على مدار أكثر من نصف قرن، تتردد الصيحات في مختلِف ربوع المعمورة، منذرةً بأحد أكبر التحديات التي تهدد الحياة على كوكب الأرض: "التنوع الحيوي في خطر". فمنذ إصدار "القائمة الحمراء" للأنواع المهدَّدة بالانقراض لأول مرة عام 1963، لم تجد نداءات الاتحاد الدولي لصون الطبيعة، وغيره من جماعات الضغط ومنظمات حماية الحياة البرية والبحرية، آذانًا صاغية، حتى بلغ مستوى الخطر أقصاه، فباتت الكائنات المهددة بالانقراض تواجه خطرًا حتميًّا بـ"الفناء".

وقد بدأ الاتحاد الدولي لصون الطبيعة -وهو السلطة الرسمية القائمة على حفظ أنواع الكائنات الحية في العالم- قبل ما يقرب من 53 عامًا في إصدار "القائمة الحمراء"، التي تُصنف حالة حفظ الأنواع النباتية والحيوانية المهددة بالانقراض. ويجري تحديث القائمة الحمراء مرة واحدة على الأقل كل عام، كما يُعاد تقييم كل فئة من الأنواع المدرَجة على القائمة كل 5 سنوات إن أمكن، أو كل 10 سنوات على الأقل.

تهديدات بالجملة!

وتزامنًا مع انطلاق مؤتمر الاتحاد الدولي لصون الطبيعة لعام 2016 في جزر "هاواي"، جرى الكشف عن دراسة علمية حديثة أظهرت أن نحو 8 آلاف نوع من الكائنات المدرجة على "القائمة الحمراء" تواجه تهديدًا بالفناء. وأوضحت الدراسة أن البنادق وشبكات الصيد والجرافات، هي أبرز ما يهدد الحياة الطبيعية. والحقيقة أن نحو ثلاثة أرباع الكائنات المهددة بالانقراض تواجه أخطارًا متزايدة، نتيجة للصيد الجائر ولممارسات أخرى من شأنها تغيير الموئل الطبيعي لتلك الكائنات، لاستغلاله في الزراعة أو للتوسع العمراني.

وقام فريق من جامعة "كوينزلاند" الأسترالية، ومن "جمعية المحافظة على الحياة البرية"، ومقرها مدينة نيويورك، ومن اتحاد صون الطبيعة، بدراسة حالة نحو 8688 نوعًا من كائنات القائمة الحمراء. وتبين أن 72% من الكائنات محل الدراسة تواجه خطرًا متزايدًا بالانقراض نتيجة "الاستغلال المفرط"، المتمثل في صيد هذه الكائنات من مواطنها الأصلية بمعدلات لا يمكن تعويضها، بينما 62% تواجه نفس المخاطر نتيجة "الممارسات الزراعية غير الرشيدة"، أما التهديدات الناجمة عن التغيرات المناخية فلا تشمل سوى 19% فقط من الكائنات التي تضمنتها الدراسة.

التغيُّر المناخي.. مفاجأة

وأوضحت الدراسة، المنشورة في مجلة Nature، أن 5407 أنواع تواجه تهديدات بسبب الأنشطة الزراعية وحدها، منها فهد "شيتا" الأفريقي، والكلب البري الأفريقي، وثعلب الماء الآسيوي. أما ممارسات الصيد غير المشروعة فقد نجم عنها تراجُع كبير في أعداد وحيد القرن والأفيال، والغوريلا الغربية، وآكل النمل الصيني. بينما تؤثر تهديدات أخرى على استمرارية بعض الأنواع، ومنها على سبيل المثال الفقمة المُقنعة، التي تناقصت أعدادها بسبب التغيُّرات المناخية. ولعل المفاجأة الأكبر التي كشفت عنها الدراسة، أن تغيُّر المناخ جاء في المرتبة السابعة من بين 11 مصدر تهديد لكائنات القائمة الحمراء، تعرضت لها الدراسة.

