وجدت دراسة أجراها باحثون من جامعة «نوتنجهام ترنت» أن ممارسة الجري بأعلى قدرة لمدة معتدلة في أثناء اليوم الدراسي، كانت لها نتيجة فورية وملحوظة في ارتفاع مستوى سرعة ودقة استجابة التلاميذ في الفصول.

وارتكزت الدراسة المنشورة في شهر يوليو 2016 في دورية تقارير الطب الوقائي على إجراء اختبارات على عينة من 44 تلميذًا، تبلغ أعمارهم 12 عامًا تقريبًا، حيث خضعوا لتمرين رياضي، عبارة عن 10 مجموعات متكررة من الجري بأقصى قدرة، لمدة 10 ثوان، ثم المشي لـ50 ثانية. هدفت الاختبارات إلى محاكاة ما يقوم به التلاميذ في ملعب المدرسة في أثناء وقت الاستراحة، حيث يجري التلميذ بأقصى سرعة، ثم يتوقف، ثم يجري من جديد.

وبعد الانتهاء من الجري، خضع التلاميذ لاختبار ستروب 'Stroop test' لتحديد مدى قدرتهم على الإدراك والانتباه واسترجاع المعلومات بسرعة بعد التمارين بشكل فوري ومباشر مرة، ومرة أخرى من دون أداء التلاميذ لتمارين، على سبيل المثال: يتم عرض كلمة أزرق باللون الأخضر، وعلى الطالب تحديد اللون الذي كُتبت به الكلمة، عوضًا عن الكلمة ذاتها، ففي المثال السابق تكون الإجابة الصحيحة هي الأخضر.

ميكانيكية عمل المخ

ووجد الباحثون في مدرسة العلوم والتكنولوجيا التابعة للجامعة ارتفاع مستوى استجابة التلاميذ بمعدل 5% بشكل مباشر، عقب ممارستهم للنشاط البدني، وذلك على الرغم من تسجيل التلاميذ لحالة الإرهاق كاختيار في سؤال حول حالتهم المزاجية.

"لا يوجد جهاز في الجسم لا يستفيد من النشاط الرياضي، حتى الهيكل العظمي تتوقف قوته وضعفه على ممارسة الرياضة، مشددًا على أن الأمر ذاته ينطبق على المخ والجهاز العصبي"، هذا ما يؤكده د. مراد عاصم، استشاري العلاج الطبيعي في النادي الأهلي.

كما يوضح عاصم أن المخ عبارة عن عدد من الخلايا تعمل بانتظام، وتقوم بعمليات اتصالية كهروكيميائية فيما بينها، ويستطرد: من خلال هذه التفاعلات يقوم المخ بتخزين المعلومات واسترجاعها، فعملية الفهم والإدراك والمشاعر والانفعالات كلها تتم في المخ.

ويتابع شرحه لميكانيكية عمل المخ قائلًا: "النشاط الرياضي يتسبب في تدمير عدد من الخلايا، مما ينتج عنه شعور بالألم، وكرد فعل يفرز المخ مادة الكورتيسول Cortisol وهي مادة مضادة للالتهابات، ومادة الإندومورفن وهي مادة مهدئة وتعطي شعورًا بالسعادة". هذه المواد -كما يوضح عاصم- تجعل الرياضي يميل إلى النظر للأمور بإيجابية وتهدئ الأعصاب، وهو ما ينعكس بشكل فعال في رفع مستوى التركيز والقدرة على الاستذكار، ويشدد على أنه "لا بد أن يكون النشاط الرياضي منتظمًا، وأن لا تقل ممارسته عن 5 أيام في الأسبوع، حتى نلحظ الفارق الحقيقي وتأثير ذلك على المخ".

ارتفاع التحصيل الدراسي

ومنذ التسعينيات، ربطت أبحاث علمية عديدة بين ممارسة الأطفال والشباب للنشاط الرياضي وارتفاع مستويات التحصيل الدراسي، إلا أن دراسة الأثر المباشر لهذا، هو ما تنفرد به الدراسة الحالية.

ففي عام 2008، نشر موقع المركز القومي لمعلومات التكنولوجيا الحيوية بالولايات المتحدة الأمريكية استعراضًا لـ144 دراسة في هذا المجال. خلصت الدراسات إلى أن النشاط البدني يرفع من القدرة على الفهم عند الأطفال. دراسات أخرى أشارت إلى وجود علاقة قوية بين ممارسة التمارين الرياضية وارتفاع أداء التلاميذ في الامتحانات، إلا أن الأثر كان أكبر بين الذكور مقارنة بالإناث.

الأثر النفسي

ومن المثير أن نعرف أن العلماء تمكنوا من رصد أثر النشاط البدني على المخ بشكل ملموس من خلال الأشعة المقطعية، إذ لوحظ نمو في حجم جزء من المخ يسمى "هيبوكمباس"، ذلك الجزء المسؤول عن التذكر، ووفق الدراسة المنشورة في 2010 بدورية علوم طب الأطفال، أكد الباحثون التابعون لجامعة إلينوي أن ممارسة الرياضة تؤدي إلى تغيُّر "طول الأمد" في تركيبة وبنية المخ. تأتي هذه النتائج بعد إجراء البحوث على 28 طفلًا رياضيًّا، و29 طفلًا غير رياضي.

