هل بقاء الإنسان أعزب دون زواج والاستغناء عن شريك الحياة يمكن أن يكون سببًا لحياة أكثر سعادة؟ وهل أصبحت أحلام الفتيات خالية من الثوب الأبيض وفارس الأحلام، وأحلام الشباب تخلو من ست الحسن؟ كان مجرد طرح تلك الأسئلة غير مقبول قبل سنوات قليلة. ولكن الدعوة إلى العزوبة تتردد كثيرًا اليوم بين الشباب، متخطية كل الصور النمطية للمجتمعات الإنسانية التي لا تتردد في التمسك بشدة بحقيقة مطلقة وحيدة، هي أن الزواج الهدف الأسمى للإنسان، وسبيله لبناء حياة سوية تضمن له السعادة.

لقد أصبح التمرد على الزواج يكتسب أنصارًا جددًا كل يوم، هذا ما أكدته دراسة حديثة أجراها كل من ناتاليا ساركيسيان وناعومي جريستيل، الباحثتان في جامعة بوسطن الأمريكية. وركزت الدراسة على أسباب ميل الكثير من النساء والرجال لاختيار العزوبة كأسلوب حياة، عوضًا عن الزواج والارتباط بشريك. وأشارت الدراسة إلى أن المجتمع يضع العديد من القيود الاجتماعية المرتبطة بالزواج، بحيث يعيش الأشخاص في إطار محدد، يفضِّل المجتمع أن يراهم من خلاله، وهو ما دفع الكثير من الشباب إلى الهروب من هذه القيود وتفضيل حياة العزوبة، خاصة وأن لها فوائد كثيرة.

منها مثلًا تمتُّع الشخص بحريته وانفتاحه على المجتمع بعلاقات متعددة مع الأهل والأقارب والجيران، على عكس المتزوج الذي عادة ما يفقد معظم هذه العلاقات ويصبح محصورًا في دائرة العلاقات الأسرية المحدودة. وتمتد هذه التأثيرات الإيجابية -كما ورد في الدراسة- لتصل إلى ميزة التحكم في الوزن، الذي يكون أمرًا سهلًا في حالة عدم وجود شريك.

اختيار مثالي

لقد أصبحت العزوبة اختيارًا يتبناه الكثيرون الآن، غير مكترثين بالتحديات التي ربما تقابلهم مثل نظرة المجتمع أو الوحدة التي ربما تكون مصيرهم المحتوم يومًا ما أو شعورهم بالحاجة إلى الأمومة أو الأبوة. "العزوبة اختيار مثالي لحياة أشعر فيها أنني أتحكم في وقتي وأموالي دون المجازفة بقضاء بقية حياتي متحملًا مسؤولية زوجة وأطفال، بحيث تتحول كل طموحاتي في الحياة لمجرد القدرة على تلبية احتياجاتهم"، هكذا يعبر مصطفى حلمي، 32 عامًا، صيدلي، عن رؤيته للعزوبة. المشكلة الوحيدة التي يقابلها حلمي، كما يقول عن نفسه، هي أن أسرته لا تتقبل الفكرة، وتلح عليه أن يغير من رأيه حتى يحيا حياة طبيعية، وهو الأمر الذي لن يتم -من وجهة نظر العائلة- إلا بالزواج وإنجاب الأبناء.

وتقول د. نادية رضوان -أستاذ علم الاجتماع بجامعة بورسعيد-: "المجتمع لا يزال يرسم خطًّا واحدًا للنجاح لا بد للإنسان أن يسير فيه". وتضيف أن الزواج هو الشكل المثالي الذي يرضى عنه المجتمع ويتقبل الفرد من خلاله، ولكن من دون أن يتوقف لينظر بعمق داخل هذا الإطار ليرى درجة سعادة ورضا مَن بداخله. وتوضح د. نادية رضوان أن التنامي المستمر لظاهرة تفضيل عدم الزواج يعود لعدة أسباب، أهمها: احتفاظ الشباب بمخزون من تجارب الفشل والتعاسة لنماذج المتزوجين من حولهم، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن مفاهيم مثل مؤسسة الزواج والعلاقة الأسرية أصبحت مشوهة، ومؤشر ذلك ارتفاع معدلات الطلاق في مصر إلى درجة غير مسبوقة.