وقال رئيس الفريق البحثي، شين ماكسويل، الأستاذ بجامعة كوينزلاند: "تبين أن التهديدات القديمة المرتبطة بالاستغلال المفرط والأنشطة الزراعية هي مفتاح البحث في أزمة تدهور التنوع الحيوي"، وتابع بقوله: "يجب أن يكون ذلك على رأس أجندة اتحاد صون الطبيعة"، بهدف تحديد الاتجاهات المستقبلية لحماية الحياة البرية، على ضوء التحديات الكبرى للتنوع البيولوجي، التي كشفت عنها الدراسة. ودعا مؤلفو الدراسة كافة المشاركين في مؤتمر الاتحاد الذي عُقد في المدة من 1-10 سبتمبر في هاواي، وقطاعات المجتمع بشكل عام، إلى التركيز على اقتراح خطط عملية تتعامل مع تلك التحديات وتمويلها.

أما جيمس واطسون -وهو أيضًا أستاذ بجامعة كوينزلاند، يمثل جمعية المحافظة على الحياة البرية ضمن فريق الدراسة- فقال: "تعلمنا من التجارب التاريخية أن الحد من تأثيرات الصيد الجائر والزراعة، يتطلب إجراءات حماية مختلفة، وهو هدف يمكن تحقيقه". وأضاف واطسون: ومن هذه الإجراءات إدارة مناطق محمية، وتطبيق ضوابط صارمة لتنظيم الصيد، ووضع نظم زراعية تقضي بعدم المساس بالأنواع المهددة. كما شدد واطسون على أن الجميع له دور مهم للتقليل من أزمة تدهوُر التنوُّع الحيوي، فهذه الأنشطة بحاجة إلى تمويل بالإضافة إلى وضعها كأولويات في المناطق التي تشهد تهديدات متزايدة للحدِّ منها.

التنوُّع الفائق في مصر

مفهوم "التنوُّع الحيوي" أبعد بكثير من مجرد أعداد النباتات والحيوانات وأنواعها، فهو "دعامة الحياة البشرية ورفاهيتها"، وفق الدكتور مصطفى فودة، مستشار وزير البيئة للتنوع البيولوجي. وهذا التنوع هو مصدر طعامنا، كما أن كثيرًا من المركبات الدوائية مستخلص من أنواع نباتية، ومنه أيضًا نحصل على ما نرتديه من ملابس، وعلى الأكسجين الذي نتنفسه. وللحفاظ على التنوع الحيوي، يجب أن يحرص الإنسان على التوازن في العلاقة القائمة بين 3 مقومات: الأنواع والجينات والأنظمة البيئية، بهدف الاستفادة من هذا التنوع، أو حمايته من أجل الأجيال القادمة.

ونتيجة للتبايُن في نطاقاتها البيئية، تُعد مصر موطنًا للتنوُّع في الموائل البرية والحياة النباتية والحيوانية، التي تتميز بالتنوُّع الفائق في تكوينها، رغم قلة عدد أنواع الكائنات الحية بها، وقلة الأنواع المستوطنة. ويتميز البحر الأحمر بثرائه بأنواع الكائنات الحية التي تعيش فيه، واحتضانه لأنظمة شعاب مرجانية معدودة بين أغنى الأنظمة البيئية في العالم، بالإضافة إلى مستوطنات "المنجروف"، أو أشجار "الشورى"، التي تشكل مع الشعاب المرجانية اثنتين من آليات التنوع الحيوي في العالم.

ضرورة قصوى

وبينما أكد فودة، في تصريحاته لـ"للعلم"، أنه على الرغم من تعاظم الجهود المبذولة على مدى العقود الماضية، استمر التنوع الأحيائي في العالم في التبدُّد، بفعل أسباب أهمها: تدمير الموائل، وفرط الاستغلال، والتلوث، وإقحام نباتات وحيوانات من مناطق أخرى من العالم. وشدد فودة على أن حماية مقوِّمات التنوع الأحيائي في مصر، سواء الكائنات الحية أو الأنظمة البيئية والموائل، تأخذ صفة "الضرورة القصوى"، نظرًا لأن الأنواع ليست وفيرة، بينما تكثر النطاقات البيئية والموائل الطبيعية.

