والثدييات الصغيرة لارتفاع درجات الحرارة في صحراء موهافي.

ووجد الباحثون أنه "على الرغم من مشاركتها الحياة في الموقع نفسه، مما يفرض عليها متطلبات فسيولوجية وبيئية مماثلة، إلا أن معاناة أنواع الثدييات والطيور من التعرُّض لارتفاع درجات الحرارة ونوبات الجفاف، على مدار المئة عام الأخيرة، اختلفت نتيجة تبايُن استجابتها لهذه العوامل".

وتشير الدراسة إلى أنه "في حين ظلت مجتمعات الثدييات الصغيرة مستقرة، بشكل ملحوظ، في مواجهة تلك التغيرات، فقد عانت تجمعات الطيور وأنواع أخرى كثيرًا؛ إذ سجلت تراجعات كبيرة".

 يُرجع "ريدل" هذه الاختلافات إلى التبايُن في قدرة كل مجموعة على الاستفادة من فرص المناخ على المستوى المحلي، موضحًا أن "السبب الرئيسي لبقاء مجتمعات الثدييات الصغيرة مستقرة، هو قدرتها على الحفر تحت الأرض، حيث تكون درجات الحرارة غالبًا أكثرَ برودةً واستقرارًا، بينما استمر تعرُّض الطيور، فوق سطح الأرض، لمستويات أعلى من الحرارة، حتى عندما كانت تلجأ إلى الظل الذي توفره بعض الأشجار أو الشجيرات الصغيرة".

ويتابع: بينما ساعدت قدرة الثدييات على تجنُّب درجات الحرارة المرتفعة من خلال الحفر تحت الأرض على استمرار مجتمعاتها، في ظل ارتفاع درجة الحرارة على مدار القرن الماضي، فقد سجلت أعداد كثيرة من أنواع الطيور تراجعات كبيرة؛ إذ كانت أكثر تعرُّضًا للتداعيات الناجمة عن احترار المناخ.

ويرى الباحثون أن هناك حاجة ضرورية إلى تطوير مزيد من الأساليب النموذجية التي تجمع بين علم وظائف الأعضاء والسلوك، من أجل التنبؤ على نحوٍ دقيق بقابلية الأنواع المختلفة للاستمرار وقدرتها على البقاء، في مواجهة التداعيات الناجمة عن تغير المناخ.