ووفق الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن معدل حالات الطلاق ارتفع في عام 2015 بمقدار 10.8%، كما لفتت الإحصائية إلى أن معدل الزواج بلغ 10.9 في الألف عام 2015، مقابل 11 في الألف عام 2014.  

وكانت دراسة حديثة صادرة عن باحثين بجامعة ويسكونسن- ماديسون الأمريكية قد أظهرت أن ضغوط الحياة الزوجية تصيب المتزوجين بالاكتئاب. كما كشف استطلاع للرأي قامت به مجموعة مينتل البريطانية لبحوث السوق على أكثر من ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 25 و70 عامًا، بعضهم لم يسبق له الزواج والبعض الآخر مر بتجربة سابقة انتهت بالطلاق أو بوفاة الشريك، أن 56% من نساء العينة أبدين شعورًا بالسعادة في الحياة من دون شريك، كما عبر 46% من رجال العينة أيضًا عن الشعور ذاته.

أعزب وأفتخر

«أعزب وأفتخر» شعار أصبح يرفعه الكثيرون والكثيرات في تحدٍّ واضح وإصرار على السير في الطريق الذي يجلب لهم السعادة وتجنُّب الطريق التقليدي المعتاد لنيل مباركة الجميع على حساب سعادتهم. وتقول باحثة علم الاجتماع الأمريكية بيلا دي باولو: "لا يوجد نموذج واحد محدد للحياة الناجحة"، وتضيف: على كل شخص عدم التوقف أمام ما يريده منه الآخرون، فليس من المهم الالتفات إلى ما يفعله أو يفكر فيه الآخرون، ولكن المهم أن يجد كل شخص المكان والأشخاص والطريقة التي تلائمه وتجعل حياته أفضل. وتؤكد الباحثة أن الدراسة التي أجرتها أظهرت أن الأشخاص الذين يعيشون دون شريك يكونون أكثر ثراء وراحة ونجاحًا من نظرائهم المتزوجين.

ملك جمال، 37 عامًا، موظفة في أحد البنوك، تؤكد أنها سعيدة بقرار "عدم الزواج" الذي اتخذته منذ سنوات دراستها الجامعية، أو على الأقل ألا تتزوج لمجرد تنفيذ رغبة أفراد عائلتها. وتشدد ملك على أنها لن تضحي بحريتها واستقلالها إلا من أجل إنسان يستحق أن تشاركه حياتها، على قدر من المساواة والتفاهم. وتقول: "في الواقع ما أراه حولى غير مشجع كي أتخلى عن اختياري الذي يخلق بالفعل صدامات مع مَن حولي"، وتضيف: "الجميع ينظر إليَّ إما نظرة شفقة لأنني أقترب من سن العنوسة، أو نظرة دونية لأنني أغرد خارج السرب. قليلون هم مَن يقدِّرون أن عدم الزواج ربما يكون قرارًا صائبًا مثله مثل قرار الزواج".

"ملك" وغيرها الكثيرات اللاتي لم يسبق لهن الزواج، أو سبق لهن الزواج وانتهت علاقاتهن الزوجية بالفشل، تجمعهن الرغبة نفسها في أن يقضين حياتهن دون ارتباط. وكذلك يرى العديد من الرجال أن سعادتهم ستكون في عدم الزواج. الدوافع قد تكون مشتركة بين النساء والرجال، وكلها تدور حول الاستقلالية المادية والحرية وعدم التقيد بمسؤوليات تجعل من الشخص منفذًا لرغبات واحتياجات أسرته فحسب.