وعن أهم كائنات "القائمة الحمراء" في مصر، فقد أشار الرئيس السابق لقطاع حماية الطبيعة إلى أن دراسات سابقة حصرت الأنواع المهددة في 134 نوعًا من الحيوانات، و82 نوعًا من النباتات، إلا أنه عاد ليؤكد أن عدد هذه الأنواع أكبر بكثير مما رصدته الدراسات، معتبرًا أنها شملت مجموعة قليلة من الحيوانات والنباتات. وأشار فودة إلى أن الجهود التي بُذلت خلال الـ30 سنة الماضية، من خلال الاتحاد الدولي لصون الطبيعة، لا تتعدى 10% فقط من الأنواع المعروفة، ومنها العديد من أنواع الثدييات كالنمر، والفهد الصياد "شيتا"، والكبش الأروي، والوعل النوبي، والغزال الأبيض المصري، والأطوم "عروس البحر"، بالإضافة إلى أنواع أخرى من الطيور والفراشات وأشجار النخيل.

تهديدات محلية

أما بالنسبة لأبرز التهديدات فقد أكد فودة أنها تتركز في 5 تهديدات رئيسية هي: "تفتت" أو "تجزُّؤ الموائل"، بسبب إنشاء الطرق أو السدود أو خزانات المياه، و"الاستخدام غير المستدام" للكائنات والموائل البرية والبحرية، و"التلوث" بكافة أشكاله، و"الأنواع الغازية"، و"التغيرات المناخية"، بالإضافة إلى تهديد "البُعد الديموغرافي"، المتمثل في الزيادة السكانية، مشيرًا إلى أن غالبية كائنات القائمة الحمراء -التي تخضع للحماية بموجب قانون المحميات الطبيعية- تتعرض لتهديدات بالغة، نتيجة أنشطة التنمية العمرانية، والزراعة، والسياحة، والتعدين.

وتشمل إجراءات قطاع حماية الطبيعة إزاء تلك التهديدات، وضع الاستراتيجيات الوطنية لحفظ التنوُّع البيولوجي، والاستخدام المستدام للموارد البيولوجية، وإدماج تلك الاستراتيجيات في خطط التنمية، واستمرار عمليات الرصد والتقييم للأنواع المهددة، وتفعيل القوانين، ووقف الصيد الجائر والاتجار في الأنواع البرية، وإشراك المجتمعات المحلية في عمليات صون الكائنات المهددة والحفاظ عليها، فضلاً عن تشجيع التعاون الدولي والإقليمي في تعزيز التفهم العلمي والقيمة الاقتصادية للتنوع البيولوجي.

مهمة مشتركة

ولا تقتصر إجراءات حماية كائنات القائمة الحمراء على الجهود الحكومية فقط، إذ يشارك العديد من مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية الإقليمية والوطنية بدور بارز في هذه المهمة، إذ أكد الدكتور عماد الدين عدلي -المنسق الوطني لبرنامج "المنح الصغيرة"، التابع لمرفق البيئة العالمية، ورئيس جمعية "المكتب العربي للشباب والبيئة"- أن البرنامج قدم تمويلًا لأكثر من 320 مشروعًا جرى تنفيذها في مختلِف المحافظات المصرية، من ضمنها مشروعات خاصة بالحفاظ على التنوع البيولوجي، بالتعاون مع قطاع حماية الطبيعة، إما بهدف رفع الوعي، أو الحفاظ على الكائنات المهددة بالانقراض، أو تطوير حرف يدوية تقليدية خاصة بالبيئة البدوية، وكذلك المشاركة في تطوير مراكز استقبال الزوار في عدد من المحميات الطبيعية.

وأضاف عدلي أن البرنامج أتم تمويل مشروعين، الأول لحماية "السلاحف البحرية" على شواطئ البحر المتوسط، نفذته جمعية "تنمية وحماية البيئة" في بئر العبد بشمال سيناء، في محمية الزرانيق، والمشروع الثاني لصون وحماية الوعل النوبي بجنوب سيناء، نفذته جمعية "حماة الطبيعة والتراث" بسانت كاترين. بينما نظمت جمعية "المكتب العربي" العديد من الندوات وورش العمل والمسابقات البيئية لطلاب المدارس، بهدف تبسيط المفاهيم والمعلومات البيئية للأطفال، للحفاظ على الموارد، والكائنات الحية في المحميات الطبيعية.