"الأثر النفسي الذي تُحدثه ممارسة الرياضة هو الأساس في إحداث أثر في تركيبة الروابط العصبية بالمخ"، هكذا تشرح خلود الصباغ -أخصائية المخ وجراحة الأعصاب بجامعة عين شمس المصرية- ما يحدث في جسم الرياضي.

وتتابع قائلة: "تركيبة المخ لا تتغير في حد ذاتها، ولكن الروابط العصبية تتغير كرد فعل للنشاط الكهربي في المخ وانتظامه بسبب ممارسة الرياضة"، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى ارتفاع قدرة الأطفال على التركيز.

دراسة أخرى شيقة قام بها فريق بحثي من قسم علم النفس والعلوم التربوية بجامعة باليرمو في إيطاليا، عام 2015، تحت عنوان "نشاط الأطفال البدني وتطور الإدراك"، خلصت إلى أن الأطفال الذين خضعوا لبرنامج تدريبي في كرة القدم بشكل متواصل، سجلوا تفوقًا في مهارات التمييز البصري مقارنة بنظرائهم من الطلاب ذوي النشاط الحركي الضعيف، الفريق البحثي ذاته قدم بحثًا مماثلًا في 2014 ولكن على رياضة الكاراتيه، أكدوا فيه ارتفاع قدرة الأطفال على التركيز بعد ممارسة هذه الرياضة.

يتفق محمد حسام الدين -دكتور في علم الحركة في كلية التربية الرياضية بجامعة السادات المصرية- مع نتائج الدراسة، حيث يقول: "ممارسة الرياضة بانتظام أمر في غاية الأهمية لنشاط المخ". ويوضح أن ثمة أنواعًا من الرياضات ترفع من قدرة الطفل على التركيز، منها: رياضة الشيش والمبارزة، وأيضًا الجري والنشان، والإسكواش والتنس، فهذه الرياضات وغيرها تتطلب من الممارس أن يكون على درجة عالية من التركيز على الكرة أو على الخصم، وهو ما يمثل تدريبًا جيدًا للمخ".

والعلاقة بين ارتفاع مستويات الانتباه وممارسة الأطفال للنشاط البدني كان واحدًا من الدراسات التى قام بها فريق من قسم علم الحركة وصحة المجتمع في جامعة إلينوي بالولايات المتحدة الأمريكية، التي نشرتها مجلة إلسيفير Elsevier في 2013 عن ممارسة الرياضة وارتفاع الإدراك والانتباه لدى الأطفال،  حيث ذكرت أن الأطفال ذوي الصحة الجيدة في مرحلة التعليم ما قبل الأساسي وصلت نسبة تشتت الانتباه بينهم إلى 17%، وبإجراء اختبار على أطفال ممن سجلوا انخفاضًا في الانتباه بعد أدائهم نشاطًا بدنيًّا معتدلًا كالمشي على جهاز المشي لمدة 20 دقيقة، وُجد أنه حدث ارتفاع في معدلات التركيز لديهم.

كسر الملل

وخلُصت كل الدراسات المذكورة وغيرها إلى ضرورة إضافة توصية للمسؤولين عن التعليم بإدخال نظام التدريب البدني بشكل معتدل ويومي في المدارس، واعتماده كوسيلة لرفع مستويات الانتباه والتركيز عند الأطفال منذ السنوات الأولى من التعليم.

يشير حسام الدين إلى أن نتائج الدراسات الحديثة تؤكد أن النظام المعمول به حاليًّا في أغلب المدارس من تحديد لحصص الرياضة بمعدل يومين في الأسبوع غير فعال: "لا بد أن تكون الرياضة يومية، أي  بمعدل 5 مرات في الأسبوع؛ حتى يكون لها أثر ملموس، فممارسة الرياضة يومين في الأسبوع لا يعتد بها".

وكما يقول د.عبد الهادي مصباح، زميل الأكاديمية الأمريكية للمناعة: "إن ميكانيكية عمل المخ تقتضي أخذ وقت من الراحة والابتعاد عن الدراسة وممارسة نشاط لكسر الملل وتجديد النشاط "، ويضيف: "إن تخصيص وقت للراحة خلال اليوم أمر مهم جدًّا، ولكن قضاءه في أمر مثل مشاهدة التلفاز من شأنه أن يحدث أثرًا سيئًا على مخ الأطفال، وهو عكس ما تفعله الرياضة.

ويشرح مصباح أن النشاط البدني يطلق عددًا من المواد الكيميائية بالمخ، مثل الدوبامين وغيرها من المواد الأساسية؛ للحفاظ على صحة الأعصاب وتكوين روابط عصبية جديدة.

وتمنى مصباح أن يلتفت متخذو القرار لهذه الدراسة، قائلًا: "النتائج التي توصلت إليها الدراسة ذات أهمية كبيرة للمدارس، فهي تعطي صورة للدور الذي تؤديه حصص النشاط البدني في المناهج الدراسية، ودعم إدراج ممارستها تمارين تنافسية عالية الكثافة للتلاميذ في سن المراهقة في أثناء اليوم الدراسي".