"بالنسبة للنساء ربما يزيد دافع الهروب من التبعية التي تُكتَب عليهن بمجرد أن تصبح الواحدة منهن زوجة لزوج ربما يعاملها بعنف أو بدونية"، كما تقول علياء. ج، مترجمة وأم لثلاثة أطفال. اختارت علياء أن تنفصل عن زوجها الأستاذ الجامعي الذي كان يتعمد إهانتها والتقليل من شأنها، بل وضربها في بعض الأحيان. تعيش علياء الآن بمفردها منذ أكثر من خمس سنوات، ولم تشعر -ولو لمرة واحدة- بأنها تفتقر إلى الشريك، بل إنها انفتحت على العشرات من الشركاء من الأصدقاء وزملاء العمل والأقارب، وفق تعبيرها. ولكن هذا لا يمنع -كما تؤكد علياء- من تلقي نظرات أو كلمات استهجان بين الحين والآخر.

مفهوم الحياة المشتركة

"الوحدة خير من جليس السوء" مثل عربي قديم يؤمن به د. أحمد عبد الله، مدرس الطب النفسي بكلية الطب في جامعة الزقازيق، الذي يدعم فكرة الحياة دون شريك، طالما أن مفهوم الحياة المشتركة باسم الزواج ليس واضحًا. يوضح عبد الله وجهة نظره قائلًا: "المجتمع قلص الحياة الاجتماعية للفرد في خط واحد هو خط الأسرة"، مضيفًا أنه في العالم كله تحولت الأسرة الى أسرة نووية صغيرة تكونت لكي تسير في الركب ولكي لا ينبذها المجتمع، في حين أن أفرادها ليسوا دائمًا سعداء؛ لأنهم من البداية لم يختاروا الزواج كخطوة للحياة مع أفراد لا يمكنهم الاستغناء عنهم.

ويقول عبد الله: "إن اختيار الشركاء لا يتم عن طريق البحث عن شخص أستطيع أن أتشارك معه الحياة، وأقبله كما هو، بل عادةً ما يبحث الشخص عن آخر يلبي احتياجاته النفسية والجسدية فقط"، ويبرر: "لذلك تفشل معظم العلاقات، أو تظل قائمة ولكن بلا سعادة"، لذا "فالعزوبة بالتأكيد هي خيار أفضل للبعض طالما لم يغير المجتمع والأفراد فكرتهم عن الزواج".

يتفق هذا الرأي مع رأي علاء مرسي، مستشار العلاقات الإنسانية والزوجية والمعالج النفسي. إذ يرى مرسي أن الإنسان بطبعه يبحث دائمًا عن الحلول الأسهل، لذلك يتزوج الأفراد لكي يسبحوا مع التيار المجتمعي -وليس ضده- ولكن من دون وعي بقيمة الزواج نفسه أو بكيفية إنجاحه. ويفسر مرسي ذلك بقوله: "المجتمع لديه موروث، وهو أنه لا قيمة للرجل إلا إذا تزوج، ولا للمرأة إلا إذا أنجبت، وهكذا بحيث إن مَن لا يقوم بدوره هذا الذي حدده المجتمع يتم وضعه في مرتبة متدنية". ويضيف: الزواج قيمة روحانية وإنسانية، وهو مصدر للتنوُّر والحكمة والارتقاء والسعادة ، فعلى مَن لا يدرك ذلك أن يظل أعزب حتى يستوعب سمو هذه العلاقة. ويختتم مرسي حديثه، قائلًا: يجب التوقف عن دفن رؤوسنا في الرمال، ومواجهة الحقيقة كما هي. على المجتمع أن يُرسي المفاهيم الصحيحة للزواج، بحيث يقوم على أساس الشراكة والحب والاحترام، مما يسهم في تشجيع الشباب على فهم هذه العلاقة السامية فهمًا صحيحًا؛ فالزواج لا يجب أن يكون مجرد "إطار جميل" وفي الحقيقة أن السوس يأكله من الداخل.