منذ فترة تراودني فكرة كتابة مجموعة مقالات لمجلة "للعلم"؛ بهدف ربط مفاهيم الفيزياء التي تعلمناها بالأفعال التي نعيش أحداثها، فأفعالنا في الأساس ما هي إلا حركة من حركات المادة، لو فهمنا قوانين المادة واستوعبناها داخل أدمغتنا وتخيلناها بأحاسيسنا فسنكون قادرين على فهم الكثير عن أنفسنا وعن غيرنا.

الفهم في الأساس زيادة في المعلومات عن نفسك وعن غيرك، بمعنى أنك حين تفهم أكثر ستجد أن نسبة الاختلاف بينك وبين الآخرين أصبحت أقل.

لو نظرت بتمعُّن إلى خلافاتنا فستجد أن معظمها يعود إلى أننا لا نستطيع توصيل مشاعرنا الحقيقية فيما بيننا، لا نستطيع أن نتحدث معًا، لا نستطيع في كل مرة أن يفهم بعضنا بعضًا، من المحتمل أن يتغير ذلك حين تزيد معلوماتنا عن المادة التي تكوِّننا جميعًا بلا استثناء، قد يؤدي ذلك إلى زيادة مساحة الاتفاق فيما بيننا؛ لأننا ببساطة سنكون قد فهمنا القوانين السارية علينا جميعًا بلا أدنى تمييز! 

أحببت أن أبدأ تلك السلسلة من المقالات بشرح مفهوم "الموجة" في الفيزياء وربط ذلك بعلاقاتنا بأشكالها المختلفة مع الأسرة، والأصدقاء أو زملاء العمل؛ فالموجة في أبسط تعريف لها هي اضطراب أو تغيير يحدث في المادة، فيقوم برحلة زمنية، والاضطراب في قول آخر هو خلل في اتزان النظام، لو تكرر هذا الاضطراب بشكل دوري فسيصبح "موجة" بكل بساطة!

الاضطراب هو -ببساطة أكثر- أي تغيير عن المعتاد، لو نظرت إلى حياتك فستجد كل شيء تفعله فيه موجة فيزيائية؛ فالاستماع إلى الراديو موجة، مشاهدة التلفزيون موجة، التحدث في الهاتف موجة، كلامك في حد ذاته موجه، دقات قلبك موجة، أفكارك موجة كهربائية، عصبيتك موجة وهدوؤك موجة.

حين تصبح على دراية كاملة بماهية الموجة، سوف تدرك أنه من أهم مميزاتها أنها تنقل الطاقة من مكان إلى مكان، تُحدث حركة، أو تغييرًا، أو تبديلًا في المادة أو الطاقة المنتشرة في المكان.

هناك ما يسمى بالموجة الراكدة أو الموجة الموقوفة، تحدث تلك الظاهرة حين تتحرك موجة في اتجاه معين فتقابل موجةً مساويةً لها في السعة والتردد ولكنها تنتشر في عكس الاتجاه، تلك الحالة تخلق شيئًا مناقضًا لشخصية الموجة والتي هي في الأصل تنقل الطاقة؛ فالموجة الراكدة الناتجة عن تقابل موجتين في المتوسط لا تنقل أي طاقة، فهي موجة ظاهريًّا فقط، ليس فيها حركة، سعتها كأنها ثابتة، والسعة هنا هي مقياس الاضطراب الذي تُحدثه الموجة مع كل تكرار، حين تحاول أن ترى هل هناك طاقة تم نقلها ستجد أنه ليس هناك أي طاقة تم نقلها، وكأنها تقدم لك الشيء ونقيضه في الوقت نفسه.

لو نظرت إلى حياتك، فستجد أنك تغير أشياء، لكن حفاظك على نمط التغير في حد ذاته، يجعل التغير يبدو وكأنه موجة راكدة، نعم هناك تغير ولكن لا يوجد انتقال للطاقة من هنا إلى هناك، لا توجد حركة، من هنا ينشأ الإحساس بالروتين وهو تكرار التغير، وينشأ الإحساس بالملل نتيجة عدم الإحساس بأي تبادُل للطاقة.

لكسر دائرة الروتين، لا بد أن يصحب التغير تغيرًا في الاتجاه أو في سرعة دورته، في تلك الحالة ينشأ للحركة مفهوم نسميه العجلة أو التسارع، وهو القوة الوحيدة التي تكسر دائرة الروتين والملل! وكأن التسارع هو الذي يخلق معاني جديدة في الحياة!

 لو نظرت إلى علاقاتك بأسرتك، وأصحابك، والناس من حولك فستجد أن هناك نمطًا معينًا متكررًا يحكم تلك العلاقات، هذا النمط يتكرر على حساب مساحة العلاقة بينك وبين غيرك، بعضهم تتعامل معه يوميًّا، وآخرون تتعامل معهم شهريًّا، وهناك مَن يصحبونك ليل نهار، وكأنكم موجات يقابل بعضها بعضًا.

هناك أنماط تتكرر بالشكل نفسه فتشعر أنه لا يوجد أي جديد، ليس هناك طاقة تنتقل من هنا إلى هناك، ذلك النمط نراه متمثلًا في زملاء العمل، كل يوم يفعلون الشيء ذاته، فاليوم مثل الأمس ومثل الغد!

لكن هناك علاقات متجددة، كل يوم طرف يفاجئ الطرف الآخر بشيء، تلك المفاجأة هي التسارع الذي ذكرناه في بداية المقال، وكأن كل مفاجأة تخلق قوةً تكسر حالة الملل في العلاقات! لكن احذر، ليست كل المفاجآت تقوي العلاقات، فهناك مفاجآت قد تُضعف العلاقات أو تُنهيها، فيجب أن تكون على دراية شديدة بطريقة تفكير الطرف الآخر لتُدرك وقع المفاجأة عليه.

وبعد أن قدمتُ في هذه المقالة مفهوم الموجة، سأقدم في المقالة القادمة شرحًا مبسطًا لمبدأ التكافؤ، الذي بُنيت عليه نظرية النسبية العامة.